ماذا يفعل الغرور بالانسان

ذِكرى البياتي

ماذا يفعل الغرور بالانسان

الغرور ليس مجرد صفة سلوكية عابرة، بل حالة نفسية وقلبية عميقة، تبدأ بانخداع الإنسان بنفسه، وتتغذى على الإعجاب المفرط بها، والاعتزاز المبالغ فيه بما يملكه من جاه أو مال أو علم. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الإعجاب إلى تعالٍ خفي على الآخرين، ويقود النفس البشرية نحو هوى لا يعرف حدودًا، فتقع في أفعال تضرها أكثر مما تنفعها.
الغرور في جوهره عزلة صامتة.
عزلة لا يراها صاحبها، ولا يشعر بثقلها في بدايتها. لا ألم فيها ولا إنذار، وإنما تغيّر تدريجي في المسافة بينه وبين أقرب الناس إليه. يصبح العالم أضيق، محصورًا في ذاته، وأبعد عن الحقيقة. تلك هي الخطوة الأولى في طريق الغرور.
لا يرفع الغرور الإنسان كما يتوهم، بل يفصله عمّن حوله.
يجعله يسير بين الناس وكأنه وحده، يسمع صوته أعلى من كل الأصوات، ويعتقد أن ما وصل إليه كان ثمرة جهده الخالص، ناسياً تلك اليد الخفية التي يسّرته، وسترت عيوبه، وفتحت له الأبواب حين كانت مغلقة.
وفي القرآن الكريم، لا يُذكر الغرور كعيبٍ سطحي، بل كحالة قلبية خطيرة تُفقد الإنسان قدرته على الرؤية السليمة. فالقلب حين يتعاظم يضيق، فلا يعود يتسع للدهشة، ولا للامتنان، ولا حتى للاعتراف بأن ما يملكه كان يمكن أن لا يكون. ولهذا، كانت عبارة «أنا وصلت» لدى كثيرين بداية الانحدار النفسي، لا بلوغ القمة.
التحذير القرآني من الاختيال والمرح في الأرض لا يستهدف الفرح، بل يقطع الوهم؛ وهم الاكتفاء الذاتي، ووهم القوة المطلقة، ووهم الاستغناء عن الله. فالقرآن لا يهدم الذات الإنسانية، بل ينقذها من الانتفاخ الذي يسبق الانفجار.
في المقابل، يأتي ذكر الله كمساحة أمان تعيد للقلب توازنه.
فحين يقول الإنسان سبحان الله، لا ينفي النقص عن نفسه فقط، بل يعترف به بهدوء.
وحين يقول الحمد لله، يعيد ترتيب النعمة إلى أصلها، فلا تضل طريقها إلى صاحبها الحقيقي.
وحين يهمس الله أكبر، يتراجع كل ما تعاظم في داخله خطوة بعد خطوة.
الغرور يجعل الإنسان وحيدًا، حتى وهو محاط بأعزّ الناس.
أما ذكر الله، فيعيده إلى صحبته الأولى: مع الله بقلبٍ سليم، ومع الناس بتواضع، ومع نفسه كما هي لا كما يتخيلها.
وفي النهاية، الغرور تعب طويل بلا استراحة،
بينما التواضع راحة ورفعة لا تحتاج إلى إثبات.
فالانكسار بين يدي الله ليس سقوطًا، بل عودة إلى الأصل، إلى اليقظة، إلى الطين الأول الذي شُكّل بنفخة روح، لا بكِبر نفس.
يبقى الله كبيرًا كما هو،
وتبقى النفس مطمئنة حين تدرك أنها لم تعد مضطرة لإثبات شيء.
فطوبى لقلبٍ عرف أن أعظم السموّ
أن يقول: يا رب
دون أن يسبقها شيء.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1264 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع