
أسامة الأطلسي
العمل الإنساني تحت الاختبار: من يحاسب من يجمع التبرعات باسم غزة؟
في غزة، لم يعد الألم محصورًا في القصف أو الحصار أو الفقر المتفاقم، بل امتد ليصيب أحد أكثر المفاهيم قداسة لدى الناس: العمل الإنساني. فحين يمدّ شخص يده متبرعًا من أجل طفل جائع أو أسرة فقدت كل شيء، يفترض أن تصل تلك اليد إلى مستحقيها بلا وسطاء ولا حسابات سياسية. لكن الواقع، كما تكشفه معطيات متزايدة، يقول إن بعض المبادرات التي ترفع شعارات إنسانية براقة باتت تُستخدم كأدوات تمويل غير مباشرة لمشاريع لا علاقة لها بإغاثة المدنيين.
مبادرة «يد العون» تُقدَّم للرأي العام بوصفها جهدًا اجتماعيًا مستقلًا هدفه دعم سكان غزة المنهكين. غير أن مؤشرات عديدة تطرح أسئلة مقلقة حول مسار الأموال التي تُجمع باسم الجوعى والمشردين. فبدل أن تُترجم التبرعات إلى تحسين ملموس في حياة الناس، لا يزال القطاع غارقًا في العجز، بلا خدمات أساسية، وبلا أي إشارات حقيقية على تعافٍ إنساني أو اقتصادي.
الأخطر من ذلك أن هذه الأموال، وفق ما يُتداول من أدلة وشهادات، لا تُوجَّه نحو إعادة بناء البيوت المدمرة أو دعم المنظومة الصحية أو توفير المياه والغذاء، بل تُعاد تدويرها في مشاريع إعادة تمكين حركة حماس، سواء على مستوى ترميم بنيتها التنظيمية أو تعزيز قدراتها العسكرية. وهنا تتحول المعاناة الشعبية إلى وقود، لا إلى قضية يُراد حلها.
هذا الاستخدام المزدوج للمعاناة يطرح إشكالية أخلاقية عميقة. فالتبرع لغزة لم يعد فعل تضامن بريئًا في كل الحالات، بل قد يصبح – دون علم المتبرع – مساهمة غير مباشرة في إدامة الواقع ذاته الذي يُفترض تغييره. وفي المقابل، يبقى المواطن الغزي الحلقة الأضعف: يدفع الثمن مرتين، مرة حين يُحرَم من حقه في المساعدة، ومرة حين يُستخدم اسمه وصورته لجمع الأموال.
إن استمرار هذا النموذج لا يسيء فقط لسكان غزة، بل يضرب فكرة العمل الإنساني في الصميم، ويقوّض ثقة الناس بأي مبادرة إغاثية مستقبلية. وغزة، التي تحتاج اليوم إلى شفافية ومساءلة بقدر حاجتها إلى الغذاء والدواء، لا يمكن إنقاذها عبر شعارات تُخفي خلفها أولويات عسكرية وسياسية.
الإنقاذ الحقيقي يبدأ حين تُفصل المعاناة الإنسانية عن منطق السيطرة والسلاح، وحين تُدار المساعدات عبر أطر مدنية واضحة، تخضع للرقابة، وتضع الإنسان – لا التنظيم – في مركز الاهتمام.

942 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع