سنوات صدام مذكرات بقلم المترجم الخاص سامان عبدالمجيد ـ الحلقة العاشرة

  

          سنوات صدام ـ الحلقة العاشرة

 

ورطة سياسية في مسلسل طويل : البرود يسود حديث الأستاذ الفرنسي والتلميذ العراقي..

     

ما فتئتْ علاقات العراق مع فرنسا، التي باشرها البلدان بكثير من الحرارة والحماسة في السبعينات، تتدهور شيئاً فشيئاً. ففي مارس 1998 جاء اللقاء المكهربُ ما بين صدّام حسين والمبعوث الشخصي للرئيس جاك شيراك، برتران دوفورك، بمثابة النقطة الحاسمة في الاستخفاف وعدم الفهم الذي طبع نهاية العلاقات ما بين البلدين. فقد كان ذلك اللقاء أقصر اللقاءات المئة التي حضرتها وأكثرها توتراً على الإطلاق.

  

حدث ذلك اللقاء بعد مرور شهر على قدوم كوفي عنان إلى بغداد والنهاية السعيدة لأزمة القصور الرئاسية. كان الفرنسيون في تلك الفترة قد أرسلوا وفداً لمقابلة الرئيس العراقي، وكان هذا الوفد الذي قاده برتران دوفورك نفسه، وهو الأمين العام السابق لوزارة الخارجية، يضم ثلاثة دبلوماسيين من مستوى عال وهم: جان كلود كوسران. مدير دائرة افريقيا الشمالية والشرق الأوسط بالخارجية الفرنسية وجان فرنسوا جيرو، المستشار الدبلوماسي لجاك شيراك بقصر الإليزيه، ورئيس قسم المصالح الفرنسية بالعراق إيف أُوبين دي لاموزيرييه.

وقد استقبلهم صدّام ببدلته وحذائه الإيطالي في القصر الجمهوري وهو يعي جهود فرنسا لتجنيب العراق هجومات أميركية جديدة. وكان الخرقُ الوحيد للبروتوكول، كما ذكرت، وجودَ المترجمة الفرنسية نَدى يافي التي كانت تجلس إلى جانبي أثناء اللقاء. لقد رفض رئيس البروتوكول قيس المختار حضورها لكنّ دوفورك كان قد أصرّ قائلاً:

- إني أحمل رسالةً شخصية من الرئيس شيراك إلى الرئيس صدام حسين، ونحن نشترط أن تنقل مترجمتنا حديثنا بأمانةٍ لرئيسكم. إني أحب أن أكون على يقين من أنّ رسالة الرئيس شيراك البالغة الأهمية قد صارت واضحة كل الوضوح. وأنا هنا أيضاً لكي أقول أشياء أساسية للرئيس صدام حسين.

وأخيراً توصلنا إلى حلّ وسط، حيث اتفقنا على أن يحتفظ كل وفد بمترجمه.

  

لقاء في تكريت

بعد مرور شهر على ذلك اللقاء، جاءت الزيارة الثانية للمبعوثين الفرنسيين. وكنت في هذا اللقاء المترجم الوحيد. كان الوفد يتكون من الدبلوماسيين أنفسهم. وبعد وصولهم بقليل، التقيت بهم، كما جرت العادة، بقصر السلام في بغداد حيث استقبلهم طارق عزيز. بعد ذلك انطلقت بنا السيارات نحو وجهةٍ مجهولة، وجلست في أول سيارة في الموكب كان يقودها مسؤول الأمن.

  

كان طارق عزيز، المحب لفرنسا ولسياستها، المتحدث المفضل عند الدبلوماسيين القادمين من باريس، ومنهم على الخصوص إيف دي لامزيرييه وأندريه جانييه، السفيران الأخيران لجاك شيراك لدى بغداد. كان الرئيس ينتظرنا في تكريت.

في ذلك اليوم بالذات اكتشفت معنى العبارة «افتح الطريق!»، التي كانت تعني في لغة الحراس «فتْح الطريق لوفد أجنبي» آت إلى العراق. في العادة كانت حركة المرور، عندما كنت أجلس إلى جانب الرئيس، تتوقف على مسار الموكب، فلا يعترض طريقنا أي عائق. لكنّ المسار في ذلك اليوم لم يكن مرسوماً كالعادة، إلاّ أن ذلك لم يمنع السائق من التقدم بسرعة طائشة، مستخدماً المصابيح الدوّارة وصفارة الإنذار، آمراً السيارات الأخرى بإخلاء المرور.

لكنّ سيارات كثيرة لم تلتزم بهذا الأمر، وهو ما جعلني أحس أنّ سائقي الشاحنات، التي كنا نتقاطع معها، كانوا يتحدّون سلطة الدولة بأقل الأضرار. وحين تركنا إلى يسارنا طريق الرضوانية، أدركت أننا نسير في اتجاه تكريت، منطقة نفوذ الرئيس الواقعة على مسافة مئة وسبعين كيلو متراً شمال بغداد، ففي تلك السنة كان صدّام يقيم بانتظام في قصره التكريتي، حيث كان يستقبل ضيوفه.

   

وعند الوصول، لم تجر المراسيم كما كانت في العادة،.فبينما كان استقبال ضيوف الرئيس يجري بوجه عام في غرفة خلفية حيث يُقَدَّم لهم الشاي، دخلنا هذه المرة مباشرة إلى قاعة شاسعة قوام أثاثها أربعون أريكة. أما المفاجأة الأخرى فقد جاءتنا من الرئيس نفسه، الذي دخل بالزي البدوي التقليدي، حيث لبس عباءة طويلة سوداء ووضع على رأسه غترة بيضاء.

كان ارتداء صدام لعباءةٍ حدثاً استثنائياً، فآخر مرة لبس فيها العباءة كانت، إن لم تخني ذاكرتي، قبل عشرة أعوام، حين زارنا حسين حبري التشادي. وقد كان من النادر أيضاً ان يضع غترة على رأسه، وكان ظهوره بهذا الزي يثقل أجواء اللقاء من أول وهلة.

كان صدام يعلونا مجلساً، وكأنه رغب هذه المرة في أن ينظر إلى زواره بازدراء، وهو ما لم نعهده منه كثيراً، لأنّ صدام يحرص دائماً على أن يضع نفسه معهم على قدمٍ من المساواة. وما لبثتْ هذه التصرفات الغريبة أن بدأت تثير حيرتي، وبدا لي أنّ مزاج صدّام على غير ما يرام.

وحين اقتربنا منه، وقد كنت أقف إلى يسار الوفد، أحجم الرئيس عن الابتسام وعن تقديم التحية المألوفة «أهلاً وسهلاً!». كان أحد الحراس يقف وراءه منتصباً، وكان الديكور العام بارداً كالجليد: فلا أثاث تقريباً، وسقوفٌ عالية تكثف صدى صوت الرئيس. وظل واقفاً بلا حراكٍ إلى أن أشرف ضيوفه عليه. لكنه لم يمد إليهم يده إلاّ في آخر لحظة قبل أن يقول لهم في برود:

ـ تفضلوا بالجلوس

ثم جيء بصينية الضيافة، غير أنني أدركت أن الحوار سيغلب عليه التوتر حتى قبل تقديم الشاي. كان صدّام قد اطلع على فحوى الرسالة التي جاءه بها برتران دوفورك، وكانت هذه من عادات الدبلوماسية التي تسمح بإعداد اللقاء ما بين المبعوث وما بين المعنيّ بالرسالة. غير أننا في هذه المرة لم نحصل سوى على عكس الآثار المرجوة، فقد شرع صدام في الأخير في الحديث قائلاً:

- لا بد من أن أقول لكم إنني شعرت بالخيبة بسبب رسالة الرئيس جاك شيراك، فلم أكن أتوقع أن يخاطبني بهذه اللهجة. نحن بلدٌ صاحب تاريخ طويل، بلد منشأ الحضارة، لقد علّمنا العالم القراءة والكتابة، فأول قانون في التاريخ شرّعه عراقيٌ، الملك حمورابي، ولذلك أرى من غير المقبول أن يأتي اليوم من يلقنني الدروس؟

كان يبدو مغتاظاً مستاء، لم يسبق لي أن رأيته في مثل هذه الحالة من قبل قط. كان وجهه الهادئ في العادة يكشف عن غضبه الشديد، لكن دوفورك ما لبث أن ردّ عليه بكيفية مفرطة في الدبلوماسية:

- سيدي الرئيس، لم نكن نرغب في إحداث هذا الانطباع عندكم. إننا نقدّر انفعالكم، لكنّ اعلموا أن فرنسا لا تسعى إلى فرض تصوراتها على العراق، فنحن حريصون على سيادته، لكنكم تعرفون مدى أهمية القضية التي قادتنا إليكم، لا ينبغي أن تمنحوا الأميركيين ذريعة لشن الحرب ضدكم. علينا أن نحلّ مشكلة القصور الرئاسية طبقاً للترتيبات التي تم الاتفاق عليها بينكم وبين كوفي عنان قبل شهر واحد،.ينبغي أن تسمحوا لمفتشي الأسلحة في الأمم المتحدة بالدخول إليها، وسوف يرافقهم دبلوماسيون، هذه هي دلالة رسالة الرئيس شيراك إلى سيادتكم.

لقد كانت لهجة الرسالة أكثر حدّة وقساوة من هذه الأقوال. فقد قال جاك شيراك إجمالاً إن فرنسا قد بذلت مع مجيء كوفي عنان جهوداً كبيرة من أجل حلّ سلمي لقضية القصور الرئاسية، وقد ألحّ على أهمية الرهان وناشد الرئيس أن لا يُفوّت الفرصة التي أتيحت له.

كان الرئيس الفرنسي قد بذل بالفعل قصارى الجهد من أجل أن تنتهي أزمة فبراير إلى مخرج سلمي. فقد عمل طويلاً لدى الطرفين حتى يقبلا التفاوض. وقد وضع طائرة خاصة تحت تصرف أمين عام الأمم المتحدة لهذا الغرض.

وتمّ تلافي الضربات الأميركية. كان جاك شيراك يعتقد أنه يستطيع ممارسة تأثيره على صدّام حتى يحجم هذا الأخير عن تحديه للولايات المتحدة، لكنه ارتكب خطأً فادحاً حين قدّم له النّصح، فقد كانت الرسالة قصيرة وحادة، وأهملت إبراز ماضي العراق الذي كان صدّام متمسكاً به كثيراً. لقد كان الأستاذ الفرنسي يوجّه حديثه للتلميذ العراقي.

وقد فسّر صدّام هذه العناية غير الموفقة كتحذير شبه سافر، وهو ما أثار حفيظته وعزّز قناعاته الثابتة. فعزّة نفسه وكبرياؤه لم تتحملا هذا النوع من الدروس. وقد اقتصر اللقاء على شبه مونولوج من طرفه وحده. وعند الخروج طلب من طارق عزيز أن يبقى معه بعض اللحظات وودّع ضيوفه بمصافحة باردة. وفي اليوم التالي، وعلى عكس العادة، لم تشر وسائل الإعلام العراقية إلى زيارة الفرنسيين سوى بإشارة عابرة.

ورطة سياسية

بعد المقابلة أحسست أننا وقعنا في ورطة سياسة كبيرة، يتحمل الموقف الفرنسي القسط الأكبر فيها. فعلى عكس كوفي عنان، لم يجد الفرنسيون الكلمات المناسبة لملاطفة صدّام، فقد اختاروا موقفاً أقرب إلى الأمر المفروض، وهو ما لم يكن ليتقبله الرئيس بكبريائه وعناده اللذين لا حدّ لهما.

ومن الغرابة بمكان أن يتصرف الفرنسيون على الرغم من تواصلهم معه منذ عقود، بمثل ذلك الأسلوب الشائن المعيب، فقد كانت هذه المبارزة الكلامية، التي ظلت طي الكتمان، حجة قوية لكل العراقيين الذين يأخذون على فرنسا معاملتها معنا على غرار معاملتها لهذا البلد أو ذاك من بلدان مستعمراتها الافريقية القديمة. وقد تحدثت فيما بعد في هذا الشأن مع عبد حمود، الذي قال:

                  

- نحن بلد مستقل ومتمسكون بكرامتنا، فإذا كانت فرنسا ترغب في إعطائنا أي شيء، فعليها أوّلاً أن تحترم الأعراف، وأن تعاملنا كدولة ذات سيادة.

لقد كان صدّام يأمل دائماً في إقامة علاقات طيبة مع باريس، فقد كان يؤكد باستمرار أن بغداد كانت أول بلد عربي يستورد الأسلحة الفرنسية بكثافة، وهو ما أتاح لفرنسا التغلغل في أسواق جديدة في الشرق الأوسط..

     

إذ اشترى العراق الرائد في هذا المجال طائرات ميراج أثناء الحرب ضد إيران، ناهيك عن صواريخ إكزوست والمدافع والدبابات الهجومية من طراز «آمكس» ،والسيارات المدرّعة وأعدادٍ من المروحيات.

وما بين عامي 1980 و1990 اشترينا من فرنسا ما قيمته مئة مليار من الفرنكات من الأسلحة بكل أنواعها، وهو ما يمثل أربعين بالمئة من مجموع صادراتها من الأسلحة، ولذلك كان صدّام يتوقع من الفرنسيين إقراراً بهذا الجميل.

وكثيراً ما كان صدّام يذكّر بالتقاليد التاريخية والثقافية الطويلة التي تجمع ما بين البلدين، ففرنسا، على عكس الولايات المتحدة، قد ورثت هي الأخرى تاريخاً عريقاً.

- إنه بلد قديم، وشعب ساهم في بناء الحضارة، على عكس آخرين.

كانت الذريعة مهمة بالنسبة لصدام الولوع شخصياً بالتاريخ. وقد كان يذكر في النهاية بأن العراق قد اختار فرنسا كشريك استراتيجي في السبعينات على الرغم من معاهدة الصداقة التي كانت تربط بغداد آنذاك بالاتحاد السوفييتي سابقاً. وفي هذا السياق كان يضيف كلّما الْتبَسَتْ عليه اختيارات باريس:

   

- لقد نميّت مع الرئيس شيراك علاقات شخصية، وهو يفهمني وأنا أفهمه، فقد رأيته في مناسبات عديدة، وهو أيضاً يفهمنا، وأنا اعتبره كصديق شخصي، فما الذي يجعل فرنسا اليوم تتخذ مثل هذه المواقف؟

وكان صدّام يذكر، أيضاً، أنه خلال زيارته الثانية لباريس عام 1975 وجّه لجاك شيراك وهو رئيس للحكومة في ذلك الوقت، دعوة لتناول المسكوف العراقي بالسفارة، وهو نوع من سمك الشبوط المشويّ على نار الحطب، وقد أبدى شيراك إعجابه بالمسكوف عندما جاء إلى بغداد بعد مرور بضعة أشهر على ذلك اللقاء. فقد توطد ما بين الرجلين في السبعينات نوعٌ من اتحاد المشاعر القائم على إيديولوجية قومية موروثة عن الجنرال ديغول بالنسبة لشيراك وعن العرف والتقليد بالنسبة لصدام.

   

بعد مقابلة تكريت الصاخبة لم يُجر صدّام أي لقاء رسمي مع الفرنسيين. أما آخر زيارة لطارق عزيز إلى باريس فهي تعود إلى شهر مايو 1998. فقد تقلّص الحوار إلى أضيق حدوده، واكتفى الدبلوماسيون الفرنسيون في بغداد بملاحظة الوضع ليس إلا. وفي الثمانينات تعاقب على الرئيس صدّام حسين رئيسان من رؤساء الدبلوماسية الفرنسية، وهما كلود شيسون ثم رولان دوما.

وكان الرئيس يحمل مودة خاصة لفرنسي آخر وهو جان بيير شوفينمان، الذي جاء مبعوثاً إلى العراق خلال شتاء عام 1989 لكي يذكر البلاد بالتزاماتها المالية. فقبل تلك الزيارة بأشهر قلائل كانت باريس وبغداد قد وقعتا اتفاقاً حول اعادة جدولة الديون لكن العراق لم يلتزم بذلك الإتفاق،. وكان صدّام يقدّر مبعوث فرنسوا ميتران أيما تقدير، لم يكن يعتبره كصديق بل كرجل مبادئ، فقد أبدى هذا الرجل بشجاعة اعتراضه على المشاركة الفرنسية في الحرب بتقديم استقالته من منصب الدفاع، العام 1991.

وقد ترجمت للرئيس ملخصاً عن كتاب شوفينمان: «الأسود والأخضر» على نحو استثنائي، وحتى يستقبله عمد صدّام إلى تأخير موعد سفره إلى مصر التي كانت سيتجه إليها في زيارة رسمية. وبعد ساعة من الحوار وجه الرئيس عتاباً مقنّعاً لشوفينمان.

- أنت صديق وفيّ للعراق، وفرنسا بلد صديق للعراق، إنني أحب رئيسكم كثيراً، لكني أحب أن أوجه له عتاباً باسم هذه الصداقة، فقبل نحو شهر سعى أحد وزرائنا، كان في زيارة رسمية إلى فرنسا لأن يقابله لكنّ الرئيس لم يستقبله، بينما أخّرت أنا سفري حتى ألتقي بكم!

لكن جان بيير شوفينمان ما لبث أن استنجد في ردّه بإحدى صيغه الدبلوماسية:

- إننا نرحب بالمسؤولين العراقيين في فرنسا، ورئيسنا يُولي أهمية خاصة للعلاقات مع بغداد، فلا شك أن مهامه الجسيمة على رأس الدولة هي التي منعته من الالتقاء بوزيركم.

لقد خاب ظن صدّام في ميتران كثيراً. فلعله كان بحكم توجّه البعث الاشتراكي، ينتظر الكثير من الرئيس الفرنسي. لقد اعتقد صدّام أنّ الإشتراكيين لمجرد تسلّمهم السلطة سيقفون إلى جانبه ضد إسرائيل وضد الولايات المتحدة.

وقد أوفد ميتران أيضاً أخاه، الجنرال جاك ميتران للرئيس صدّام، لكن هذا اللقاء الذي تم في شتاء عام 1989 ظل سرّاً خفيّاً. فقد فاجأنا هذا الجنرال الذي كان يتولى رئاسة مؤسسة «أيروسباسيال»، حيث زار الخبراء العراقيين في الطيران.

في بداية الثمانينات كان الفرنسيون قد زوّدونا بطائرات «سوبر إيتندار» الشهيرة المجهزة لإطلاق صواريخ اكزوسيت أرض بحر. وبفضل هذه الطائرات تمكن الطيران العراقي من إصابة ناقلات البترول في حرب الخليج إصابات بالغة. كنّا في تلك الأثناء في موقف دفاع.

دار الحوار مع صدّام في مقر إقامته الشتوية بـ «أنيشكي» في كردستان بالقرب من دهوك، فلقد كان لصدام هناك قصرٌ محاط بشاليهات عديدة. في الصباح غادر الجنرال ميتران بغداد وهو لا يعرف الوجهة المقصودة. لقد جاء مبعوثاً شخصيّاً للرئيس الفرنسي، ولم يكن مسؤولاً عن هذه المهمة إلا أمامه. وعندما وصل إلى الشمال بدأ يشكو من البرد، فأهدى له صدّام معطفه القطني السميك، وعاد في المساء بهذا المعطف وقد امتلأت جيوبه بأوراق صدّام، وقد دام الحديث ما بين الرجلين ساعة ونصف الساعة.

كان العراق في أمس الحاجة إلى قطع غيار لتصليح العتاد العسكري الذي تعرض للضّرر أثناء المعارك. وقد قال جاك ميتران لصدّام أن باريس لا تعارض تزويد العراق بهذا النوع من العتاد ولكن شريطة أن تسدّد قيمتها في الآجال المقررة، وقد بعث أيضاً برسالة دعم للعراق.

فأكد له الرئيس:

شكراً مرة أخرى على دعمكم لنا، وأملنا أن تستمر فرنسا في دعمنا.

ففي وقت كانت بغداد في حاجة لأموال لإعادة إعمار البلاد بعد ثمانية أعوام من الحرب، طلب صدّام تأجيلاً لدفع ديونها. وفي النهاية لم يسدّد العراق ديونه المقدرة بثلاثة مليارات دولار بدون فوائد، وفي المقابل لم يتسلم العراق قطع الغيار إطلاقاً.

لوبي عراقي في باريس

شهر العسل هذا ما بين البلدين ساعد على ميلاد لوبي مناصر للعراق في فرنسا. وقد تشكل من برلمانيين ودبلوماسيين سابقين ومن رؤساء مؤسسات. وحتى بعد تراخي العلاقات وفتورها عام 1991 ظلت هذه المجموعات مستمرة في الدفاع عن القضية العراقية وتكسب من ورائها صفقات مربحة، وحتى ليلة الحرب الأخيرة ظل مسؤولون قدماء كبار في الإدارة يتوسطون لدى صدام ويتشفعون به لحساب شركات فرنسية.

فعلى هذا النحو كان نجل أحد رجال السياسة الفرنسيين يبيع البترول لحساب العراق طبقاً لنظام الحصص النفطية المخصصة ل»أصدقاء» بغداد.

           

وقد احتل جان ماري لوبان مكانة مرموقة ضمن هذه الشبكة من المصالح السياسية الصناعية، فقد التقى بصدام حسين مرتين. وتعود زيارته الأولى لبغداد للفترة التي نشبت فيها أزمة الكويت في 1990، وكان العراق ساعتها يحتجز رهائن من رعايا غربيين. وقد طلب زعيم الجبهة الوطنية من صدّام أن يخلي سبيل بعض المحتجزين، وإثباتاً لحسن النية لبّى الرئيس ذلك الطلب على الفور، فقد كان التفاهم سارياً ما بين الرجلين.

لكن لوبان في المقابل لم ينج من غضب أحد الرعايا الفرنكو بريطانيين، الذين كان العراق قد رفض تحريرهم لأن تأشيرة دخوله كانت مسجلة على جواز سفره الإنجليزي وليس على جواز سفره الفرنسي. فقد كان هذا الشخص على غرار بقية «الضيوف»، كما يقول التعبير العراقي، يتحرك بحرية في بغداد. وقد استشار في قضيته أحد الدبلوماسيين الذي اقترح عليه أن يعرض دفاعه على لوبان.

وأسرعت الرهينة إلى المطار الذي كان الفرنسي يتأهب فيه للإقلاع، لكن هذا الأخير ما لبث أن صدّه عنه ورفض الاستماع إلى شكواه والتوسط لصالحه، على عكس القس الأميركي جيس جاكسون، الذي كان قد رفض قبل ذلك، وهو يقف على أرضية المطار ومحاط بعدد من الوزراء أن يغادر البلاد إن لم يأخذ معه رهينة أميركية كانت قد توسلت مساعدته. وقد صرّحت تلك الرهينة قائلة:

- إن جاكسون رجلٌ حقاً، أما لوبان فجبان خوّاف!

عاد لوبان إلى بغداد بعد بضع سنوات. كان صدّام ولوبان كلاهما ساخطان على وسائل الإعلام الغربية. وقد كان حقد لوبان على الإمبريالية وشهرته كمُعَادٍ للسامية يتفقان مع أهداف صدّام. وعلى الرغم من أن قومية لوبان كانت تستهدف العرب المقيمين في فرنسا فقد كان يُحظى بكامل التقدير في العراق حيث القومية تشكل قيمة سامية.

أمام صدّام كان لوبان يبدو كالشهد، ولذلك فقد ذهلنا حين قرأنا تصريحاته بعد عودته إلى فرنسا. فحين سئل عن مبررات صداقته مع «طاغية» قال «إنه نادم على مصافحته دكتاتوراً» وقد تنكر لرجل كان مع ذلك قد أبدى له في بغداد صداقة غامرة.

وقد نزل ببغداد أيضاً الكاتب روجيه غارودي أثناء أزمة الكويت، فقد جاء يحمل اقتراحاً غريباً يتيح لصدّام، من وجهة نظره، الخروج من الأزمة وهو مرفوع الرأس ومن دون خوضٍ للحرب:

- سيدي الرئيس، كل العالم يناشدك الانسحاب من الكويت. تقولون إن هذا البلد جزء من العراق، فأنا اقترح عليكم حلاّ وسطاً: أعلنوا عن استفتاء في الكويت لمعرفة إن كان سكانه يرغبون في الانضمام إلى بلدكم، أو إن كانوا يرغبون في البقاء مستقلين.

وردّ عليه صدّام بالسلب:

- تخيل منطقة غنية ومنطقة أخرى فقيرة، فإن أنت سألت المنطقة الغنية ان كانت مهيأة للانضمام إلى جارتها الفقيرة، فلن تقبل بذلك أبداً، فالكويت اليوم أكثر غنى من العراق وأكثر ازدهاراً.

كثيراً ما أخذنا على فرنسا مشاركتها في التحالف الذي طرد الجيش العراقي خارج الكويت، لكن هذه الصفحة ما لبثت أن طويت أثناء المراحل الأولى من الحصار. فعلى مدى الاثنتي عشرة سنة من المعاناة، التي مني بها الشعب العراقي، ما فتئنا نثمّن الموقف الفرنسي الذي كان أكثر توازناً من مواقف الأميركيين والإنجليز، فهؤلاء كانوا يسعون للانتقام منا.

كنا نجل جهود باريس لمحاولة تسوية الأزمة، لكننا كنا نفضل مواقف أكثر فصْلاً وحسماً حول عدم جدوى العقوبات الإجرامية. وكنا نحبذ أيضاً لو أن فرنسا وروسيا أبدتا مقاومة أقوى وأشد أمام الهيمنة الأميركية. وقد كانوا يردّون علينا بالقول إن العراق يبالغ في تقدير هامش المناورة الفرنسيّة بالنسبة لحليفها الأميركي،

ولذلك فقد كنا قبل الحرب، وعلى الرغم من أننا كنا نثمّن الجهود الفرنسية لتفادي الصراع، نشك في أن الذي كان يحرك باريس هي مصالحها الشخصية قبل كل شيء، إن فرنسا لم تؤيد العراق بل كانت تسعى لمضايقة الولايات المتحدة ليس إلا!

للراغبين الأطلاع على الحلقة التاسعة:

http://www.algardenia.com/2014-04-04-19-52-20/fereboaliraq/10879-2014-06-10-17-57-49.html

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

391 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع