الأب يوسف سعيد وشعرية العناصر الكونية قراءة في الرؤية الشعرية وبناء اللغة

صلاح حمه أمين

الأب يوسف سعيد وشعرية العناصر الكونية قراءة في الرؤية الشعرية وبناء اللغة

لم يكن حضور الأب يوسف سعيد في فضاء الشعر الحديث حلماً عابراً، بل كان انطلاقةً شعرية صنعتها الكلمة، وحلقت بها المخيلة والرؤية. ذلك هو الأب يوسف سعيد أحد أبرز شعراء العراق في القرن العشرين، وأحد الشخصيات الأدبية التي استطاعت أن تجمع في تجربتها الشعرية عمق الرؤية الروحية وحداثة التعبير. فقد اتسم شعره بنزعة تأملية فلسفية وروحية عميقة، تجلّت في انشغاله بأسئلة الوجود والإنسان والموت والفناء، إلى جانب ميل واضح إلى التصوف المسيحي. وفي ضوء هذه الرؤية، نجح في توظيف الرموز الدينية والأسطورية ضمن لغة شعرية حداثية ذات أبعاد دلالية وجمالية واسعة، أسهمت في إثراء قصيدة الحداثة العراقية.

وقد اتسمت قصائده بوحدة رؤيتها وبالتأمل الدائم في البحث عن الخلاص والطمأنينة، كما مزّج الشاعر بين رموز التوراة والإنجيل ورموز حضارة بلاد الرافدين، بما يضفي على نصوصه أفقًا ثقافيًا وإنسانيًا رحبًا. أما لغته الشعرية فتتميز بإيقاعها الموسيقي، وكثافة تأملاتها، وثرائها بمشاعر الحنين والاغتراب.
تنفتح عوالمه الشعرية على فضاءاتٍ كونية وأبدية، إذ تتكرر العناصر الطبيعية الكبرى بوصفها ركائز لرؤيته الشعرية، مثل الشمس والماء والتراب والأرض. يمثل الماء أصل الحياة ومنبعها، بينما ترمز الشمس إلى البعد السماوي والنور، في حين يجسد التراب والأرض فضاء الوجود الإنساني ومرجعه الأول والأخير. ومن خلال هذه العناصر يعيد الشاعر بناء علاقة الإنسان بالكون، لتغدو الطبيعة مرآة للذات الإنسانية، ويغدو الموت قوةً كونيةً تتجاوز الفرد لتطال الوجود بأسره.
وعلى الرغم من الحضور اللافت لهذه العناصر الكونية في قصائد الشاعر، فإن الموت يظل المحور العميق الذي تنتظم حوله كثير من قصائده، ويتجلى ذلك في قصيدته (تكهّنة الطاغي). وقد لخص الناقد السوري صبري يوسف هذه السمة بقوله (إن القس يوسف سعيد يبني قصيدته بوصفه شاعراً يسعى إلى نقل أحاسيسه الخفية إلى ومضة من الخيال المفعم بالتأمل).
ويرى الناقد العراقي عبدالقادر الجنابي، في كتابه (انفرادات الشعر العراقي) أن ارتباط الأب يوسف سعيد بجماعة كركوك، كان عاملاً كبيراً وحاسماً في تطور تجربته الشعرية، إذ استطاع أن يمزج الترانيم المسيحية بالرؤية الحداثية ليصوغ تجربة شعرية متفردة.
ويصفه الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة بقوله: (لم أرَ في حياتي كلها قسًّا يمتلك هذه الرؤية الشعرية الجميلة والعميقة لمعاني الحياة)، وهذه الشهادة تؤكد المكانة الروحية والفنية التي احتلها يوسف سعيد في الشعر العربي الحديث.
ومن اللافت للنظر أن تجربة الأب يوسف سعيد، على الرغم من أهميتها الفنية، لم تحظَ بالقدر نفسه من الأهتمام النقدي مقارنةً بتجارب عدد من شعراء جماعة كركوك، إذ ظلت الدراسات والبحوث التي تناولت شعره محدودة، سواء داخل مدينة كركوك أم خارجها، وهو ما يدعو إلى إعادة قراءة منجزه الشعري، في ضوء مكانته في الحداثة العراقية.
يُعدّ الأب يوسف سعيد واحداً من الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تشيّد عالماً شعرياً خاصاً، يقوم على تفاعل الرؤية الدينية والأسطورية والكونية مع الحسّ الشعري الحديث. وتكشف نصوصه عن مشروع شعري واسع يتجاوز التعبير الوجداني المباشر إلى بناء كونٍ لغويّ متكامل تتفاعل فيه عناصر الخليقة الكبرى: الأرض، الماء، السماء، التراب، والزمن، بوصفها كائنات حيّة تنبض بالروح والمعنى. ويمكن إجمال أبرز ملامح تجربته الشعرية في المحاور الآتية:
أولاً: شعرية العناصر وتحويل الطبيعة إلى كائنٍ حي
في قصائد «الأرض» و«التراب» و«السماء» و«الماء» لا تؤدي العناصر الطبيعية وظيفة وصفية، بل تتحول إلى شخصيات فاعلة داخل البنية الشعرية.
فالأرض عند الشاعر يوسف سعيد، ليست مساحة جغرافية، بل أمّاً للذاكرة تنبت من ترابها الحكايات، وتستعيد بالحلم ما تبدده الحروب. وتمثل الأرض في شعره كائناً حياً؛ تحفظ ذاكرة الإنسان، وتنهض من جراحها كلما ظنّ العابرون أنها استسلمت للصمت:
<< الأرض ترضع بنيها بحليب مستقطر
من أثداء أمهات المحبة...>>
بينما نرى أن السماء تتحول إلى كائن يتنفس ويغني ويحلم. وتحضر السماء في تجربته الشعرية بوصفها المعادل الروحي للأرض؛ فإذا كانت الأرض تمثل ذاكرة الجسد، فالسماء تمثل ذاكرة الروح، وبينهما يكتمل أفق الإنسان:
<< سماء من وجهها يتدفق نور البركة...>>
أما الماء فيكتسب بعداً وجودياً وخلاصياً:
<< الماء لغة السماء>>
فهنا لا يعود الماء عنصراً طبيعياً فحسب، بل يصبح وسيطاً رمزياً بين العالم السفلي والعالم العلوي، وهو ما يكشف عن النزعة الروحية التي تؤسس لرؤية الشاعر الكونية.
تجعل هذه الأنسنة المستمرة لعناصر الكون كله جسداً حياً يتكلم بلغة روحية واحدة.
ثانياً: المرجعية الكتابية والأسطورية
يمتلئ شعر الأب يوسف سعيد بالإشارات الكتابية والدينية؛ فنجد أسماء مثل:
يشوع بن نون/ أخنوخ/ متوشالح/ يونس/ هابيل/ فرعون/ سليمان...
كما تحضر المدن المقدسة والتاريخية مثل:
أورشليم / بابل/ أورك/ شنعار/ أفسس...
غير أن هذه الرموز لا تُستعمل بوصفها استدعاءً تاريخياً، بل بوصفها أدوات لبناء رؤية كونية. إذ يعيد الشاعر من خلالها تشكيل التراث الكتابي داخل لغة حديثة تجعل الماضي حاضراً في التجربة الإنسانية الراهنة.
ثالثاً: النزعة الرؤيوية
تقترب قصائد الأب يوسف سعيد من الشعر الرؤيوي الذي عرفته الحداثة العربية على نحوٍ يقارب التجارب الرؤيوية لشعراء جماعة كركوك وكذلك عند أدونيس ويوسف الخال من حيث بناء العالم الرمزي، مع احتفاظه بخصوصيته النابعة من ثقافته اللاهوتية.
فالقصيدة ليست وصفاً للواقع، بل محاولة لاكتشاف ما وراء الواقع:
<< الأرض هي أنا
هي أنتم
نحن هي >>
هنا تتحول الأرض إلى رمز للوجود الإنساني كله، ويغدو الكون مرآة للذات.
رابعاً: اللغة بوصفها طاقةً للخلق
تعتمد قصائد الأب يوسف سعيد على التراكم الصوري الكثيف. حيث تمتد الجملة الشعرية عبر سلاسل طويلة من الاستعارات والصور المتلاحقة:
<< الأرض تحمل بين أصابعها فرح الدفوف
ونغمات ساحرة من ذبذبات العود >>
<< سماء تحمل أحزان مدينة مكة >> و
وتجعل هذه التقنية اللغة أقرب إلى تيار متدفق من الرؤى، حيث تتوالد الصورة من الصورة دون توقف.
وفي كثير من الأحيان تتحول المفردة إلى نواة أسطورية تفتح آفاقاً تأويلية واسعة، وهو ما يمنح النص ثراءً دلالياً كبيراً.
خامساً: البنية الإنشادية والترتيلية
تقوم القصائد الكبرى على التكرار الإنشادي، ولا سيما تكرار الكلمات المحورية:
الأرض/ السماء/ التراب/ الماء
يتكرر الاسم في بدايات المقاطع كما لو كان ملازمةً لتراتيل دينية، مما يضفي على النص إيقاعاً احتفالياً قريباً من المزامير.
ويتجلى هذا البعد بوضوح في قوله:
<< هلليلويا هلليلويا هلليلويا >>
فالشعر هنا يتحول إلى صلاة كونية تحتفي بالخليقة.
سادساً: بين الحداثة والترنيمة الروحية
من أهم خصائص تجربة الأب يوسف سعيد أنها تجمع بين عالمين متباعدين ظاهرياً:
الحداثة الشعرية القائمة على الرمز والانزياح وكثافة الصورة. 1)
الروح الدينية القائمة على التسبيح والتأمل والاحتفاء بالخليقة. 2)
ولهذا لا تبدو قصائده امتداداً للشعر الديني التقليدي، بل هي محاولة لإنتاج شعر كوني يرى في المادة أثراً للروح، وفي الطبيعة تجلياً للمقدس.
خاتمة
تكشف هذه السمات أن تجربة الأب يوسف سعيد تشكل مشروعاً شعرياً متماسكاً يحتل مكانة خاصة في الحداثة الشعرية العراقية، إذ نجح في المزاوجة بين الحس اللاهوتي والبناء الحداثي للقصيدة، وحوّل العناصر الكونية إلى منظومة رمزية تعبّر عن رؤيته للإنسان والوجود. ومن ثم، فإن إعادة قراءة منجز هذا الشاعر تمثل ضرورة نقدية لإبراز إسهامه في تطور الشعر العراقي الحديث وإعادة وضعه في موقعه الذي يستحقه ضمن تجارب الحداثة العراقية.


المصادر
___________
1) قصائد الأب يوسف سعيد
2) كتاب الروح الحية- جيل الستينات فاضل العزاوي
3) كتاب انفرادات الشعر العراقي عبدالقادر الجنابي
4) كتاب شعراء جماعة كركوك هشام القيسي
5) كتاب مدخل تعريفي إلى جماعة كركوك فاروق مصطفى
6) كتاب جماعة كركوك واوراقهم المبعثرة فاروق مصطفى
7) كتاب جماعة كركوك وجيل الستينيات في الأدب العراقي - باللغة الكردية (قيد الطبع) صلاح حمه أمين

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

3555 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع