

تيه الجنوب / الجزء الثاني عشر - حفل وداع
أقامت القوات الأمريكية خارج سوق الشيوخ من جهة قاعدة علي الجوية التي دخلوها أولاً مستوصفاً صحياً، بعد أن توقفت عند مدارج لها شهدت آلاف الطلعات في حروب، كانت نتائجها الاستراتيجية خاسرة. هو ليس بعيد، وقد غرقت ضفافه بالمراجعين من جميع الأعمار، شيخ قصده متعكزاً عصاه، طلب العودة الى الشباب، فحصل على فحوص كاملة وبعض الفيتامينات.
امرأة تحمل طفلاً أصيب بالجفاف، دخلت معه الردهة أو الخيمة المصممة ردهة طوارئ لإتمام العلاج.
شباب حضروا لمجرد الاستطلاع، أعجبوا بالشقراوات العاملات في التمريض، تحججوا بشتى الامراض، لم تنطلِ حججهم على الشقراوات، فهن مدربات جيداً لاكتشاف دعاوى التمارض والتحرش بلا أصول.
هذه مقدمة أو شرح جاء به مازن ونحن في الطريق الى المستوصف، أضاف له وأنا أهم بالوقوف، لقد أصبحت المنطقة بوجودهم، وأكوام النساء والاطفال والشيوخ مكتظة، وكأنها ساحة احتجاج على الفقر والمرض، اختفت وسطها الشعارات المناصرة للرئيس، هم كانوا يهتفون للرئيس، أتعلم أن أبي قد خصني بقول له في أحد الأمسيات، من إنهم قد هتفوا الى الزعيم عبد الكريم، بل تخيلوا صورته في القمر، وهم من هتف الى الملك فيصل من قبله، ورفعوا سيارته على أكتافهم مهللين بطلته عليهم، وهم الآن يستبدلون أهازيج الاشادة بالرئيس، بأخرى تمجد الانتفاضة والأمل بغدٍ خالٍ من الفقر الملعون بدعم من الامريكان.
إنه الفقر، قلتها بألم، وقال عنها مازن إنه الجهل، فالفقر يا سيدي، عامل شحذٍ لهمم الناس الفقراء، وتوحيد صفوفهم من أجل القضاء عليه، وليس التسليم بوجوده والسير أمامه مثل تلك الأحصنة التي اعتادت جر العربات صيفاً وفي الشتاء.
هذا هو المستوصف الذي كلمتك عنه، انظر اليه مجموعة خيم مسطرة بانتظام تتقدمها واحدة تتميز بصغرها عن الأخريات. انظر الى ذلك الجندي الواقف الى جوارها بكامل عدته الحربية، كأنه متأهب لإنجاز مهمة قتال، قال مازن عند محاولة النزول من السيارة كنوع من المجاملة، ثم أكد من أنه سيبقى في حال الانتظار داخلها حتى اتمام المشوار.
تركته داخلها، وأخذتني خطواتي المتباطئة نحو طابور طويل للمراجعين، كان الوقوف فيه بغير انتظام، رغم انصياعهم الى توجيهات بين الحين والآخر من قبل الجندي المدجج بالسلاح، وايماءاته للوقوف بانتظام، لكنهم سرعان ما يعودون الى عادة عدم الانتظام.
وقفت في هذا الصف أحاول الالتزام بالنظام، فجاء وقوفي خلف رجل تجاوز السبعين من عمره، يتكأ على عصاه. كان هذا السبعيني ملتزم بأصول الطوابير الخاصة بمثل هكذا مراجعات، وكانت قربه امرأة تجاوزت الأربعين، تمسك طفلاً بيدها اليمنى، تحمل آخراً على كتفها الأيسر يصغره سنة، تضغط على رسغه الغض كلما حاول التحرك في المكان، فيزيد من تحركه مصحوباً بنوبة بكاء. لا يعيرها الجندي المدجج بالسلاح أي اهتمام، معتقداً أن الفقر هو السبب في هذا البكاء وأمور أخرى. لكنها لم تعر أهمية لهذا البكاء وشَمرّت عباءتها حول وسطها بحركة تنم عن اتخاذها القرار الذي تريد، فلامس طرفها المتهرئ نصف وجهي مصحوباً بحفنة تراب. تركتُ لها المجال، مرت من خلاله والرجل السبعيني، كأن وقتها محسوباً بأجزاء الثانية.
أخيراً اقتربتُ من الخيمة، قصدتُ الجندي الواقف جانباً في نوبة حراسة، لا تحسب مشددة في هذا الموقع الذي يشهد هتافات، أغلبها ترحيب بالضيوف القادمين من بعيد، قليل منها أهازيج لاذعة بالضد من النظام، ظناً من أهل الهتاف قدرتها السحرية على تأمين المرور كارت أخضر مضمون الى معسكر الأمريكان.
سألت الحارس الذي يعتمر خوذة فولاذية مكسوة بقماش مموه من نفس نوع البدلة الخاصة، عن الضابط المسؤول في هذا المستوصف، فكانت اجابته من أن جميع الأطباء ضباط، يمكنك الدخول الى هذه الخيمة، وعند ذكر المرض سيدلك المترجم على الضابط الطبيب المختص.
-لكني لا حاجة لي بطبيب، أريد فقط ضابط لأمر خاص. قال:
-الأمر سيان، يمكنك الدخول الى الخيمة نفسها، وسيرشدك المترجم الى ما تريد، واجبي هنا للحراسة فقط، وليس لي صلاحية الارشاد أو تلبية الحاجات وان كانت خاصة، إنها قواعد الاشتباك في الحرب، سيدي.
الخيمة الأولى التي أدل عليها الحارس صاحب الخوذة، مهيأة لأعمال الاستعلامات، فيها طاولة واحدة، ومجندة سمراء بجسم تبدو عضلاته بارزة على الساعدين، والكتفين العريضين. تجلس على كرسي سفري يطوى، مسلحة بمسدس شَدَتهُ على فخذها الملآن، يشاركها الجلوس على نفس الطاولة مترجم شاب لا يتجاوز الثلاثين من العمر. عَرفَ من لغتي الانجليزية التي ألقيت بها السلام حاجتي اليه، فرد السلام بلهجة عربية كويتية، سائلاً عن الشكوى أو المرض، وعندما عرف أني لا أشكو أي مرض، وأني سفير سابق جئت لمقابلة ضابط مسؤول لأمر يتعلق برغبتي ترك العراق، دققَ في هويتي سفيراً في ألمانيا الشرقية، كنت قد أخفيتها طوال الطريق في جيب سري داخل الحقيبة اليدوية لأُم شيماء. حاول أن يقول شيئا، لكن المجندة قطعت المحاولة كأنها فهمت المغزى المطلوب، وربما جاءت محاولتها لتفادي أي تحسس تضنه باق في النفوس، بين أهل العراق والكويت، فأخذت الهوية وباقي المستمسكات، واتجهت الى خيمة أخرى، لدقائق مثلت زمناً بوقع ثقيل، وقد اقترب الحلم من حافات التحقق. خالجني شعور غامر بالارتياح، كمن نجح تواً في اجتياز حقل ألغام، عندما خرجت هذه المجندة السمراء مبتسمة، تحمل بيدها مجموعة المستمسكات المستنسخة، وبالأخرى تلك الأصلية بقصد إعادتها. ابتسمت ثانية، واستأذنت مرافقتها الى العقيد الدكتور آدم مدير المستوصف.
وضعت الاوراق المستنسخة على طاولته، وأدت التحية عائدة الى الخيمة بقصد المتابعة الخاصة بوظيفتها في الاستعلامات.
قدم العقيد نفسه ضابطاً طبيباً في المركز الطبي المتقدم لفرقة المارينز الرابعة، اختصاصي باطنية، حاول توضيح المهمة التي وُجدوا من أجلها، أدرك من خلال الاستجابة الممزوجة بقدر من الحيرة أن كلامه غير مفهوم من زائره السفير السابق. وبنفس اللغة غير المفهومة بادلته التقديم مشيراً الى الاسم والمهنة السابقة، حاولتُ شرح غايتي ببعض كلمات جاءت بلغة انجليزية بدأت تشق طريقها في محاولة الخروج، لغرض تبيان نية الهروب، ووجود العائلة، وعندما يَئِسَ من فهم المطلوب، أستدعى مترجماً يتكلم اللهجة اللبنانية، أخذ على عاتقه نقل الصورة كاملة، وكذلك الرغبة هي أيضا كاملة.
أستأذن العقيد، لغرض الاتصال بمقر الفرقة الكائن في قاعدة علي الجوية، غاب عشر دقائق كان وقعها مثل سابقتها ثقيل، مصحوب بقلق الفشل من تحقيق الغاية، وقد اقتربت من حافاتها النهائية، عاد باسماً وكأنه نجح في اجراء عملية قلب مفتوح. طلب إحضار باقي أفراد العائلة غداً بالتوقيت نفسه لغرض الانتقال الى المقر العسكري الذي سيكون وسيطاً في استحصال الموافقات اللازمة لاجتياز الحدود.
مفاجئة هي حقاً. فرحٌ ممزوج بقدر من الأسى على ما حل في العراق. تصارع أضداد باقتراب تحقيق حلم هروب، وبقايا ناس يتوزعون بين الامكنة يفتش قسم منهم على الحرية، ويسعى القسم الآخر الى الارتزاق، ويمسك ثالث بمعاول هدم إمعاناً بالهدم، حتى لم أعد وسطهم قادراً على التركيز خلال طريق العودة من المستوصف الى بيت مازن من كثر التفكير في النتائج وأبعاد التضاد.
عمي أبو شيماء أنت تتجه في الطريق الخطأ، سوق الشيوخ ليس من هذا الاتجاه، يبدو أنك سرحت بعيداً، قال مازن. فتنبهت الى نفسي وقد قطعت نصف المسافة بطريق الخطأ. غيّرت وجهة السير باتجاه سوق الشيوخ، ثم عاودت الغوص في بئر الذكريات، نفس الذكريات التي أظهرت حسن محمود عضو الفرع الآتي من فلسطين الى العراق، اعتقاداً بقدرة الحزب على تحرير الوطن السليب، وتوحيد الأمة العربية من المحيط الى الخليج، المتهم هو أيضا معنا بالتآمر على الحزب الذي يسعى لتحقيق هذه الوحدة، رأيته يتعثر في الرتل العاري، وقد انهال على جسده النحيل ضرباً اثنان من الخفراء، وكان يرتجف، كما لو ان الحزن، والحقد يهددان بالانفجار في داخله، وكأن عقله قد تعطل تماماً أو اختفى، ولم يبق منه سوى الألم. في آخر النهار ذاك النهار الذي كانت وطأة الحر في صيفه القائظ لا تطاق، أحس حسن في الضربة الاولى على كتفه الأيسر معنى الموت، فتكور على ذاته عارياً مثل حلزون جاءت به الصدفة، تحت قدمي جندي مبهور بانتصاراته في كومة ماء آسن، لما نظرت الى وضعه قلت في حينه كم صعب أن يكون الجسد مختلف عما يريده صاحبه أن يكون.
انتهى المشهد، وقد خلفت الضربة الثانية على صدغه بركة دم لها حجم جسمه العاري وهيأته المشوهة، لم يبق سليماً فيه سوى عينين جاحظتين، منهما يعرف الناظر ساعتها مقدار حقده على هذه الأمة التي ضن إمكانية مساهمته في توحيدها، وقبل أن يفقد وعيه أمره چاسب أن يتغوط في المكان، يتمرغ في الغائط بنفس المكان، وقبل أن يفعلها نظر الى من حوله، بلعَ دموعه خجلاً ثم فعلها. ومع هذا أقول أن فعله لها لم يكن مخجلاً ولم يكن مثيراً، فمثله حدث مراراً من قبل، ثم اننا جميعاً تحولنا بفعل التكرار الى أجهزة بشرية تخرج الاستجابة طوعاً لإيماءة السجان دون خجل، وتحولنا أيضاً الى أشباح، تعيش تيهاً في عالم غير العالم الذي فكرنا به ملائماً لعيش الانسان، وغير العالم الذي تخيلناه مناسباً لما بعد النضال. قلت دون وعي مني وبصوت سمعه مازن:
-التبول على الذات البائسة مألوف.
-التغوط الاجباري على النفس كذلك مألوف.
-الموت بالسم هو أيضاً مألوف.
فقال مازن، ماذا تقول، فقلت:
-غير المألوف لنا مجموعة تعيسة، هي كبوات يفقد فيها البعض وعيه، من ضربة قد تأتي بقوة لا يحتمل وقعها الشديد، يعجز بسببها عن الذهاب الى الحمام، ينتظر يوماً آخر ومروراً آخر على طريق يتحسس المارون بين صفي خفرائه الواقفين على الجانبين أن دقائقه دهرٌ من السنين.
-غير المألوف أن يبتسم الحارس بوجه أحدنا ابتسامة ليث، يحاول افتراسه بعد انقضائها مباشرة. وغير المألوف أيضاً نجاح سرمد بتهريب برتقالة من أرزاق الخفراء في بحر عام، يحتفل أهل الزنزانة بالتهامها بقشورها وليمة دسمة بعد انتصاف الليل.
أقام السيد مازن حفل وداع ليلي، وليمة عشاء، نحر فيها كبشاً كان قد اصطفاه لعيد الأضحى القادم. دعا الريسان والقطان والسيد قاسم والدكتور مهند وآخرين من وجهاء سوق الشيوخ احتفاءً بالضيف، وتوديعاً له في المشوار الجديد، الى العالم الجديد، وفي اللاوعي تخفيفاً من الذنب السابق ذو الصلة بالاتهام، الذي وجهه له مساعداً لحسين كامل، حيث لم يغادره ذنباً مؤلماً على الرغم مما فعله طوال الأيام التي تلت، وغالى به، وكأن الرواسب أخذت مكاناً لها في أخاديد عقله العميقة، لا تريد مغادرتها بسهولة. أما الرواسب المكنونة في صندوق تجربتي، فلم تعد متمترسة خلف جدار الذاكرة، ولم يعد يعصف بها النسيان حال خروجنا من بغداد، فاندلق صوتها من صورة چاسب وعصاه الغليظة وطريقة الشتم المميزة، ومن بعض الأوامر التي كان يصدرها غريبة، عندما يكون مخموراً، ساعياً الى فتح أساريره على الآخر أو مكتئباً يتجه الى غلقها على الآخر أيضاً. وجد مازن في عينييَّ أثناء سردها وقد أنزلت دمعاً من دون سيطرة مني، ووجدني ساعياً الى اخفائها، لكني لم أتمكن. اقترب من اذنيَّ كثيراً، عارف بخراب سمعها، مُصرحاً بوجود قنينة ويسكي كان قد جلبها من محل للمشروبات الكحولية، أستبيح قبل أيام، أخفاها ليوم تأتي حاجتها، وجاء هذا اليوم، أقترح خلط قدح منها بمشروب البيبسي كولا، لا يحسه السيد، ولا غيره من الجالسين. فبينت له أن الموقف لا يساعد على احتفال من هذا النوع.
إن هذا الذي تسمونه چاسب، مجنون حقاً أو كافر لا رحمة في قلبه، لقد عميت بصيرته، قالها السيد، فأجبته هذا غيض من فيض، فهناك الكثير أقلها حرجاً على سبيل المثال، إخراج أحدنا، لا على التعيين من طابور التعداد الصباحي، طالباً منه التغوط في الممر، وإعطاء عصاً الى آخر، يأمره بضرب الغائط من زاوية تقترب من الأعلى، لنشر رذاذ النجاسة على وجوه الجميع، كما يطلب أحيانا تفريغ المعدة من غازاتها بوجود الجميع، شرط اصطحابها أصوات مسموعة. الويل لمن لا يستطيع التغوط، ولا ضبط إيقاع الغازات بأصوات مسموعة، تلك الطلبات جعلتنا نحبس الفضلات، وكذلك الغازات لأيام نبقى فيها قلقين من طلبه الغريب هذا، ومن عقابه الشديد في حال عدم حصولها كما يريد.
إنهم ونظامهم شياطين، قال السيد، فقلت موجهاً كلامي للموجودين من حولي:
- هم أبرع من الشيطان، إنهم متخصصون في التعذيب بقدر يبقي من لا يأتي اسمه في أوامر التصفية على بعد شعرة من الموت، يلعبون لعبة الموت، يدفعون الواحد منا نحو الموت ثم يسحبونه بمهارة عجيبة من حافة الهاوية، وهو في الرمق الأخير، ليبقوه قريباً من الحياة، ينتظر الأمر القادم بالإماتة، عندها لا يحتاجون الى سحبه، يتركونه يموت وهم يرقصون على جثته فرحين. إنهم آلات بلا مشاعر، لا يتألمون على حال أحد حتى لو كان من بينهم. إنهم حقاً آلات. سلطة العقاب المطلقة جعلتهم آلات بثياب بشر. بسبب هذا أصبحت وطوال اقامتي في سجن أبو غريب أشك حتى بالأهداف التي طُوعنا من أجل تحقيقها، وبكافة الحزبيين الباقين خارج أسوار السجن، على الرغم من معرفتي بعدم منطقية هذا الشك. لقد دمروا خلايا المنطق في عقولنا، وحولونا الى مخلوقات موهومة بالشك في كل شيء.
حاول الريسان الحيلولة دون إتمام الحلم الموعود أو مشروع الهروب، وكذلك الدكتور مهند والقطان، حذروا من تيه الصحراء، وألغام وضعتها الحروب على طولها وفي العرض، وعساكر أجنبية ملأتها انتشاراً في كل مكان، ومن استيقاظ كائنات الرمال التي كونت لها إعشاشاً في بعض الأخاديد. لكن السيد قاسم اختلف معهم، كأنه يريد التخلص من مأزق أو إحراج تسببه وجودي الطارئ في ميدانه القتالي، فبارك الخطوة أولا، وحث على ضرورة تنفيذها اليوم قبل الغد، مؤكداً ان الفرص التي تأتي اليوم قد لا تتكرر في الغد، مشبهاً إياها بقطار سريع يتوقف في المحطة مرة واحدة فقط، خاتماً حديثه بالقول "إذا عزمت فتوكل".
أما البنات، وبعيداً عن الجالسين وهم يتحاورون، فقد احتفلن في الطابق الثاني من البيت بقصص متناثرة عن بغداد، وعالم آخر سيكون مفتوحاً بعد اتمام ما يريده الأب، ويسعى جاهداً الى تحقيقه، وإن لم يعرفاه بالتفصيل، لكن تكرار الحوادث والأحاديث جعلهن يقتربن في التخمين من حدود الهدف المطلوب.
تمنت رسمية الذهاب هي أيضا الى ذاك العالم فقد ملت هذه القيود، وكثر الممنوعات وانتظار ابن الحلال، فارس على صهوة جواد أبيض، لا تؤمن بهذه السبل لإتمام الزواج، ولا تستطيع الوقوف بالضد منها، وقد أفشت سراً الى البنات المحتفلات من انها مبتئسة من الاحداث الجارية، تشعر في داخلها قلق غامر من الغد، ومن العودة الى الماضي الذي ستكون فيه البنات أولى الضحايا، وستدفن أحلامهن في المشاركة باختيار الحبيب الى الابد.
انتهى الحفل، وانتهت وليمة العشاء، وتبادل الذكريات، وانتقاد النظام، وأماني الزواج وتأمل المستقبل الخالي من الظلم قريباً من أنتصاف الليل. ومن بعد هذا وقفتُ في الباب مودعاً لمن حضر. أخذت الشيخ الريسان في الاحضان، هذا الرجل الذي يحس الناظر اليه بالطمأنينة والراحة، قبلتُ وقار لحيته البيضاء، فقال وهو يتبادلها:
-إن المكان الذي تتواجد فيه هنا أصغر منك إنسان بعقل كبير.
ضحكتُ بفرح، محاولاً إظهار التأييد لهذه النصيحة من خلال الربت على كتفه بإشارة فهمها، ثم واصلت الضحك رغبة مني في تقليل أثر القلق البادي على وجهي رغم كل الاصطناع في التمثيل.
من جانبه طلب الحفاظ على العائلة في هذه الصحراء، التي لا يطمئن اليها الشيطان. ختم وداعه بعبارة سنفتقدك يوم تمر علينا أيام ستكون خطيرة كما قلت.
حل الدكتور مهند آخر المودعين، تبادلت معه السلام قُبلاً كالمعتاد، قلت:
-اترك سوق الشيوخ على الفور فالوضع لا يحتمل التأخير، مكانك ليس بين الثوار السائرين بقوة الانفعال هنا أو في البصرة، إنه هناك في الجامعة بين الطلاب، الذين يفهمونك وتفهمهم ببساطة الكتاب المفتوح.
عدت من بعد هذا التوديع المثير للشجون الى الفراش. حاولت الاستسلام الى النوم، الا أن وقع الايام التي مرت وتوقعاتي بما يتعلق بردود فعل الحكومة وقدرة الثوار البسيطة، جعلتني عاجزاً عن النوم، اصارع القلق من حلم طال انتظاره قد لا يتحقق، خائفاً حد الرعب على مستقبل عائلة ضيفتنا أربعة أيام، كانت وجميع أفرادها في غاية الكرم والأخلاق، وعلى غد غير مضمون، وقوات من الحرس الجمهوري تتحشد باتجاه الثوار، وأهل سوق الشيوخ من دون أن يعلموا، كأنهم مخدرين بأمل التخلص من بؤس عيش، وظلم لا يريدون أن يعلمون طبيعته، وعلى آلاف الشباب الذين حملوا السلاح سعياً الى انهاء الظلم، واحداث فعل التغيير لغد ينشدونه أفضل، كذلك على الذين ركبوا موج التغيير بسلاحهم وبدون سلاح، وأولئك الرجال من أبناء العشائر الذين مسكوا بنادقهم تقليداً للكبار، وعلى ليل طويل فيه النوم غير مضمون.
بعد هذا الخوف الهائم عم الهدوء أو هكذا يبدو من الخارج.
هدوء غريب مثل ذاك الحاصل لمن يسكن زنزانة على انفراد في سجن بائس مثل أبو غريب، يحصل هنا في سوق الشيوخ بعد ويلات نقاش واستذكار ماض ضعفت فيه القلوب، وشاخت مبكراً خلاله النفوس، أبقاني ساعياً في سهره على تكوين أحلام ما بعد الحلم الكبير باجتياز الحدود.
ومع هذا فلم أجد غير النوم سبيلاً لتحقيق الاحلام.
.....
للراغبين الأطلاع على الجزء السابق:
https://algardenia.com/2014-04-04-19-52-20/thaqafawaadab/69914-2025-12-17-10-29-08.html

1435 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع