
قلم باندان
العراق وأسْرُ الأيديولوجيا: حين يقاتل الماضي نيابةً عن الحاضر
يبدو التاريخ، في لحظات التحول الكبرى، ككائنٍ حيٍّ يمدّ يده إلى الأمم، لا ليصافحها بل ليمتحن قدرتها على الفكاك من أثقاله. بعض الشعوب تنجح في قراءة الإشارة، فتغادر زمنها القديم إلى زمنٍ جديد، وبعضها الآخر يسيء فهم النداء، فيظن أن الخلاص يكمن في العودة إلى الوراء، إلى الأفكار التي صنعت مآسيه الأولى.
وفي هذا المفترق بالذات يقف العراق: بلدٌ لم يُهزَم فقط في الحروب، بل في قدرته على مغادرة خرائطه الذهنية القديمة.
يُقال إن زمن الأيديولوجيات قد انطوى، وإن الدول القومية والإثنية فقدت مبررات وجودها الصلبة في عالمٍ يتجه – نظرياً على الأقل – نحو البراغماتية، والمصالح الباردة، والدولة الوطنية الجامعة.
لكن العراق، على نحوٍ مفجع، لم يغادر ذلك الزمن. بل يبدو كأنه آخر الحراس المتعبين على أطلاله.
فبرغم كل ما جرى عليه من كوارث بسبب تلك الأيديولوجيات نفسها، وبرغم أنه كان أحد أكثر ضحاياها فداحة، لا يزال يتماهى معها، ويتصرف وكأنه الفارس المُفدّى لها، والحارس الأخير لراياتها الباهتة.
وإلا فبمَ يمكن تفسير هذا الإصرار المزمن على الاحتراب؟
وبمَ يمكن تفسير هذا التشبث بسيفٍ مشرَع، ودرعٍ مصقول، في معارك لا تفرضها ضرورة وطنية، ولا تُمليها مصلحة عراقية، ولا تبررها حتى أخلاق السياسة؟
العراق اليوم يقف في وضعية المقاتل المتطوع في حربٍ ليست حربه، والحارس الأمين لمعارك الآخرين، والرهينة الطوعية لصراعات تُدار فوق أرضه وبدمه، لا من أجل مستقبله بل من أجل أوهام أيديولوجية عابرة للحدود.
والمفارقة أن كل هذا يجري برغم التحذيرات، وبرغم النصائح، وبرغم التجارب المريرة التي كان يُفترض أن تكون كافية لتوليد حدٍّ أدنى من الحكمة السياسية.
إن ما يدفع العراق إلى هذا السلوك الانتحاري ليس تهديداً وجودياً حقيقياً، ولا ضغطاً دولياً قاهراً، ولا حتى ضرورة دفاعية.
بل هو شيء أعمق وأخطر:
ولاءٌ عقيدي، أو إثني، أو طائفي، يُقدَّم على الولاء الوطني.
إنه استبدال مفهوم الدولة بمفهوم الجماعة، ومفهوم السيادة بمفهوم العقيدة، ومفهوم المصلحة العامة بمفهوم “النصرة الأيديولوجية”.
ولهذا يضرب العراق عرض الحائط بكل المسارات التي كان يمكن أن تقوده إلى الانفراج:
مسارات الحياد الإيجابي،
ومسارات التوازن الإقليمي،
ومسارات بناء الدولة من الداخل،
ومسارات الانكفاء عن صراعات الآخرين.
كلها تُهمَل لصالح خيارٍ واحدٍ متكرر:
الارتهان، ثم التورط، ثم دفع الفاتورة.
إن ما يحكم السلوك السياسي العراقي اليوم ليس منطق الدولة الحديثة، بل متلازمة العبودية والتبعية:
العبودية لفكرة،
والتبعية لمحور،
والارتهان لسردية “الواجب العقيدي” التي تُحوّل الدولة إلى أداة، والمجتمع إلى وقود، والسيادة إلى شعار أجوف.
وفي زمنٍ صار فيه العالم يتحدث عن الوطنية بوصفها حماية المصالح لا استعراض الشعارات، وعن التقدمية بوصفها تحسين حياة الناس لا الموت نيابةً عن الآخرين، لا يزال العراق يتصرف كأنه يعيش في خمسينيات القرن الماضي، حين كانت الأيديولوجيات تُغري الدول بالانتحار تحت لافتة البطولة.
العراق لا يُستنزَف اليوم لأن أعداءه أقوياء فقط، بل لأنه لم يتحرر بعد من أعدائه الساكنين في داخله:
أعداء العقل،
وأعداء الدولة،
وأعداء فكرة “العراق أولاً”.
وما لم يُكسَر هذا القيد الأيديولوجي، سيبقى العراق مقاتلاً في معارك الآخرين، وخاسراً في معركته الوحيدة التي تهم فعلاً:
معركة أن يكون دولة طبيعية في عالمٍ لا يرحم المتخلفين عن زمنه.
وكأن العراق يقف اليوم على رصيف التاريخ، يحمل تذكرةً إلى محطةٍ أُغلقت منذ عقود، ويُصرّ على انتظار قطارٍ لن يعود.
يرتدي درعاً صدئاً من حروب الأمس، ويشهر سيفاً من أساطير منقرضة، فيما تمرّ أمم العالم من حوله بملابس العمل، وحقائب المستقبل، وأدوات البناء.
هو لا يُهزَم لأن خصومه أذكى، بل لأنه ما زال يقاتل أشباحاً، ويؤدي طقوس ولاءٍ في معبدٍ تهدّمت جدرانه، ولم يبقَ فيه سوى صدى الشعارات.
وإلى أن يدرك أن الأوطان لا تُبنى بالسيوف، بل بالعقول،
وأن السيادة لا تُستعار من المحاور، بل تُستخرج من الداخل،
سيظل يدور في حلقةٍ طقسيةٍ مغلقة:
ينحر حاضره قرباناً لماضٍ لا يسمعه،
ويكتب تاريخه القادم بالحبر نفسه الذي كُتبت به هزائمه السابقة.
ذلك هو مأزق العراق الحقيقي:
ليس في أعدائه…
بل في مرآته.

859 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع