بدري نوئيل يوسف
دعوة كريمة ... ولكن بأي لغة؟
بين الوطن كفكرة رومانسية... والوطن كتجربة يومية
في خطوة وطنية دافئة، دعا عدد من المسؤولين العراقيين أبناء الجاليات في الخارج، وخاصة المسيحيين، إلى العودة إلى أرض الآباء والأجداد. دعوة مليئة بالمشاعر، والحنين، وبعض النيات الطيبة...
كذلك رجال الدين المسيحيين أيدوا فكرة عودة المهاجرين، فهم ينظرون إلى العراق بوصفه أرض الآباء والأجداد، وموطن الكنائس التاريخية والجذور الروحية، ويتمنون الحفاظ على الوجود المسيحي فيه.
أما الجيل الثاني والثالث فينظر إلى الوطن من زاوية مختلفة: المدرسة، الجامعة، اللغة، العمل، النظام الصحي، الأمان، والمستقبل.
ليس لأن أحد الطرفين مخطئ، بل لأن كل طرف يتحدث عن وطن مختلف.
الكبار يتحدثون عن أجراس الكنائس التي تركوها، بينما الأحفاد يسألون: هل توجد مدرسة تدرّس بلغتنا؟
الجد يقول: هنا تعمّدتُ وأنا طفل. والحفيد يسأل: وهل يوجد تطبيق لحجز موعد في المستشفى؟
الوطن الذي يحمله الجيل الأول في ذاكرته، ليس بالضرورة الوطن الذي يحمله الجيل الثالث في حياته اليومية. فالذاكرة تصنع الحنين، أما الحياة اليومية فتصنع قرار البقاء أو العودة.
يحب الجميع كلمة الوطن. فهي تستحضر صور البيت القديم، وشجرة التوت في الحديقة، ورائحة خبز الأم، وأغاني الطفولة، ولهجة الجيران. إنها صورة جميلة، لكنها تعيش في الذاكرة أكثر مما تعيش في الواقع.
هذا هو الوطن كفكرة رومانسية.
المشكلة الصغيرة فقط أن الجيل الثاني والثالث من هؤلاء الأبناء قد لا يفهمون ماذا يعني أرض الآباء أصلًا، لأن آخر علاقة لهم بالعراق كانت صورة على جدار الجدة، أو طبق دولمة في عيد الميلاد.
استيقظ حفيد المهاجر العراقي في مدينة أوروبية او أمريكية على رسالة عاجلة:
الوطن يناديكم... عودوا إلى العراق.
نظر إلى الرسالة، ثم نظر إلى والده وسأله بلغته الأوروبية:
– ماذا يريدون؟
احتار الأب. فهو غادر العراق قبل ثلاثين عامًا، أما ابنه فلا يعرف من العربية سوى ثلاث كلمات:
شلونك؟
يلا.
دولمة.
ابتسم الأب وقال:
– يبدو أنهم يريدونك أن تعود إلى وطنك.
سأل الابن باستغراب:
– أي وطن؟
سؤال بسيط... لكنه أصعب من كل المؤتمرات.
فالجيل الثاني والثالث ولد في أوروبا أو أمريكا. درس في مدارسها، وتعلم بلغاتها، وأصدقاؤه هناك، وجامعته هناك، وطبيبه هناك، ومستقبله هناك. بعضهم لم يرَ العراق إلا في صور الأعراس القديمة التي يحتفظ بها جده، أو في مقاطع فيديو تبدأ بعبارة: هذا كان بيتنا قبل أن نهاجر.
ثم تأتي الدعوة الرسمية بكل ثقة:
عودوا إلى وطنكم.
إنه المدرسة التي يذهب إليها الطفل كل صباح، والطريق الآمن إلى العمل، والمستشفى الذي يثق به المريض، والجامعة التي تبني مستقبله، والقانون الذي يحمي حقوقه، والشارع الذي يسير فيه دون خوف، والخدمات التي يعتمد عليها في تفاصيل حياته. لا شرطي مرور ينظم حركة السيارات، ولا مسلح يهز بمؤخرته حاملا سلاحه يتباهى به، ولا صبيان يقطعون الطريق على فتاة داخل المول، ولا ادوية غير مصدقة دوليا، ولا سكائر تباع على الأرصفة، ولا مستشفيات أهلية تغزو الحكومية وكثير من المفارقات.
الجيل الأول من المهاجرين يحمل العراق في قلبه، لأنه عاش هذه الذكريات بنفسه. أما الجيل الثاني والثالث، فيحمل العراق في ألبوم صور العائلة أكثر مما يحمله في ذاكرته الشخصية. بالنسبة له، الوطن الذي يعرفه هو المكان الذي تعلم فيه أول حرف، وركب فيه أول دراجة، واحتفل فيه بأعياد ميلاده، وتخرج في جامعاته، وبدأ أول وظيفة.
لذلك، عندما يسمع دعوة تقول: عودوا إلى الوطن، فإنه لا يسأل عن الحنين، بل يسأل عن الحياة:
أين سأعمل؟
بأي لغة سيدرس أطفالي؟
كيف ستكون الرعاية الصحية؟
هل سأجد البيئة التي اعتدت عليها؟
هذه ليست أسئلة ضد الوطن، بل هي أسئلة تصنع معنى الوطن.
فالحنين يستطيع أن يدعو الناس إلى الزيارة...
جميل... ولكن لنبدأ من أول سؤال:
في أي مدرسة سيدخل الطفل الذي لا يقرأ العربية؟
ومن سيشرح له معنى الدفتر الخارجي والامتحان الوزاري وراجع الأسبوع القادم؟
وهل سيجد مسارًا للدراجات كما اعتاد في مدينته، أم سيعتبر ركوبه للدراجة حدثًا يستحق نشره على مواقع التواصل الاجتماعي؟
أما والدته، التي اعتادت أن تراجع المستشفى عبر تطبيق في هاتفها، وتحصل على موعد خلال دقائق، فستكتشف أن أول درس في العودة هو تعلم فن الانتظار.
ثم تأتي المفاجأة الكبرى...
يقول المسؤول:
العراق بلدكم.
صحيح... لكنه لم يعد بلد حياة هذا الجيل، بل أصبح بلد ذاكرة آبائهم.
الوطن ليس شهادة ميلاد فقط.
الوطن هو المدرسة الأولى، ولغة اللعب في الطفولة، وأول صديق، وأول وظيفة، والطبيب الذي يعرف ملفك الصحي، والشارع الذي تحفظ أسماءه دون أن تنظر إلى الخريطة.
ليس من السهل أن تطلب من شاب نشأ في ستوكهولم أو تورونتو أو سيدني أن يستبدل كل ذلك بعبارة:
تفضل... الوطن بانتظارك.
العودة ليست رحلة سياحية، ولا صورة تذكارية أمام بيت الجد.
هي قرار يغيّر حياة كاملة.
ولذلك، قبل أن نطالب الناس بالعودة، ربما علينا أن نسأل سؤالًا أكثر واقعية:
هل صنعنا وطنًا يعود إليه الناس...
أم ما زلنا نكتفي بإرسال الدعوات؟
أما العودة الدائمة، فلا يصنعها الحنين وحده، بل تصنعها تجربة يومية تمنح الإنسان الشعور بالأمان، والكرامة، والاستقرار، والمستقبل.
الوطن لا يعيش في الأغاني والخطب فقط، بل يعيش في تفاصيل الحياة التي تجعل الإنسان يقول كل صباح: هنا أستطيع أن أبني مستقبلي.
غادر عشرات الآلاف من العراقيين، وبينهم أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات وكتّاب وفنانون وباحثون، ولم يتوقف عطاؤهم بعد الهجرة، بل إن كثيرين منهم بلغوا ذروة إبداعهم في البلدان التي استقبلتهم، حيث وجدوا الاستقرار، وحرية البحث، والمؤسسات التي تحتضن الموهبة، والبيئة التي تتيح لهم التفرغ للإنتاج.
لذلك، عندما تُوجَّه إليهم دعوة للعودة، يبرز سؤال مشروع:
هل سيستطيع هؤلاء أن يواصلوا المستوى نفسه من الإبداع إذا عادوا؟
هل سيجد الباحث المختبر الذي اعتاد عليه؟ وهل سيجد الكاتب مساحة الحرية التي يحتاجها؟ وهل سيجد الفنان مؤسسات تدعم إنتاجه؟ وهل سيجد الأستاذ الجامعي البيئة الأكاديمية التي تمكنه من مواصلة عطائه؟
إن حب الوطن لا يكفي وحده للإجابة عن هذه الأسئلة. فالإبداع لا يعيش على الحنين فقط، بل يحتاج إلى بيئة تحميه، ومؤسسات تحتضنه، واستقرار يمنحه فرصة النمو.
ولهذا فإن عودة العقول ليست مجرد قرار عاطفي، بل هي نتيجة طبيعية لوجود وطن يوفر الظروف التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يبدع ويستمر في عطائه.
إلى كل مسؤول يدعو المهاجرين إلى العودة...
نحن لا نحتاج إلى من يعلّمنا حب الوطن.
فالوطن يسكن في صلواتنا، وفي لهجتنا التي نحاول ألا ننساها، وفي صور بيوت آبائنا، وفي قصص الأمهات عن الأزقة القديمة، وفي دموع الآباء كلما ذُكر اسم العراق.
لكن اسمحوا لنا أن نسأل سؤالًا بسيطًا:
أين هو الوطن؟
هل الوطن هو المكان الذي وُلد فيه أجدادنا فقط؟
أم هو المكان الذي يجد فيه الإنسان الأمان، والتعليم الجيد، والرعاية الصحية، وفرصة العمل، وسيادة القانون، ومستقبل أطفاله؟
لا تطلبوا منا أن نحب العراق... فنحن نحبه.
بل اسألوا أنفسكم: هل أصبح العراق وطنًا يستطيع أبناؤه أن يعودوا إليه ويبنوا فيه حياتهم؟
الوطن ليس شعارًا يُرفع في خطاب، ولا دعوة تُطلق في مؤتمر.
الوطن هو حياةٌ يومية، يشعر فيها الإنسان بأنه محترم، وآمن، وقادر على أن يحلم ويحقق أحلامه.
حين يصبح العراق كذلك، لن يحتاج أحد إلى دعوة المهاجرين للعودة.
فالأشجار تعود إلى التربة التي تمنحها الحياة، والإنسان يعود إلى الوطن الذي يمنحه المستقبل، لا إلى الوطن الذي يكتفي بمناداته من بعيد.

1110 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع