
أ. د. نزار الربيعي
صورة الفارس والفروسية على النقود العربية آنذاك
لم تكن الصدقة تؤدي دورها في ظهور صورة الفارس على النقود العربية التي تعد أهم وثيقة رسمية تصدرها الدولة والتي تمثل في الوقت نفسه ركناً من أركان السلطة ، فقد عمد أصحاب هذه النقود الى وضعها نظراً لما ترمز اليه من معان وصفات حميدة، فالفارس العربي تحلى بالفضائل الخلقية من شجاعة وكرم وشهامة وعزة نفس وضيافة ونكران ذات وروح تضحية واحترام المرأة ورعاية المستجير وغياث الملهوف وغيرها.
والفروسية العربية كانت موجودة قبل الاسلام واستمرت بعده حيث اتخذت في هذا الوقت طابعاً منظماً، وكان لها أصول وقواعد وقوانين خاصة ولها تعاليمها والعابها، كما أصبحت تتضمن حفل تنصيب رسمي للفارس ، يقام باسم الأمير أو الحاكم الديني.
وكان النظام القبلي (علاوة على البيئة وفطرة الدم) في الجاهلية عاملاً من عوامل ظهور الفروسية ، وأن فرسان القبيلة كانوا بمثابة (الجيش للدولة) وكل فرد فيها يهتم باظهار بطولته ، ولم يكن ليخضع لأي تنظيم وإنما يبغي ان تكون ضربته ضربة للقبيلة كلها ، لذا أصبح انتصارها يتوقف على تصرف الافراد وقدرتهم في القتال لا على التنظيم العسكري لمجموع المحاربين وهذا ما قوى الروح الفردية وجعل الفرصة مؤاتية للافراد لاظهار شجاعتهم وابراز فروسيتهم ، وكم كانت نشوة الحرب تبلغ بالفارس حين يناديه الابطال يبرز اليهم مصارعاً ، وكأن المعركة كته الخاصة وليست القبيلة كلها ، فبيده النصر معر كما في يده الهزيمة ، وغالباً ما تنتظر القبيلتان نتيجة هذا. الصراع الفردي ثم تحمل كل قبيلة على الاخرى، وبالنظر الما كان لهذه المبارزات من اثر فعال في مصير المعركة فقد كانت القبائل تدفع بأشهر فرسانها في اول لقاء لهم حتى نضمن الفوز والغلبة.
وعندما اصبح العرب في صدر الإسلام أمة واحدة وجيشاً واحداً يفرض حمايته على الجميع ويشيع الأمن بين الناس ولم يدع فرصة لروح الفردية ان تظهر أو يسمح لأي فارس أن يخرج عن خطة الجيش ليبرز، اذ أن قيمة التنظيم العسكري يقدم على المجموع لا فيما يقدم به الفرد وبالرغم من هذا التغير (من الفردية الى الجماعية) في الفروسية العربية فأن الفارس ظل متمسكاً بالصفات الحميدة.
والفروسية العربية بشكلها المنظم استمرت حتى اواسط القرن الثالث الهجري (٩م) المثل الأعلى للانسان في حياته إلا أن مفهومها تغير بعد هذا التاريخ، فقد شوه سمعتها بعض العناصر وعلى رأسها (العيارون الشقاة ) فدخل في نظامها القبيح والمنكر، كهتك اعراض الناس واغتصاب اموالهم والاعتداء على حقوقهم وغيرها من الافعال السيئة (لم تصلنا هذه الفترة نقود عليها صورة الفارس) وقد تم هذا التغيير بنظام الفروسية بعد أن ضعفت الدولة العباسية وتنازعتها الاهواء والنحل، واستبد بشؤونها المتنفذون وصار الخليفة العوبة بيد الامراء والقادة، ومن هذا المنطلق اخذ كثير من الناس يتجنب الفروسية ونظامها الجديد خشية أن الحق به العار، وأستمر هذا الوضع السيئ قرابة القرنين والنصف الى أن قيض الله في القرن السادس الهجري (١٢) الخلفية العباسي الناصر لدين الله (575-622) الذي أعادها الى سيرتها الحميدة الاولى - وقد وصلنا من هذا القرن جميع النقود العربية (موضوعة البحث) وعليها صورة الفارس (عدى نقدي الخليفتين المأمون والمقتدر بالله سالفي الذكر) .
فالفروسية العربية اذن قد سبقت تأسيس منظمة الفروسية الأوربية (التي كان لنظام الاقطاع عاملاً من عوامل ظهورها) بعد قرون ـ وهو أمر لا يقره بعض الباحثين من المستشرقين ـ وكان تأثير العرب كبيراً على بعض أساليب الفروسية وآدابها بعد ان استعاروها لتلائم عبقريتهم ، وبعد أن فهموا حقيقة العرب من أنهم اكثر تفوقاً وتحضراً، ولا عجب أن يزداد اهتمام هؤلاء الأوربيين على استعارتها وهم الذين أخذوا عنهم كثيراً من مبتكراتهم وعاداتهم وحضاراتهم.
يتضح من هذه المقدمة ان نقش صورة الفارس العربي على النقود كان الغرض منها ابراز الفضائل والصفات الحميدة التي تكمن وراء الفارس والفروسية. أو ربما ابراز فروسية العلم والبيان العربي ، ومن يدري لعل المقصود من الصورة الفروسيتان (فروسية الشجاعة والكرم..) و (فروسية العلم والبيان) ولابد لي من الاشارة هنا الى نقطة جديرة بالذكر ، ولربما فاتت على كثير من الباحثين وهي انه قد يعتقد هؤلاء ان النقود قد اقتصر ضربها على التعامل والتبادل التجاري ، والواقع ان للنقود دوراً آخر لا يقل أهمية (اذا لم يزد) عن دورها التجاري، ألا وهو الدور الاعلامي والدعائي في ايصال آراء أصحاب هذه النقود ومبادئهم وعقائدهم الى عامة الناس والمتعلقين بهم بشكل صور او نصوص كتابية ، فهي من هذا المنطلق تقوم مقام الوسائل الاعلامية في وقتنا الحاضر كالاذاعة والتلفزيون والصحافة والمؤتمرات وغيرها ، ويمكن تسمية هذا النوع من النقود بـ(النقود الاعلامية أو الدعائية) وهي (موضوع بحثنا في هذه الصفحات) ولا يمنع أن تكون النقود الاعلامية نقود تعامل و تبادل تجاري ايضا بيد أن هذا الغرض يأتي بالدرجة الثانية .
أن اقدم ما وصلنا من نقود عربية وعليها صورة الفارس كان من : من عهد الخليفة العباسي المأمون (۱۹۸ – ۲۱۸هـ) حيث هناك نقد فضي باسم وزيره ذو الرياستين (الفضل بن سهل) يبدو عليه الفارس وكأنه يريد القيام بحركة معينة كما وصلنا نقد فضي آخر باسم الخليفة المقتدر بالله (٢٩٥ -۳۲۰ھ) نقش فوق صورة الفارس (الله جعفر).
وفي القرنين السادس والسابع الهجريين (12-13م) ظهرت في العصر السلجوقي نقود ربية عليها صورة الفارس بأوضاع مختلفة ، منها ان الفارس ماسكا بيده اليمنى الرمح يطعن به حيواناً صغيراً (اشبه بالغزال) تحت قدمي الحصان الامامية ، أو أنه (أي الفارس) قد اتخذ وضعاً يبدو وكانه . يرمي السهم من قوسه الذي يحمله باتجاه أفقي، ومرة ترى الفارس وقد وضع الرمح على كتفه الأيمن وهو في حالة تأهب لصيد أي حيوان طارئ ، اضافة الى ذلك فاننا نرى الحصان قد اتخذ هو الآخر أوضاعاً وحركات مختلفة، فمرة نراه يتردد في القيام بحركة معينة فيرفع رجليه الاماميتين الى أعلى مرتكزاً بجسمه على رجليه الخلفيتين ، ومرة نراه وهو في حالة حركة سريعة الى الامام يبدو ذلك من وضع أرجله.

1095 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع