هزيمة ترامب ونتنياهو.. تكبح الحرب أم تعمّق التصعيد؟
- التفاصيل
- تم إنشاءه بتاريخ الخميس, 05 تشرين2/نوفمبر 2026 06:15

هزيمتا ترامب ونتنياهو تمنح فرصة لاحتواء الحرب
العرب/واشنطن- تفتح الهزيمة الانتخابية التي مُني بها دونالد ترامب في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، بالتوازي مع خسارة معسكر بنيامين نتنياهو أغلبيته البرلمانية في إسرائيل، نافذة جديدة أمام احتواء الحرب مع إيران، بعدما باتت كلفة استمرار المواجهة أكثر وضوحاً على المستوى السياسي والاقتصادي. لكن هذه التحولات لا تعني بالضرورة أن المنطقة تتجه إلى تسوية، بل قد تفضي إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتراجع فيها شهية الحرب لدى الخصوم من دون أن تتراجع أهدافهم الاستراتيجية.
وتكمن المفارقة في أن الحرب التي ساهمت في إضعاف الموقع السياسي لترامب وحلفائه الجمهوريين قد تتحول إلى دافع يدفع الرئيس الأميركي نحو تصعيد جديد، بدلاً من الانكفاء. فالرجل الذي خسر حزبه السيطرة على مجلسي الكونغرس يجد نفسه أمام ضرورة استعادة المبادرة، وقد يرى في تحقيق اختراق عسكري سريع وسيلة لإظهار الحسم، وتجاوز صورة الحرب المفتوحة التي استنزفت رصيده السياسي.
وأظهرت نتائج انتخابات الثالث من نوفمبر أن الديمقراطيين حققوا مكاسب واسعة، مستفيدين من استياء الناخبين من الحرب على إيران وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الثقة في إدارة ترامب. ولم تكن الخسارة مجرد تراجع في عدد المقاعد، بل امتدت إلى معاقل جمهورية تقليدية، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين خطاب الإدارة وأولويات قطاعات من الناخبين الذين دعموا ترامب في انتخابات 2024.
وتكشف تصريحات ترامب عقب النتائج عن تناقض مهم في طريقة تعامله مع الرسالة الانتخابية. فقد أقر بأن الحرب مع إيران كانت أحد أسباب خسارة الجمهوريين، لكنه دافع عن قرار شنها وقال إنه كان سيتخذ القرار نفسه مجدداً. وهذا الموقف يعكس تمسكاً بالخيارات العسكرية، رغم أن استمرار الحرب تحول إلى عبء انتخابي على حزبه، خصوصاً مع ارتباطها بارتفاع أسعار الوقود والسلع وتزايد القلق من كلفة الانخراط الأميركي في صراع طويل.
ومن هنا تبرز فرضية أن يختار ترامب التصعيد بدلاً من التراجع. فالتصويت العقابي لم يكن بالضرورة رفضاً لكل استخدام للقوة الأميركية، بقدر ما كان رفضاً لحرب لم تحقق أهدافاً واضحة، واستغرقت وقتاً أطول مما توقعه الناخبون، من دون أن تقدم للإدارة صورة انتصار يمكن تسويقها داخلياً.
وقد يجد ترامب نفسه أمام خيارين متعارضين: التوجه نحو تفاهم يتيح له إعلان انتهاء الحرب وتحقيق مكسب دبلوماسي، أو رفع مستوى الضغط العسكري لإجبار طهران على تقديم تنازلات تسمح له بتقديم نهاية الصراع باعتبارها نتيجة لسياسة القوة. ويظل الخيار الثاني محفوفاً بالمخاطر، لأن توسيع العمليات قد يعيد إنتاج المشكلة التي عاقب الناخبون الجمهوريين بسببها، ويزيد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الإدارة.
وتشير قراءة نشرها مركز تشاتام هاوس قبل الانتخابات إلى أن الغضب من الحرب والتعريفات التجارية قد يدفع ترامب إلى تبني سياسات أكثر تشدداً، بدلاً من الاستجابة السريعة للنتائج، مستحضرة تجربة الرئيس جورج بوش الابن الذي اتجه إلى زيادة القوات الأميركية في العراق بعد خسارة الجمهوريين انتخابات التجديد النصفي عام 2006. ولا يعني ذلك أن السيناريو سيتكرر، لكنه يوضح أن الهزيمة الانتخابية لا تقود آلياً إلى تغيير السياسة الخارجية.
وعلى الجانب الإسرائيلي، تضع نتائج الانتخابات نتنياهو أمام وضع سياسي أكثر هشاشة، بعدما فقد معسكره الأغلبية البرلمانية، من دون أن يتمكن المعسكر المنافس من حسم الأغلبية لمصلحته. فقد حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعداً مقابل 48 للمعسكر الذي يقوده غادي آيزنكوت، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعداً، ما جعل مفاوضات تشكيل الحكومة مفتوحة على احتمالات متعددة.
وتحد هذه النتيجة من قدرة نتنياهو على اتخاذ قرارات استراتيجية كبيرة من دون حسابات داخلية معقدة، خصوصاً أن الحرب مع إيران لا تنفصل عن ملفات أخرى، من بينها غزة والحدود الشمالية والأزمة السياسية الداخلية. كما أن غياب أغلبية واضحة قد يدفع القوى الإسرائيلية إلى التركيز على ترتيبات الحكم والتحالفات، بدلاً من الدخول في مغامرة عسكرية جديدة لا تضمن نتائجها.
لكن ضعف موقع نتنياهو لا يعني اختفاء الدافع الإسرائيلي لمواصلة الضغط على إيران. فالمخاوف المتعلقة بالبرنامج النووي والقدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي ستظل حاضرة في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، حتى إذا تغيرت الحكومة أو اضطرت إلى تقليص هامش تحركها.
وفي المقابل، قد ترى إيران في النتائج الأميركية والإسرائيلية مؤشراً على أن خصومها باتوا أقل استعداداً لتحمل كلفة المواجهة. وقد رحب رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بالنتائج الأميركية، معتبراً أنها تعكس رفض الناخبين للحرب. وهذه القراءة قد تمنح القيادة الإيرانية شعوراً بأن سياسة الصمود ورفع كلفة المواجهة بدأت تؤتي نتائجها، وأن الضغوط الداخلية في واشنطن وتل أبيب يمكن أن تحد من خياراتهما العسكرية.
غير أن تحويل هذه التحولات إلى إعلان انتصار قد يكون خطأ استراتيجياً. فالتراجع الانتخابي لخصوم طهران لا يعني أنهم تخلوا عن أهدافهم، كما أن انشغال ترامب ونتنياهو بحساباتهما الداخلية لا يلغي استمرار القدرات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، ولا يمنع استخدام أدوات أخرى للضغط، من العقوبات إلى العمليات المحدودة والتحركات الاستخبارية.
وتكمن المخاطرة في أن تفسر طهران تراجع الاندفاع نحو الحرب باعتباره تراجعاً في الإرادة والقدرة على المواجهة، فتتشدد في المفاوضات أو توسع هامش تحركاتها الإقليمية، بما قد يدفع خصومها إلى إعادة النظر في حساباتهم والعودة إلى الخيار العسكري.
ولا تبدو المرحلة المقبلة مرشحة بالضرورة لعودة سريعة إلى الحرب الشاملة، لكنها لا توفر أيضاً ضمانات لتسوية مستقرة. فواشنطن تحتاج إلى مخرج يخفف الكلفة السياسية والاقتصادية للحرب، وإسرائيل تواجه وضعاً سياسياً أكثر تعقيداً، فيما تريد طهران توظيف التحولات الانتخابية لتحسين شروطها التفاوضية.
ويظل الاختبار الحقيقي في قدرة الأطراف على تحويل الضغوط الداخلية إلى مسار تفاوضي يضع حدوداً واضحة للتصعيد، بدلاً من التعامل معها باعتبارها فرصة مؤقتة لإعادة ترتيب القوة. فترامب قد يبحث عن انتصار سريع يعوض خسارته الانتخابية، وإيران قد تميل إلى المبالغة في تقدير أثر تلك الخسارة، بينما يظل أي خطأ في قراءة نوايا الطرف الآخر قادراً على إعادة إشعال المواجهة.
بهذا المعنى، تمنح هزيمتا ترامب ونتنياهو فرصة لاحتواء الحرب، لكنهما لا تحسمان مسارها. فالتهدئة قد تصبح مدخلاً لتسوية، وقد تتحول إلى هدنة بين جولتين إذا اعتقد كل طرف أن خصمه بات أضعف مما هو عليه فعلاً.
ملاحظة على الزاوية: أرى أن أهم ما يميز هذا التقرير هو عدم تقديم التصعيد الأميركي باعتباره احتمالاً يناقض الهزيمة الانتخابية؛ بل باعتباره أحد ردود الفعل الممكنة عليها. فترامب قد يحاول معالجة مشكلة «الحرب بلا حسم» بمزيد من القوة، وهو ما يجعل المرحلة التالية أكثر حساسية من مجرد سؤال العودة إلى المفاوضات.

























































































