القهوة العربية.. قهوة العشائر العراقية

          

     القهوة العربية.. قهوة العشائر العراقية

   

   

   

القهوة العربية أحد المعالم العشائر العراقية الأصيلة، ولها مكانة مرموقة واحترام، وإعدادها يختلف من منطقة لأخرى ولكن تبقى رائحتها المميزة وطعمها عنوانها الدائم، ويرافق القهوة في هذه الأيام طقوس الحزن بعد أن غاب الفرح عن الديار.

لم يكن أي تجمع عشائري في العراق، سواء كان في منازل وجهاء العشائر، أم في مضايف زعماء القبائل، يخلو من نكهة القهوة العربية، التي أصبحت تقليدا لازما بهذه الأماكن لعشرات السنين، إلا أن هذا التقليد بدأ بالتراجع تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، وأصبح وجود "دلال" القهوة العربية يكاد يكون منحصراً في مجالس العزاء. أن "القهوة تتمتع بميزات كثيرة، منها ما يتعلق بعملها والآخر بكيفية تقديمها، فالقهوة تدل على الكرم العربي أفضل أنواع القهوة هي اليمنية أو ما تعرف بالبن اليمني، تحتاج إلى التخدير والبقاء ليوم كامل مع استخدام الخميرة التي تعطيها نكهة وطعماً مميزين.
كانت العرب تزج فتيانها وصبيتها في مجالس القهوة العربية، ليتعلموا الفصاحة والخطابة والشجاعة والكرم، وما كان يجب عليهم تعلمه، وما أن تشب ناراً للقهوة في مجلس، حتى يتوافد رجال الحي وبرفقتهم أبناءهم وتجد كل رجال ذلك المجلس حريص على أن يكتسب الصغار، مكارم الأخلاق وعلوم الرجال.
مسميات القهوة
للقهوة أسماء تشتهر بها بعضها نسبه إلى نوع البن وببعضها نسبه إلى طعمها ومن أشهر أسمائها:
الكيف: وهو من أشهر أسماء القهوة على الإطلاق، ومعنى الكيف ارتياح البال وانشراح الصدر، والتلذذ بشرب القهوة.
والبـن: نسبه إلى المادة الرئيسية لصنع القهوة. والمـر: نسبة إلى طعم القهوة المائل إلى المرارة.
والبرية: نسبه إلى نوع من أنواع البن اليمني الجيد.
الشاذلية: اختلفوا في سبب التسمية فمنهم من يقول إنها نسبه إلى نوع من أنواع البن اليمني الجيد، ومنهم من يقول إنها نسبه إلى عمر الشاذلي، وهو أول من شرب القهوة.
والطبخة: نسبه إلى طبخ القهوة على النار.
أدوات صنع القهوة: تتكون أدوات صنع القهوة لدي أبناء البادية من عدة أشياء يطلق عليها أسم المعاميل وهي مهمة لصنع القهوة، أخذت لفظة معاميل من الأشياء التي سبق إن عمل بها (أي المعمول بها، والمعاميل تطلق على آنية القهوة من دلال، ومحماس، وغيره وقد تعارف الناس في وقتنا الحاضر على أن المعاميل هي أواني القهوة والشاي.
المحماس : وهو قرص اسطواني مجوف من الداخل لها يد طويلة لمسكها بها، ومعها قضيب طويل نسبياً يسمى يد المحماس في رأسه نصف دائرة، ويستخدم المحماس لحمس وتحميص البن، ويصنع المحماس من الحديد السميك حتى لا يحترق البن أثناء الحمس، ويعتبر المحماس المصنوع من الحديد الرهيف عيباً من عيوب المحاميس، ويفتخر أبناء البادية بأن يكون المحماس أسود اللون من النار ، ويعتبرونه من الكرم لأنه يدل على كثرة حمس البن فوق النار ، وقد أثر المحماس كثيراً في حياة أبناء البادية حتى أطلقوا على أبنائهم اسم (محماس) وذلك لفخرهم به ولم يكن الشعراء أقل حظاً منهم فقد أثر المحماس في أشعارهم ،حيث نجدهم يصفون همومهم وضيقة خاطرهم، وانشغال بالهم بالبن الذي يقلب على المحماس، ويعتبر حمس البن تفريجا للهموم وضيقة الصدر لدى أبناء البادية.
النجر (الهاون): وهو على شكل اسطواني مجوف من الداخل، له يد عبارة عن قضيب في رأسه الأسفل كالكورة المدببة، ويستخدم النجر (الهاون) لدق البن والبهارات، ويصنع النجر (الهاون) من النحاس، ويعتبر دق النجر فناً قائم بحد ذاته وله صوت رنان بإيقاعات مختلفة، يجذب السامعين ويدعوهم لشرب القهوة، وتختلف دقات النجر من شخص إلى آخر، لأنه فن قليل من يتقنه، وهناك أنواع من النجر (الهاون) مصنوعة من الحجر أو الخشب يسمي ( النقيرة ) ليس له صوت، ويقسم أبناء البادية دق النجر إلى :
التثليثة: وهو ثلاث دقات في كل مرة مرتين ثقيلة في وسط النجر ومرة خفيفة في طرف النجر.
التربيعة: وهو أربع دقات في كل مرة ثلاث ثقيلة وسط النجر ومرة خفيفة في طرف النجر
التخميسة: وهو خمس دقات في كل مرة أربع ثقيلة وسط النجر ومرة خفيفة في طرف النجر
وقد أثر النجر (الهاون) كثيراً في حياة أبناء البادية، حتى أطلقوا على أبنائهم أسم (نجر)، وذلك لفخرهم به ولم يكن الشعراء أقل حظاً منهم، فقد أثر النجر (الهاون) في أشعارهم حيث نجدهم يصفون همومهم وضيقة خاطرهم، وانشغال بالهم بالبن الذي يقلب على المحماس.
المبرد: وهو أداه محفور من الداخل بشكل انسيابي واسع، مكشوف ومفتوح من الخلف ومغلق من أعلاه من الأمام وضيق، ويستخدم لتبريد البن بعد حمسه وقبل دقه في النجر (الهاون) ويصنع المبرد من الخشب
الدلال: تصنع من النحاس الأحمر والأصفر، وتوضع أمام الضيوف بالقرب من الوجار وهي رمز للكرم والجود لدى أبناء البادية، وهي عدة أنواع حسب مكان صنعها ومنها:
الرسلان: تعتبر من أجود الدلال وهي صناعة سورية.
والبغدادية: جيدة الصنع وهي صناعة بغدادية لونها فضي، ولها أربعة أحجام وشكل يختلف عن الرسلان.
القرشية: وهي تصنع بمكة المكرمة نسبة إلى قبيلة قريش.
الحساوية: وهي مصنوعة بمنطقة الأحساء.
وتسمى الدلال الأربع: الأولى: المصفاة وهي الأكبر حجماً من الدلال وهي التي توضع بالقرب من النار وتصفى فيها سريب القهوة بعد الانتهاء من صب القهوة من أجل تبهير دلة جديدة والثانية: المطباخة وهي أقل حجماً من المصفاة وسميت بذلك لأنه تطبخ بها القهوة وتسمى الملقمة، الثالثة: المبهرة وهي أقل حجماً من الملقمة ( المطباخة ) وهذه الدلة يوضع فيها البهارات حسب الرغبة وتصب عليها القهوة من المطباخة الرابعة : المزل وهي أصغر الدلال وهي ما يصب فيها من المبهارة وذلك لخفة وزنها وسهولة حملها بحيث لا تتعب.
المنسف: وهو مصنوع من خوص النخل على شكل دائري مجوف له حواف يوضع فيه التمر ويربط فيه واحد أصغر منه لوضع العبس فيه
السفرة: وهي كذلك مصنوعة من خوص النخل وهي توضع تحت صحون التمر يرمى فيها العبس أو يوضع عليها صحن الأكل.
مخرف الخراف: يحمله من يريد خرف التمر معه ليضع التمر فيه وهو مصنوع من خوص النخل مجوف من الداخل دائري عمقه حوالي 25 سم مربوط في حافتيه المتقابلة على شكل نصف دائرة ويده مصنوعة من ليف النخل زينت بالقماش المبروم عليها للحفاظ عليه من التلف ولجعل ممسكها ليناً
البيز: وهي قطعة من القماش مربعة الشكل أو مستطيلة مبطنة من الداخل مصنوعة من القطن أو الصوف
كي لا تحترق من المقابض الحديدية التي توضع على النار وهي مزخرفة ومنقوشة وهي تحمي يد من يريد إمساك الدلال وهي حارة وسط النار.
الليفة: من متطلبات الدلة وخاصة المبهرة وهي من ليف النخل وتسمى الخلبة وتلف بمقاس ثعبة الدلة وتوضع داخل الثعبة لكي تمنع نزول الهيل أثناء صب القهوة في الفناجيل كذلك توضع لسد ثعبة الدلة أثناء الليل لكيلا يدخل الدلة حشرة
صينية الفناجيل: لوضع الفناجيل فيها بعد غسلها.
المثعوبة: من الأدوات المطلوبة للقهوة قديماً وهي مصنوعة من النحاس وهي دائرية مجوفة لها حواف كبيرة من الأعلى متوسطة الحجم لها في أحد حوافها ثعبه تشبه ثعبة الدلة والغرض منها لصب الماء في الدلال الموجودة على النار بحيث لا ينسكب الماء على النار فيطفئها كذلك تستخدم لغسل الفناجيل فيها
الفنجال: وهي الآنية التي تصب فيها القهوة لشاربها وهي مصنوعة قديماً من الفخار ثم صنعت من الصين وهي قليلة في الماضي

الشت: وهو علبة أسطوانية الشكل مغلق من أسفله له غطاء أسطواني هرمي معلق في غطاه سلسلة مربوطة بجانب الشت للمحافظة علية من الضياع وهو مصنوع من النحاس الأصفر وله أحجام متعددة تلف الفناجيل بقطعة قماش لتمنعها من الحركة داخل الشت وعازلة بعضها عن بعض لكي لا تتكسر مع الحركة
الملقاط: وهو معروف ويستعمل في وقتنا الحاضر ويعرفه الصغار و هو أداة لتحريك الجمر والنار أثناء شبها وكذلك يلقط به الجمر لوضعه في المبخرة
المركب أو المركاب أو المركا: وهو مصنوع من الحديد بعدة أشكال وأحجام منها ما هو مثلث له ثلاثة أرجل
ومنها ما هو مربع ومستطيل له أربع أرجل وعلى أعلاه مجموعة من العوارض الحديدية توضع عليه الدلال والأباريق ليوقد تحتها النار.
المنفاخ: يستخدم لإشعال النار وهو عدة أنواع المنفاخ اليدوي، فالمنفاخ اليدوي يعمل بالضغط على جهتين باليدين وهو مصنوع من الخشب وبينهما جلد مثبت على حافتي الخشب وله يدين بارزة لمسك المنفاخ وله أنبوب يخرج منه الهواء إلى النار ليشعلها.
الماكنة الهوائية اليدوية وهي عبارة عن مروحة مثبته على تروس تدار بواسطة اليد موصل بها ماسورة تثبت في الوجار وتكون على يسار عامل القهوة لتحريكها باستمرار والماسورة تصل بحفرة وضعت تحت مشب النار. الماكنة الكهربائية وهي ماكينة موصلة بالكهرباء تدار بعد وضع مفتاح بالدرجات من أجل تحريكها بالسرعة المطلوبة وتوصل كما توصل المكينة الهوائية.
مسميات طبخ القهوة: في الماضي تطبخ القهوة بمسميات منها: البكر، الثنوة، العشرة، التنخيرة.
فالبكر هي التي كل شيء فيها جديد القهوة والماء والبهار، أما الثنوة فهي القهوة التي يعاد طبخها بعد زيادة ماءها ووضع البن والبهار عليها.
أوقات شبة النار لتصليح القهوة: كانوا يشعلون النار لعمل القهوة بحسب أحوالهم ومشاغلهم، فمنهم من يشعلها في الصباح الباكر ومنهم من يحب شبة النار بالليل: ومنهم من يحب شبة النار للقهوة وقت الضحى ومنهم من يحبها قبل الفجر تالي الليل، ومنهم من يحبها مع طلعة الشمس، ومنهم من يحبها بعد الظهر والعرب يشبون النار لعمل القهوة من أجل السوالف والأشعار وتناقل الأخبار وفوائد القهوة تقوي الشخصية والذهن وتنشط الذاكرة، ومفيدة للرشاقة والضغط والسكر وإذابة الدهون علاوة على فوائدها للأمراض الجلدية والسرطانية وتفيد كذلك في التخفيف من الإشعاعات التي قد يتعرض لها الفرد. ونجد أن أبناء البادية يهتمون بشب النار لصنع القهوة أمام بيوت الشعر في الليل حتى يراها المسايير والضيوف فيعكفون إليهم ويفتخرون بكبر وحجم النار المشبوبة ونوع الحطب الذي يشعلونه، وأما في النهار فتشب النار في طرف البيت ويسمى المكان الذي تشب به النار لصنع القهوة الوجار وهو عبارة عن حفرة تشب فيها النار وتوضع المعاميل حولها.
تقاليد القهوة العربية موروثة ومن غير الممكن مغادرتها أو التخلي عنها، فحين يدخل ساقي القهوة (القهوجي) إلى المضيف أول ما يقوم به إسقاء الدلة، أي أنه يصب القهوة في الفنجان ومن ثم يعيدها من الفنجان إلى الدلة وهذه الحالة تعرف بـ حق الدلة، للقهوة عادات لصبها لدى أبناء البادية منها: مسك الدلة باليد اليسرى والفناجيل باليد اليمنى ، والوقوف أثناء صب القهوة، و الإنحناء إثناء تقديم الفنجال، و أن يقال لمن تقدم له الفنجال تقهوا أو تفضل، والاعتدال بعد صب القهوة، حمل الفناجيل باليد، وأن يعطي أول فنجال للضيف أو للأمير أو لشيخ القبيلة أو عقيد القوم أو الفارس الشجاع أو للكريم أو للأب أو للأكبر سناً أو لمن يجلس بصدر المجلس، وأن لا يصب القهوة أحد الضيوف، أن لا يصب القهوة الأب والابن الموجودان، وأن لا يصب القهوة الأخ الأكبر في وجود أصغر منه سناً من أخوته، وأن يبدأ بصب من اليمين نحو البسار. والعُرف السائد في إكرام القهوة أنها تكون (خص)، أي تخص أولاً الشخص المهم في المجلس، على العكس من الشاي الذي يقدم للضيوف (كص)، أي بدءاً من الشخص الأول وتستمر حسب الجلوس.
ويقدم الفنجال ليس مملوءاً بالقهوة، وإنما تُصب القهوة بنص مقدار الفنجال وإذا ملئ وتم تقديمة للضيف يعد إهانة. أما عند البعض فيشترط أن يكون الفنجال مملوءاَ بالقهوة حتى أن نقصانه يعدّ إهانة لهم.
مهارةُ صبّ القهوة أيضًا أن تُحدِثَ صوتًا خفيفًا نتيجة ملامسة الفناجيل أي الكاسات التي تصب فيها القهوة ومفردها فنجال ببعضها البعض. وكان يُقصَد بهذه الحركة تنبيه الضّيف إذا كان سارحًا، كما تقدم في الأفراح، أما في الأحزان كالعزاء فعلى مقدم القهوة ألا يصدر صوتاً ولو خفيفاً، كما أنّ مِن مهارة شرب القهوة أن يهزّ الشّارب الفنجان يمينًا وشمالاً حتّى تبرّد القهوة ثم يقوم برشفها بسرعةٍ، بلغ من احترام البدو والعرب في السّابق للقهوة أنّه إذا كان لأحدهم طلب عند شيخ العشيرة أو المُضيف، كان يضع فنجان قهوته على الأرض ولا يشربه، فيلاحظ المُضيف، أو شيخ العشيرة ذلك، فيُبادره بالسؤال عن حاجته فإذا قضاها له، أَمَره بشرب قهوته اعتزازًا بنفسه. وإذا امتنع الضّيف عن شرب القهوة وتجاهله المُضيف ولم يسأله ما طلبه فإنّ ذلك يُعدّ عيبًا كبيرًا في حقّه، وينتشر أمر هذا الخبر في القبيلة. وأصحاب الحقوق عادةً يحترمون هذه العادات فلا يبالغون في المطالب التّعجيزية ولا يطلبون ما يستحيل تحقيقه.
الفنجـان الأول يسمى الهـيف وهو الفنجان الذي يحتسيه المعزب أو المضيف قبل ما يمد القهـوة لضيوفه وقديما كانت تسري هذه العادة عند العرب ليأمن ضيفهم من أن تكون القهوة مسمومة أما حديثا فجرت هذه العادة ليختبر المعزب جودة وصلاحية القهوة قبل تقديمها إلى الضيوف خوفا
الفنجـان الثاني يسمى الضـيف وهو الفنجـان الأول الذي يقدم للضيف وهو واجب الضيافـة وقد كان الضيف قديما في البادية مجـبرا على شربه إلا في حالـة العداوة أو أن يكون للضيف طلب صعب وقوي عند المضيف فكان لا يشربه إلا بعد وعـد من المضيف أو المعزب بالتلبية
الفنجـان الثالث يسمى الكـيف وهو الفنجـان الذي يقدم للضيف وهو ليس مجـبر على شربه ولا يضير المضيف إن لم يشربه الضيف إنما هو مجـرد تعديل كيف ومزاج الضيف وهو أقل فناجيل القهـوة قـوة في سلوم (عادات) العرب.
الفنجـان الرابـع يسمى السـيف وهو الفنجـان الرابع الذي يقدم للضيف وهذا الفنجـان غالبـا ما يتركـه الضيف ولا يحتسـيه لأنه أقـوى فنجـال قهـوة لدى عرب الباديـة إذا أنه يعـني أن من يحتسـيه فهـو مع المضيف في السـراء والضـراء ومجـبر على الدفـاع عنه بحـد السـيف وشريكه في الحـرب والسلم يعادي من يعاديه ويتحالف مع حلفـاؤه حتى وإن كان من بين حلفائه من هم أعداء له في الأصل أعداء للضيف. فقد كان هذا الفنجـان عبارة عن عقد تحـالف عسكري ومدني وميثاق أمني ما بين الضيف والمضيف وقد كان هذا الوضـع يحمل النـاس أمورا شداد ويواجهون الموت والدمـار بسببه فلذلك كانوا يتحاشـونه ويحترصون منه أشـد الحـرص أما شرب أكثر من ثلاثة فناجـين فعادة يعملها أهل وذوي
صاحب القهوة وأفراد قبيلته وأنسبائه وذوو الدم
وهناك فنجـان اسمه الفارس لكن من يطلب شخص ما بدم أو ثأر أو ما شابه إن كان شيخ القبيلة أو كبير في السن أو امرأة يجمع شباب القبيلة وفريسها. ويصب القهوة في الفنجان ويرفعه عاليا على رؤوس الأشهاد وأمام الجميع ويقـول: هــذا فنجـان فـلان بن فـلان من يشربـه أي من يأخذ حقنا أو ثأرنا أو دمنا منه؟ فيقوم أحد فرسان القبيلة ويقـول: أن له ويأخذ الفنجـال ويشربـه ويذهب في طلب هذا الشخص ولا يعـود إلى قبيلته إلا بعد إحضـار البينة على أنه انتقم لصاحب الفنجـان من الشخص المطلوب وإلا فله أحد خيارين إما أن يجلي من قبيلته ولا يعـود لها أبد لما لحقه من ذل وعار وصم بها جبينه. وإما أن يعود محملا بالخزي والعار ويصبح مدعاة لسخرية أفراد القبيلة صغيرها وكبيرها رجالا ونساء ولا يتزوج منها ولا يخرج للحرب مع فرسانها
ويذكر أن العُرف السائد لا يجيز للضيف أن يطلب فنجاناً رابعاً ذلك لأن الدلة تجلس على ثلاثة أرجل ومن يريد الفنجان الرابع فذلك يعني أن لديه طلباً معيناً أو مشكلة مستعصية الحل عند أهل المضيف وعندها لا بد من الانتباه لهذه الحالة والقول للضيف من أكبر الموجودين أو أكثرهم جاهاً (ابشر) أي بمعنى أن القضية التي جئت من أجلها ستُحل.
يعتبر تقديم القهوة أحد الجوانب المهمة من حسن الضيافة في المجتمعات العربية ورمزاً للكرم.
إعداد القهوة تقليدياً أمام الضيوف. وتبدأ العملية باختيار حبوب القهوة، ومن ثم تحميصها تحميصاً خفيفاً على النار في مقلاة ليست عميقة، وتوضع القهوة بعد ذلك في هاون نحاسي وتُدق بمدق نحاسي. ثم توضع القهوة المطحونة على النار في دلّة نحاسية كبيرة ويضاف إليها الماء. وبعد أن يكتمل تخميرها تسكب في فناجين صغيرة. وتقدم القهوة أولاً للضيف الأكثر أهمية أو الأكبر سناً. وتسكب القهوة بمقدار ربع الفنجان ويعاد السكب عند الطلب. والممارسة الشائعة هي شرب فنجان واحد على الأقل على ألا يزيد العدد على ثلاثة فناجين. ويشرب القهوة العربية الرجال والنساء من جميع شرائح المجتمع، ولا سيما في المنزل. ويعتبر الشيوخ ورؤساء القبائل الذي يقدمون القهوة في مجالسهم، والبدو من الرجال والنساء الكبار في السن وأصحاب المتاجر المتخصصة في بيع القهوة حمَلة هذا التراث والأمناء على استمراره. وتُنقل المعارف والتقاليد الخاصة بالقهوة العربية في إطار العائلة وتُكتسب من خلال المراقبة والممارسة. ويتعلم الشباب كيفية اختيار أفضل حبوب القهوة من خلال مرافقة الكبار إلى السوق.
القهوة العربية الأصيلة هي مشروب منبه يشرب ساخناً، ويتدرج لونها من الأصفر (الأشقر) إلى الأسود مروراً باللون البنيّ، حسب درجة حمس حبوب القهوة، ويشتهر بها أهل شبه الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام ومصر وتتميز بأنها مرة وليس فيها سكر بتاتا. وهي مدرجة ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة لعام 2015.
أول من جاء بها إلى اليمن موطنها الأول في الجزيرة العربية، هو رجل دين من أهل عدن اسمه جمال الدين أبو عبدالله محمد بن سعيد الذبحاني الذي عاش في منتصف القرن التاسع الهجري (منتصف القرن الخامس عشر الميلادي) من الحبشة حيث كان يسافر لها، وقدّمها لأهل بيته وأصدقائه وضيوفه لتعديل المزاج وللتعافي من الوهن والإجهاد، ثم بدأ المزارعون في اليمن في زراعة البن بعد انتشار شربها في الطبقة العليا وبعد ذلك قلّدهم العامة وانتشر شربها بين اليمنيين وأصبحت عادة اجتماعية يومية، بعد ذلك انتقلت إلى مكة، فعمّت الحجاز ، ذلك بعد أن انتشرت في مصر بواسطة طلاب يمنيين أخذوها معهم في رواقهم في جامع الأزهر للاستعانة بها على السهر من أجل المذاكرة والدرس ، ثم انتقلت إلى نــجد (المنطقة الوسطى بالجزيرة العربية)، وفي القرن الخامس عشر وصلت القهوة إلى تركيا ومن هناك أخذت طريقها إلى فينيسيا في عام 1645م. ثم نقلت القهوة إلى إنجلترا في عام 1650م عن طريق تركي يدعى باسكا روسي الذي فتح أول محل قهوة في شارع لومبارد في مدينة لندن عام 1652م، فأصبحت القهوة العربية قهوة تركية، وقهوة إيطالية، وقهوة بريطانية بعد أن تدخلت أمزجة هذه الشعوب ورغائبهم في تجهيز القهوة.
وكان الطبيب الرّازي الذّي عاش في القرن العاشر للهجرة أوّل مَن ذكر البن والبنشام في كتابه "الحاوي". وكان المقصود بهاتين الكلمتين ثمرة البن والمشروب. وفي كتاب "القانون في الطّب" لابن سينا الذّي عاش في القرن الحادي عشر، يذكر البن والبنشام في لائحة أدويةٍ تضم 760 دواء. لم يكن دخول القهوة إلى المجتمعات العربية بهذه السهولة، بل لقيت معارضة رجال الدين في اليمن ومصر ومكة المكرمة ونجد وصلت في بعض الأوقات إلى التحريم، بل إن أهل نجد كانوا يمنعون الناس العائدين من الحج من جلب حبوب القهوة من الحجاز، وظهرت هذه المعارضة لأسباب عدة، منها، أن لها مجالس تعقد من أجلها مدعاة للهو ومضيعة للوقت ومصدة عن الاستغفار وعبادة الله خصوصاً عند مقارنتها بمجالس الذكر. ارتبطت بشرب التنباك (الدخان) وبالتالي رأوا فيها ما يرون في الدخان من التحريم والكره. البعض من رجال الدين عدّ القهوة نوعاّ من المسكرات والمثبطات لما يرونه من الأنس في سلوك شاربها يعد غريباَ آنذاك. أما الآن فتعد القهوة مشروباً مفضلاَ ورائقاَ يجلب الأنس، والسعادة ويعدل المزاج.
وتثور في المقابل ثائرة المضيف إذا أخبره أحدٌ أنّ قهوته فيها خلل أو تغيّر في مذاقها نتيجة احتراق حبوبها أثناء الحمس (التحميص) أو سقط فيها حشرة، ويُعبّرون عن ذلك بقولهم قهوتك صايدة، ولا بُدّ في هذه الحالة أن يُغيّر المُضيف قهوته حالاً ويستبدلها بأخرى.
وطريقة تحضيرها تُحمّص (تُحمس) القهوة أوّلاً على النار بواسطة إناءٍ معدنيٍ مقعرٍ يُسمى "المحماسة" له يد حديدية طويلة، وتُحرّك حبوب القهوة بهدوء وبدون استعجال حتى تنضج جميع جهاتها بواسطة عُصيّتين من الحديد تشبهان الملعقة الطّويلة. ثم تُدق القهوة بواسطة إناءٍ معدنيٍ يُسمّى "النّجر" وتوضع مع بهاراتها المعروفة، كالقرنفل (المسمار) والزّعفران والهيل، في دلةٍ كبيرةٍ تُسمّى القمقوم أو المبهار ثم تُسكَب بعد عدّة عملياتٍ مُركّبةٍ في دلةٍ مناسبةٍ وتُقدّم للضّيوف، كما يضاف إليها في عادات بعض المناطق من الجزيرة العربية الزنجبيل أو القرفة (الدارسين)، كما يشرب قشر حبوب القهوة في بعض المناطق مثلما تشرب القهوة، وذلك بوضع القشر في ماء ساخن في الليل، ثم تطبخ في الصباح لمدة كافية وتقدم للشرب.
وأخيرا: القهوة في العُرف العربي ليست ارتواء بل كيْف وفن وذوق في التجهيز والصّب والتناول، كما أنها ليست للسّلم فقط بل تستخدم للحروب. فكافّة القبائل في السابق، إذا حدث بينها شجارٌ أو معارك طاحنةٌ وأعجز إحدى القبائل بطل معين، كان شيخ العشيرة يجتمع بأفرادها ويقول لهم مَن يشرب فنجان فلان ويشير بذلك للبطل الآنف الذكر (أي َمن يتكفّل به أثناء المعركة، ويقتله) فيقول أشجع أفراد القبيلة: أنا أشرب فنجانه. وبذلك يقطع على نفسه عهداَ أمام الجميع بأن يقتل ذلك البطل أو يُقتَل هو في المعركة. وأيّ عارٍ يجلبه هذا الرّجل على قبيلته إذا لم يُنفّذ وعده، هكذا تحوّلت القهوة من رمزٍ للألفة والسّلام إلى نذير حربٍ ودمارٍ.
المصدر:
القهوة الكيف بين الماضي والحاضر: عبد العزيز بن ناصر العبد الله

   

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

506 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع