عندما راهن قاسملو على الأوهام

نزار جاف

عندما راهن قاسملو على الأوهام

في يوم الاثنين الماضي، المصادف 13 تموز/يوليو 2026، عشية مرور الذكرى السابعة والثلاثين على اغتيال الدكتور عبد الرحمن قاسملو، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران، وعبد الله قادري آذر، عضو اللجنة المركزية للحزب، وفاضل رسول، أستاذ الجامعة ووسيط المفاوضات، داخل شقة في العاصمة النمساوية فيينا، عادت قضية ذلك الاغتيال إلى الواجهة مجددا. فقد كانوا موجودين هناك لإجراء محادثات مع ممثلي الجمهورية الإسلامية بشأن إيجاد حل سياسي لقضية كردستان إيران، إلا أن جلسة التفاوض تحولت إلى واحدة من أبرز القضايا غير المحسومة في ملف اغتيال المعارضين الإيرانيين في أوروبا، ولاسيما أن قاسملو كان يعد أبرز زعيم كردي إيراني بعد القاضي محمد، مؤسس ورئيس جمهورية كردستان في مهاباد التي أعلنت في مدينة مهاباد شمال غربي إيران في 22 كانون الثاني/يناير 1946.
وقد أصدر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني المعارض بيانا بهذه المناسبة أكد فيه أن "التصفية الجسدية لقاسملو لم تتمكن من القضاء على نهجه السياسي والفكري". وقدم الحزب في رسالته قاسملو بوصفه مدافعا عن الربط بين الحقوق القومية للكرد والديمقراطية في إيران والحل السلمي لقضية كردستان، كما جدد انتقاده لأداء الحكومة النمساوية بسبب عدم استكمالها التحقيق في ملف اغتياله.
لكن من المفيد هنا الإشارة إلى أن الحكومة النمساوية ليست الوحيدة التي تغاضت أو أهملت استكمال التحقيق في هذه القضية، إذ إن الحكومة الألمانية واجهت الانتقادات ذاتها بشأن ملف اغتيال الدكتور صادق شرفكندي، الأمين العام للحزب نفسه، في برلين بتاريخ 17 أيلول/سبتمبر 1992. وتوجد، بحسب مصادر من المعارضة الإيرانية في باريس، معلومات تشير إلى أن الحكومتين المذكورتين توصلتا إلى تفاهم مع النظام الإيراني يقضي بإغلاق التحقيقات في القضيتين مقابل توقف أجهزة المخابرات الإيرانية عن تنفيذ عملياتها داخل دول الاتحاد الأوروبي.
وعندما اغتيل قاسملو، كان حزبه عضوا في "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" الذي كان مقره في العاصمة الفرنسية باريس. وقد أكد لي السيد محمد محدثين، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس في حديث جانبي في سياق مقابلة أجريتها معه عام 2017 لصحيفة"السياسة الکويتية"، أن قيادة المجلس حاولت ثني الدكتور قاسملو عن إجراء مفاوضات مع النظام، وحذرته من حقيقة نواياه ودوافعه. وأضاف أن المجلس، الذي كان قد أصدر سابقا قراره التاريخي بشأن طرح مشروع الحكم الذاتي لكردستان إيران، قدم حزمة جديدة من المقترحات والحوافز في هذا المجال، إلا أن قاسملو، كما يبدو، كان قد راهن على تلك المفاوضات أكثر من رهانه على شركائه ورفاقه في مسار المعارضة الإيرانية.
ومن الجدير بالذكر أيضا أن هذا التواصل لم يكن التجربة الأولى لقاسملو مع نظام الملالي، فقد سبق أن وجه رسالة إلى الخميني في آذار/مارس 1980، جاء في جانب منها:
"نخاطب سماحتكم ونلفت انتباهكم إلى أن أعداء الثورة يحاولون فرض حرب داخلية على الشعب الكردي. وما زالت الاشتباكات مستمرة في المناطق المحيطة بأورمية، كما أن الجيش وقوات الدرك تقوم، باستخدام الدبابات والمدافع والمروحيات، بمهاجمة القرى الكردية".وأضاف قاسملو في رسالته"لقد أصدر سماحتكم في رسالتكم بتاريخ 26 آب/أغسطس 1979 (2 شهريور 1358) توجيهاتكم لنا بحل قضية كردستان عن طريق المفاوضات. وقد لبينا النداء فورا وأعلنا وقف إطلاق النار... لكن كردستان اليوم مرة أخرى أصبحت على أعتاب الحرب. إننا نطالب سماحتكم مرة أخرى، وبإصرار، بأن تمنعوا اندلاع هذه الحرب الداخلية".
غير أن استجابة الخميني لم تكن كما كان يأمل قاسملو، بل جاءت على النقيض تماما. ومن الواضح أن قاسملو، عندما دخل مفاوضات فيينا التي اتسمت بالغموض والريبة، لم يكن يدرك أنها تجري ضمن السياق ذاته الذي تحدث عنه الخميني سابقا بشأن "حل قضية كردستان عن طريق المفاوضات"، وهي العبارة التي لم تكن في الواقع سوى غطاء لسياسة الحسم العسكري والأمني.
وفي الذكرى السنوية لاغتياله، اطلعت على معلومة عن قاسملو نشرها إبراهيم صالح راد على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو عضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وكان خلال فترة سابقة مسؤولا إعلاميا بارزا فيه، وقد لفتت هذه المعلومة إنتباهي كثيرا، إذ يقول فيها حيث جاء فيها على لسان قاسملو:
"كنت قد تقدمت بطلب للحصول على تأشيرة دخول إلى أمريكا، وحددوا لي موعدا للمقابلة في السفارة الأمريكية في بغداد. وفي الموعد المحدد ذهبت إلى هناك.

ما إن دخلت حتى جاءت السفيرة الأمريكية، وكانت امرأة في غاية الأناقة والجمال والذكاء والرزانة، واستقبلتني بحفاوة كبيرة وصافحتني بحرارة. فقلت لها فورا: لو كنت أعلم أن لأمريكا سفيرة جميلة مثلك، لما كان من المعقول أبدا أن أقضي عمري مناضلا ضد الإمبريالية.
فأجابتني السيدة السفيرة قائلة: يا سيدي، لقد ضمنت الآن الحصول على تأشيرتك. تعال لنذهب ونجلس ونتحدث عن بعض المسائل المهمة الأخرى".
وربما تكمن المفارقة في هذه الحكاية في أنها تعكس جانبا من شخصية قاسملو السياسية؛ فقد كان يؤمن بالحوار والانفتاح والرهان على إمكانية التفاهم مع الخصوم، لكن تجربته مع النظام الإيراني أثبتت أن الطرف الآخر لم يكن ينظر إلى التفاوض باعتباره طريقا للتسوية، بل كوسيلة لكسب الوقت وإضعاف الخصوم. وهنا تكمن المأساة السياسية لقاسملو: فقد راهن على أوهام الحوار مع نظام لم يكن مستعدا لتقديم أي تنازل حقيقي، فكان الثمن حياته وحياة رفاقه.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

764 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع