قراءة تأملية في رواية «پيريڤان ... صدى الهمس المخنوق» للروائي سعد العبيدي

قراءة تأملية في رواية «پيريڤان... صدى الهمس المخنوق» للروائي سعد العبيدي

تُقرأ رواية "پيريڤان... صدى الهمس المخنوق" من زوايا متعددة، فهي في أحد مستوياتها عملٌ سردي يوثق، بقدر كبير من الصدق، واحدة من أكثر المآسي قسوة في التاريخ العراقي الحديث؛ مأساة الإيزيديين، ولا سيما النساء اللواتي وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة عالم أعاد إنتاج مفاهيم الرق والسبي والعبودية في القرن الحادي والعشرين. غير أن الرواية لا تقف عند حدود التوثيق، وإنما تتجاوزه إلى بناء خطاب إنساني يجعل القارئ يعيش الفجيعة، لا بوصفها خبرًا في أرشيف الحروب، وإنما تجربةً تنبض بالألم والقلق والانتظار.

منذ الصفحات الأولى، ينجح سعد العبيدي في أن يعيد تشكيل تلك اللحظة التي بدا فيها التاريخ وكأنه ارتد قرونًا إلى الوراء. فمن خلال الطفلة پيريڤان، ذات الأعوام العشرة، لا يقرأ المتلقي حكاية سبية فحسب، وإنما يجد نفسه أمام صورة العبودية وقد عادت بثوب معاصر، يوم اجتاحت عصابات داعش سنجار وسائر المناطق الإيزيدية، فحوّلت الإنسان إلى غنيمة، والمرأة إلى سلعة، والطفولة إلى ذكرى مبتورة، وأعادت إلى الذاكرة مشاهد كان العالم يظن أنها دُفنت مع عصور الرق وانتهت إلى غير رجعة.
ولا يكتفي الكاتب باستحضار الحدث، وإنما يضع القارئ في قلبه، حتى تبدو الوقائع وكأنها تُولد من جديد أمام عينيه. فلا تتقدم پيريڤان بوصفها شخصية روائية فحسب، بل بوصفها ضمير طفولةٍ تُنتزع من براءتها على نحو مفاجئ، وتُلقى في عالم لا تعود فيه الطفلة طفلة، ولا الأم أمًّا، ولا البيت بيتًا، ولا الوطن قادرًا على حماية أبنائه. وهنا تكمن قوة السرد؛ إذ لا يعتمد على فظاعة المشاهد وحدها، وإنما على ما تتركه من ارتجاج نفسي يجعل القارئ يعيش الانكسار من داخل الضحية، لا من خارجها.
ومن خلال هذه البداية، ينجح العبيدي في أن يضع القارئ أمام مفارقة إنسانية قاسية؛ فالتقدم العلمي الذي بلغته البشرية، وما ترفعه من شعارات عن حقوق الإنسان وكرامته، لم يمنع أن يعود السبي، وتعود أسواق النخاسة، ويُباع الإنسان ويُشترى باسم الدين، وكأن التاريخ لم يتقدم إلا في أدواته، بينما ظل قادرًا، كلما وجد التعصب بيئةً خصبة، على استدعاء أكثر صفحاته ظلامًا.
وتتجاوز الرواية حدود تسجيل الألم، لتعمل على تحويله إلى معرفة. فالمأساة هنا لا تُروى من أجل استدرار العاطفة، وإنما لتبقى حاضرة في وعي الأجيال، بوصفها درسًا في ما يمكن أن يبلغه الإنسان حين يتخلى عن إنسانيته، وحين يجد التطرف في الدين غطاءً يبرر به القتل والسبي واستباحة الآخر.
وفي بنيته السردية، لا يكتفي الكاتب بتقديم پيريڤان ضحيةً لتنظيم متطرف، وإنما يجعلها نافذةً يطل منها على المجتمع نفسه، وعلى الأسئلة التي يتركها العنف في النفوس بعد أن يتوقف إطلاق النار. ولعل السؤال الأكثر إيلامًا الذي ينساب بين صفحات الرواية هو: هل يستطيع الإنسان أن يعود إلى المكان الذي فقد فيه كل شيء؟ وهل يستطيع المجتمع أن يستقبل ضحاياه بقلوب خالية من الأحكام المسبقة؟
ويبدو واضحًا أن خبرة الكاتب في علم النفس السريري انعكست على بناء الشخصيات والمواقف أكثر مما انعكست على اللغة نفسها. فمشاهد العنف لا تعتمد على الإثارة، وإنما على دقة الملاحظة وتشريح الانفعال الإنساني، حتى تبدو كثير من الصفحات أقرب إلى قراءة نفسية عميقة لضحايا الصدمات منها إلى وصف خارجي للأحداث. وهذا ما يمنح الرواية صدقيتها، ويجعل الألم فيها يتسلل إلى القارئ بهدوء، من غير افتعال أو مبالغة.
كما تفتح الرواية بابًا شائكًا على الكيفية التي استندت بها داعش إلى تأويلات دينية منحرفة لتبرير السبي والقتل، فتدفع القارئ إلى إعادة التفكير في العلاقة بين النصوص الدينية وقراءاتها المتطرفة، من غير أن تتحول إلى خطاب جدلي أو وعظي، إذ تترك للأحداث نفسها أن تكشف حجم الكارثة التي يمكن أن تنشأ حين يُختطف الدين من قبل دعاة العنف.
غير أن ما يميز الرواية هو أنها لا تجعل نهاية الأسر نهايةً للمأساة. فبعد التحرير، تبدأ معركة أخرى لا تقل قسوة؛ معركة العودة إلى المجتمع. وهنا يطرح سعد العبيدي قضية كثيرًا ما بقيت في الظل، وهي أن الضحية قد تنجو من السجّان، لكنها لا تنجو دائمًا من نظرة المجتمع إليها. فبدل أن تجد السبايا في بيئتهن حاضنةً تخفف آثار الصدمة، تصطدم بعضهن بقيم اجتماعية تزيد الجراح عمقًا، وتجعل العودة نفسها امتحانًا جديدًا، وما يميزها أيضًا أو أكثر ما يميزها هي إنها لا تجعل السبي ذروة الأحداث، كما قد يتوقع القارئ، وإنما تجعله بدايةً لمسار نفسي طويل. فالمحنة الحقيقية لا تنتهي بانتهاء الأسر، لأن الجسد قد يستعيد حريته، بينما تبقى الذاكرة أسيرة ما شهدته. ومن هنا يتحول السؤال في الرواية من: كيف نجت پيريڤان؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن لإنسان أن يستأنف حياته بعد أن سُلبت منه طفولته، وأسرته، وثقته بالعالم؟ وهنا يغادر النص حدود التوثيق التاريخي، ليدخل ميدان الرواية النفسية، حيث تصبح آثار الصدمة هي الحدث الحقيقي الذي يستمر حتى الصفحة الأخيرة.
ومن هذا المنظور، تبدو النهاية التي اختارها الكاتب لبطلته منسجمة مع المسار النفسي للرواية. فخروج پيريڤان من سنجار، ثم من العراق، ليس انتصارًا للغربة، ولا هزيمة للوطن، بقدر ما هو تعبير مؤلم عن عجز المجتمع عن احتواء ضحية دفعت ثمن جريمة لم ترتكبها. وحين تحمل طفلًا لا ذنب له إلا أنه وُلد من رحم المأساة، يصبح الرحيل بحثًا عن فضاء أرحب للكرامة، لا هروبًا من الذاكرة.
إن «پيريڤان... صدى الهمس المخنوق» ليست رواية عن الإيزيديين وحدهم، ولا عن داعش وحدها، وإنما عن الإنسان حين يُسلب حقه في أن يكون إنسانًا، وعن الذاكرة التي ترفض أن تصمت، حتى لو تحول همسها إلى الصدى الذي يرافق القارئ بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

719 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع