
رمزي ميركاني
ياسمين مقبلي: من أزقة مهاباد إلى عناق النجوم.. قصة أول رائدة فضاء كوردية
في السادس والعشرين من أغسطس عام 2023، لم تكن مجرد مركبة فضائية تنطلق من منصة "كينيدي" في فلوريدا، بل كانت لحظة تاريخية تجسد انتصار الإرادة الإنسانية على حدود الجغرافيا والسياسة. في مقدمة تلك الرحلة، وتحديداً في مقعد القيادة لمهمة "سبيس إكس كرو-7" (SpaceX Crew-7)، جلست ياسمين مقبلي، المرأة التي حملت في عروقها دماءً كوردية وفي قلبها أحلاماً لم تعرف المستحيل، لتسجل اسمها كأول رائدة فضاء كوردية في التاريخ تقود رحلة دولية نحو محطة الفضاء الدولية.
الجذور والرحلة من رحم المعاناة
تعود أصول ياسمين مقبلي إلى مدينة مهاباد العريقة في كوردستان الشرقية (إيران). بدأت حكايتها قبل ولادتها، حين اضطر والداها، فريشته وكامي مقبلي، للفرار من وطأة الأحداث المأساوية التي تلت عام 1979، حيث شهدت المناطق الكوردية في مهاباد وسنندج حملات قمع واسعة. وسط هذا الضجيج السياسي والأمني، ولدت ياسمين في مدينة "باد نوهايم" بألمانيا عام 1983، لتنتقل عائلتها لاحقاً إلى الولايات المتحدة وتستقر في نيويورك. هذه الخلفية المليئة بالتحديات لم تكن عائقاً، بل كانت الوقود الذي أشعل في داخلها رغبة عارمة في التميز، لتثبت أن الهوية ليست قيداً بل هي مصدر فخر وانطلاق.
التفوق الأكاديمي والروح العسكرية
منذ نعومة أظفارها، وتحديداً في الصف السادس الابتدائي، كانت ياسمين تجيب بكل ثقة حين تُسأل عن حلمها: "أريد أن أكون رائدة فضاء". سلكت ياسمين طريقاً وعراً وشديد الانضباط لتحقيق هذا الحلم؛ فالتحقت بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، أحد أرقى الصروح العلمية في العالم، وحصلت على البكالوريوس في هندسة الطيران، ثم أردفتها بماجستير في نفس التخصص من كلية الدراسات العليا البحرية.
لم تكتفِ ياسمين بالتفوق العلمي، بل اختارت صقل شخصيتها في صفوف قوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز). هناك، أثبتت كفاءة منقطعة النظير كطيار اختبار لمروحيات "سوبر كوبرا"، وشاركت في أكثر من 150 مهمة قتالية، وسجلت ما يزيد عن 2000 ساعة طيران على متن أكثر من 25 طائرة مختلفة. هذه الخبرة العسكرية الميدانية جعلت منها مرشحة مثالية لوكالة ناسا، التي اختارتها في عام 2017 من بين آلاف المتقدمين لتكون ضمن دفعة رواد الفضاء الجدد.
إنجازات فوق السحاب: مهمة Crew-7 وما بعدها
تعتبر قيادة ياسمين لمهمة "سبيس إكس كرو-7" نقطة تحول في مسيرتها؛ إذ لم تكن مجرد رائدة فضاء عادية، بل كانت "القائدة" لطاقم يضم رواداً من اليابان وروسيا والدنمارك. خلال إقامتها التي استمرت نحو 200 يوم في محطة الفضاء الدولية، أجرت ياسمين تجارب علمية معقدة، وشاركت في عمليات سير في الفضاء (Space Walks)، مما عكس قدرة فائقة على إدارة العمليات التقنية في بيئة منعدمة الجاذبية. ولعل الأهم من الجانب التقني هو ما ترمز إليه ياسمين اليوم؛ فهي اليوم عضو أساسي في فريق "أرتميس" (Artemis)، البرنامج الطموح الذي تهدف ناسا من خلاله لإعادة البشر إلى سطح القمر، وربما تكون ياسمين هي المرأة التي ستضع قدمها على التراب القمري في المستقبل القريب.
رسالة ملهمة للأجيال والأقليات
تتحدث ياسمين الكوردية والفارسية والإنجليزية والألمانية بطلاقة، وهي ترى في تنوعها العرقي والثقافي رسالة قوة. في لقاءاتها الإعلامية، تعبر ياسمين دائماً عن فخرها بجذورها، مؤكدة أن وصولها إلى ناسا هو إثبات للفتيات الصغيرات، ولأبناء الأقليات، بأن الأحلام لا سقف لها. تقول ياسمين إنها شعرت بالخجل والفخر معاً حين أخبرها زملاؤها بأن "الكورد والإيرانيين أيضاً يمكنهم الوصول للفضاء"، مشددة على أن وكالة ناسا أصبحت مكاناً يقدّر الكفاءة فوق أي اعتبار آخر.
إن قصة ياسمين مقبلي هي ملحمة إنسانية تختصر مسافة آلاف الكيلومترات من جبال كوردستان إلى مدارات الأرض. هي قصة الفتاة التي لم تنسَ جذور عائلتها في مهاباد بينما كانت تراقب الأرض من نافذة محطة الفضاء الدولية. لقد أثبتت ياسمين أن "الهوية" ليست مجرد أوراق ثبوتية، بل هي روح تحملها في رحلة البحث عن المجهول، لتصبح بحق فخراً للكورد ونموذجاً ملهماً للبشرية جمعاء في سعيها نحو النجوم.

567 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع