مبدأ الفصل بين السلطات وحتمية التطور

فارس حامد عبد الكريم*

مبدأ الفصل بين السلطات وحتمية التطور

يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات من أهم الاعمدة التي تستند عليها الديمقراطية الحديثة ، ومن جملة الآثار المترتبة عليه تحقق عوامل الإستقرار السياسي والإداري للدولة مما يؤدي الى التطور الحتمي في كافة مجالات الحياة، فالعلاقة بين المبدأ والتطور الحضاري والإقتصادي والتكنلوجي كالعلاقة بين العلة والمعلول والسبب ونتيجته.

حيث يقضي هذا المبدأ بتوزيع السلطة على هيئات متعددة والغرض من ذلك، يختلف بإختلاف جهة الخطاب:

1- بالنسبة لسلطات الدولة الثلاث:

الغرض من ذلك هو الضبط والتوازن والرقابة المتبادلة بين سلطات الدولة الثلاث (التشريعية، التنفيذية، والقضائية) لمنع الإنحراف بالسلطة والتعسف، ولمنع نشوء نفس دكتاتوري في كل سلطة من هذه السلطات، ومن ثم تعزيز دولة القانون والمؤسسات عبر تقسيم المهام والإختصاصات لضمان حسن سير وأداء المرافق العامة.

2- بالنسبة للأفراد: يهدف المبدأ الى حماية الحريات العامة ومنع الاستبداد، والتأكيد على ان جميع السلطات في الدولة وجدت لحمايته وتحقيق امانيه وتطلعاته المشروعة المقررة في الدستور والقوانين ، فالهدف النهائي للمبدأ هو ضمان حماية المواطن من تعسف السلطات العامة وتأكيد استيفاء حقوقه، بناءاً على (نظرية دولة المواطنة) في الدولة الحديثة القائمة على أساس أن الدولة ملك لجميع مواطنيها، وتضمن المساواة المطلقة* في الحقوق والواجبات على "المراكز القانونية المتماثلة"، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون دون تمييز على أساس الدين، العرق، الجنس، أو المذهب، وتبنى على «عقد مواطنة» يربط الفرد بالدولة، محققةً قيم العدالة، الحرية، والعيش المشترك.

التطور التاريخي:

تطور هذا المبدأ تاريخياً في العصور القديمة عند اليونان والرومان كأداة لمنع الاستبداد.

اولاً- مبدأ الفصل بين السلطات عند اليونان:

بالنسبة الى افلاطون: فقد أشار في كتاب "القوانين" إلى ضرورة توزيع وظائف الدولة على هيئات متعددة، مؤكداً على أهمية التوازن والتعاون بينها لتحقيق المصلحة العامة ومنع الاستبداد.

اما ارسطو: فقد طور الفكرة في كتابه "السياسة"من خلال تقسيم وظائف الدولة إلى ثلاثة أقسام: الوظيفة التداولية (التشريعية)، ووظيفة الحكام (التنفيذية)، ووظيفة القضاء.

ثانياً- مبدأ الفصل بين السلطات عند الرومان:

تم تطبيق المبدأ من خلال الإجراءات التالية:

1- الحكومة المختلطة:

تبنت الجمهوريةالرومانية نظاماً يدمج عناصر الملكية (القناصل)، والأرستقراطية (مجلس الشيوخ)، والديمقراطية (المجالس الشعبية).

2- الرقابة المتبادلة:سعى النظام الروماني إلى توزيع السلطات لضمان عدم استئثار فرد أو هيئة واحدة بزمام الحكم، حيث يراقب كل جزء الآخرين.

الهدف المشترك:

تمثل الهدف الرئيسي المشترك لدى الحضارتين اليونانية والرومانية في منع استبداد الحكام، وحماية الحريات،وضمان حسن سير الإدارة من خلال توزيع السلطة بدلاً من تركيزها، فنتج عن ذلك حضارات عظيمة وتطور في الفكر والفقه والحياة العامة، لايزال تاثيره قائماً الى اليوم.

ثالثاً- الفصل بين السلطات عند مفكري النهضة:

1- جون لوك (القرن 17): اقترح ضرورةفصل السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية لتجنب إساءة استخدام السلطة.

2- مونتسكيو (القرن 18): يعود الفضل في احياء هذا المبدأ في العصور الحديثة إلى الفيلسوف مونتيسكو، في كتابه الشهير (روح القوانين)، فهو صاحب مقولة أن "السلطة توقف السلطة"

إذ يرى مونتسكيو وجوب أن توقف كل سلطة عند حدها بواسطة غيرها بحيث لا تستطيع أي سلطة أن تسئ استعمال سلطتها أو تستبد بتلك السلطة ".

حيث طور المبدأ في كتابه (روح القوانين) محدداً ثلاث سلطات: التشريعية (سن القوانين)، التنفيذية (تطبيق القوانين وإدارة الدولة)، والقضائية (فصل النزاعات).

الهدف الجوهري: صيانة الحرية السياسية ومنع تركيز السلطات في يد فرد أو هيئة واحدة، مما يؤدي للاستبداد.

طبيعة الفصل: دعا مونتسكيو إلى "فصل مرن" يسمح بتعاون وتوازن السلطات لمنع تغول إحداها على الأخرى، وليس فصلاً مطلقاً، لضمان عمل الدولة بشكل معتدل.

رابعاً- المبدأ والثورة الفرنسية:

تبني المبدأ من قبل رجال الثورة الفرنسية سنة 1789م.

وتم تضمينه في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لعام 1789 بشكل صريح ، حيث نصت المادة 16 منه على أنه لا دستور لأي أمة لا تضمن فيها الحقوق أو لا يُفصل فيها بين السلطات.

ويُعد هذا الإعلان وثيقة أساسية أرست قيم الثورة الفرنسية، مستلهماً أفكار فلاسفة التنوير ومونتسكيو.

وأخذت به الدساتير الفرنسية كدستور 1791م ودستور 1848م إذ اشتملت على مبدأ الفصل بين السلطات وكذلك معظم الدساتير العربية والغربية سواء بصورة صريحة أم ضمنية.

الهدف الجوهري:

إن الهدف الجوهري لمبدأ الفصل بين

السلطات هو منع الاستبداد وتركيز سلطات الدولة (التشريعية، التنفيذية، القضائية) في يد فرد أو هيئة واحدة.

1- منع الاستبداد والتعسف: يعد الهدف الأساسي، حيث إن جمع السلطات يؤدي إلى سوء استعمالها، لذا فإن توزيعها يحد من تغول سلطة على أخرى.

2- حماية الحريات العامة: من خلال استقلال القضاء وتوزيع المسؤوليات، يتم حماية حقوق المواطنين وحرياتهم من أي تعدي.

3- نظام الضوابط والتوازنات (Checks and Balances): يضمن المبدأ أن تراقب كل سلطة الأخرى وتمنعها من تجاوز حدودها، وهو ما يوفر مرونة في اتخاذ القرارات لصالح الدولة.

4- حسن أداء الوظائف (التخصص):

يؤدي تقسيم العمل إلى تخصص كل هيئة في وظيفتها (التشريع، التنفيذ، القضاء)، مما يزيد من كفاءة وإتقان العمل الحكومي.

5- سيادة القانون: يضمن خضوع السلطات الحاكمة للدستور والقانون وليس العكس.

6- نشوء دولة المؤسسات: يضمن المبدأ نشوء دولة المؤسسات، عبر منع الاستفراد بالحكم، وتوزيع الوظائف تخصصياً، وبذلك يتحول الحكم من "حكم أشخاص" إلى "حكم مؤسسات" تعمل وفق نصوص دستورية واضحة.

فتتفتق العبقريات عن مكنوناتها وتبرز الإبتكارات وتتفتح مهارات القيادة، وتنمو روح المبادرة بين الأفراد،. ويُكتسب فن إلهام الآخرين وتّنظيم العمل.

وعلى هذا النحو تبقى قواعد عمل مؤسسات الدولة راسخة لاتتغير بتغيير الرؤوساء الا بنسبة محدودة، فقد أورد الباحثين في الشؤون السياسية، ان نسبة تأثير تغيير الرئيس الامريكي على السياسات العامة لا تتعدى 20 ‎%‎

من مجمل نشاطات الدولة، وتختلف نسبة هذا التأثير باختلاف الملفات.

بينما يمتلك الرئيس تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا في مجالات مثل السياسة الخارجية، الهجرة، والرسوم الجمركية،

ومن جانب آخر تُحدّ المؤسسات الفيدرالية، والكونغرس، والقضاء من قدرته على تغيير هيكلية الدولة بالكامل، مما يجعل "الدولة العميقة" وسياساتها مستقرة نسبيًا.

حتمية التطور:

ان تبني هذا المبدأ عبر التاريخ ادى الى تطور حضاري مذهل، كما هو الحال في الحضارة الرومانية بشكل خاص حيث تطورت المؤسسات في الحضارة الرومانية عبر ثلاث مراحل رئيسية (ملكية، جمهورية، إمبراطورية)، متحولة من إدارة قبلية بسيطة إلى نظام إداري وقانوني معقد. تميزت ببروز مجلس الشيوخ (Senatus) كأعلى سلطة، وتطور المجالس الشعبية والقناصل، وصولاً إلى نظام الإمبراطورية المركزية، مع تركيز شديد على القانون وتدوينه (الألواح الاثني عشر) لضمان الاستقرار، ومن ثم انشاء ما يعرف بقانون الشعوب لترسيخ العلاقات بين الشعوب وهو نتيجة من نتائج استقلال القضاء

فقد ظهر "قانون الشعوب" (Jus Gentium) في الحضارة الرومانية القديمة (حوالي 242 ق.م) كاستجابة عملية لتوسع الإمبراطورية وزيادة الأجانب المتعاملين مع الامبراطورية، مما جعل قانون الألواح الإثني عشر الصارم غير صالح للتطبيق.

فأنشأ الرومان منصب "البريتور" (منصب قضائي) للفصل في منازعات الأجانب، مستمدين مبادئ هذا القانون من قواعد عامة وعادلة خالية من الشكليات، دمجت بين القانون الروماني واليوناني ومبادئ القانون الطبيعي، فتشكل من احكام البريتور ما عرف بقانون الشعوب.

خامساً- وفي العصر الحديث:

أدى التطبيق الموضوعي لمبدأ الفصل بين السلطات وحمايته للحريات العامة والإقتصادية الى تطور هائل في كافة مجالات الحياة والعلم البحثي النظري والتكنلوجي، وهذا هو نفسل ماحصل في دول الغرب وشرق اسيا ومنها اليابان وكوريا الحنوبية، تبعاً لمبدأ الحتمية الذي يعني "أن توفر مجموعة من الشروط ضمن مجموعة من الظروف يؤدي إلى نتائج معينة.

وتكرار نفس الشروط ضمن نفس الظروف سوف يؤدي إلى نفس النتائج حتما مما يتيح فرصة التنبؤ بحدوث الظواهر قبل وقوعها "

فلكل ظاهرة علمية علة (سبب) أدت إلى وجودها، حيث تربط علاقة مباشرة بين السبب والأثر، هذا يعد قانونا علمياً ورفضه يعني إلغاء العقل و العلم.

إن رفض الحتمية يؤدي مباشرة إلى الوقوع في الصدفة التي تعد تبريرا للجهل ( التفكير الساذج ).

إن ترسيخ هذا المبدأ بحماية قضائية ودستورية يكفل التطور المنشود في بلادنا، ويضع الأمور في نصابها المحدد.

------

The principle of separation of powers and the inevitability of evolution.

-------

*النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

750 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع