
حسين حميد العوفي / ميسان
فساد الكفاءة الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبل العراق
يقال إن المال إذا سرق أمكن تعويضه وإن المباني إذا تهدمت أمكن إعادة تشييدها وإن البنى التحتية إذا دمرت أمكن إصلاحها بمرور الزمن. لكن هناك خسارة لا تُعوَّض بسهولة، لأنها لا تُقاس بالأرقام ولا تُرصد في الموازنات، إنها خسارة الإنسان الكفوء. فالدول لا تُبنى بالثروات وحدها، بل تُبنى بالعقول التي تُحسن إدارة تلك الثروات وبالمؤسسات التي تجعل الكفاءة معياراً للتقدم لا المحسوبية ولا الولاءات الضيقة لقد اصبح الحديث عن الفساد المالي في العراق أمراً مألوفاً حتى كاد يتحول إلى خبر اعتيادي. غير أن الفساد الأخطر والأكثر تدميراً، هو فساد الكفاءة ذلك الفساد الذي يجعل غير المؤهل في موقع القرار، ويُقصي أصحاب الخبرة والعلم ويستبدل معيار الجدارة بمعايير الانتماء الحزبي أو العشائري أو الشخصي وهذا النوع من الفساد لا يسرق الأموال فحسب، بل يسرق مستقبل الأجيال بأكملها.
لقد شهد النظام التعليمي خلال العقود الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في معايير الجودة، فضعفت المناهج، وتراجعت مكانة المعلم، وازدادت حالات التساهل في التقييم، حتى أصبحت بعض الشهادات تُمنح دون أن تعكس مستوىً حقيقياً من المعرفة أو المهارة. ومع التوسع غير المدروس في بعض المؤسسات التعليمية، ولا سيما التجارية منها، تحولت الشهادة عند البعض إلى سلعة يمكن الحصول عليها مقابل المال، لا ثمرة سنوات من الاجتهاد والبحث والتكوين العلمي والنتيجة أن سوق العمل امتلأ بخريجين يحملون شهادات لا تعكس بالضرورة امتلاكهم للمهارات المطلوبة بينما بقيت المؤسسات تعاني نقصاً في الكفاءات الحقيقية وهكذا نشأت فجوة واسعة بين ما تمنحه الجامعات وما يحتاجه الاقتصاد فأصبحت البطالة بين الخريجين تتزايد، في الوقت الذي تبحث فيه المؤسسات عن أصحاب الخبرة دون أن تجدهم بسهولة.
إن فساد الكفاءة لا يقتصر على قطاع التعليم بل يمتد إلى جميع مؤسسات الدولة فعندما تُمنح المناصب على أساس الولاء بدلاً من الاستحقاق يصبح القرار الإداري ضعيفاً وتتراجع جودة الخدمات، ويزداد الهدر وتفشل المشاريع قبل أن ترى النور. فالطبيب غير الكفوء قد يهدد حياة المرضى والمهندس غير المؤهل قد يتسبب في انهيار مشروع بملايين الدولارات والإداري غير الكفوء قد يعطل مؤسسة بأكملها، والمسؤول الذي لا يمتلك رؤية ولا خبرة قد يقود بلداً إلى أزمات متراكمة الأخطر ما في فساد الكفاءة أنه لا يقتل الحاضر فقط بل يقضي على المستقبل فالطفل الذي يتلقى تعليماً ضعيفاً اليوم سيكون موظفاً أقل إنتاجية غداً، والطالب الذي يحصل على شهادة بلا علم قد يصبح طبيباً أو مهندساً أو قاضياً أو أستاذاً جامعياً دون أن يمتلك الأدوات التي تؤهله لتحمل هذه المسؤوليات. وهكذا تتكرر الحلقة جيلاً بعد جيل حتى يصبح ضعف الكفاءة ثقافة عامة يصعب التخلص منها.
ومن النتائج الكارثية لهذا الواقع أيضاً هجرة العقول فالكفاءات العراقية التي لم تجد بيئة تُقدّر علمها أو تمنحها فرصة عادلة اختارت الهجرة إلى دول وفرت لها الاحترام والإمكانات وبهذا يخسر العراق مرتين مرة عندما ينفق على تعليم أبنائه، ومرة أخرى عندما تستفيد الدول الأخرى من خبراتهم وإبداعاتهم. ولا يقل خطراً عن ذلك ما يتركه هذا الواقع من أثر نفسي واجتماعي. فعندما يرى الشاب المجتهد أن النجاح لا يتحقق بالكفاءة بل بالواسطة، وأن التفوق العلمي لا يفتح له أبواب العمل، تتراجع ثقته بالمؤسسات وبالعدالة، ويشعر بالإحباط، وربما يفقد الدافع إلى الإبداع والابتكار. وعندما يصبح هذا الشعور عاماً، تتراجع قيم الاجتهاد والانضباط، ويحل محلها السعي إلى العلاقات الشخصية والمصالح الضيقة.
لمعالجة فساد الكفاءة لا تكون بالشعارات، بل بإصلاحات جذرية تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند أعلى مؤسسات الدولة. فلا بد من إعادة الاعتبار لجودة التعليم، وتطوير المناهج بما ينسجم مع متطلبات العصر، ورفع كفاءة المعلمين وأعضاء الهيئات التدريسية، وتشديد الرقابة على المؤسسات التعليمية لضمان أن تكون الشهادة دليلاً على المعرفة لا مجرد ورقة رسمية.
ينبغي أن تعتمد الدولة مبدأ الجدارة في التعيين والترقية وأن تبنى المؤسسات على المنافسة العادلة والكفاءة المهنية بعيداً عن المحاصصة والوساطات فالدول التي نهضت بعد الحروب والأزمات لم تكن تمتلك ثروات أكبر من العراق، لكنها امتلكت إرادة سياسية جعلت الإنسان الكفوء هو أساس البناء والتنمية العراق لا يعاني من نقص في الطاقات البشرية، بل يمتلك آلاف العلماء والباحثين والمهندسين والأطباء والمبدعين في الداخل والخارج. لكنه يحتاج إلى منظومة تحترم الكفاءة، وتحميها، وتمنحها المكان الذي تستحقه. فالثروة النفطية مهما عظمت يمكن أن تنضب أو تتراجع قيمتها، أما الثروة البشرية فهي المورد الذي لا ينضب إذا أُحسن استثماره.
فإن موجهة الفساد المالي على جسامته يمكن للدولة أن تسترد جزءاً من أمواله أو تعوض خسائره مع مرور الزمن أما فساد الكفاءة، فإنه يسرق الزمن نفسه، ويهدم الإنسان الذي يصنع المستقبل ويقوض أسس الدولة من الداخل ولذلك فإن معركة العراق الحقيقية ليست ضد سارقي المال وحدهم، بل ضد كل من يقتل قيمة العلم ويُقصي الكفاءة ويجعل الجدارة آخر معايير الاختيار. فحين تنتصر الكفاءة، يبدأ الوطن بالنهوض، وحين تُهزم، يصبح المستقبل كله على المحك.

724 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع