
ذكرى البياتي
لغة العيون... حين تعجز الكلمات
هناك مشاعر لا تتسع لها الكلمات، وأحاسيس تعجز الحروف عن احتوائها، فتتقدم العيون لتؤدي دورها بوصفها اللغة الأصدق والأعمق. فكم من إحساسٍ بقي حبيس الصدر، حتى أفصحت عنه نظرة واحدة أبلغ من ألف عبارة.
يقولون إن للكلمات سحرًا، لكنهم يغفلون أن للعيون سحرًا آخر، لا يعرف الزيف ولا التصنع. فاللسان قد يجامل، وقد يخفي، وقد يتردد، أما العين فلا تجيد إلا الصدق؛ لأنها مرآة القلب ورسولة الروح.
في نظرة واحدة قد تسكن ألف حكاية، وقد يختبئ عمرٌ كامل من الفرح أو الوجع. هناك عيون تبتسم قبل الشفاه، وعيون تبكي وهي تتظاهر بالقوة، وعيون تنتظر لقاءً طال غيابه، وأخرى تودع أحبةً بصمتٍ يفوق الكلمات بلاغة. وما أعجب القلب؛ إذ يفهم رسالة العين قبل أن يصغي إلى همس الصوت.
يا من اشتقتُ إليه... حفظك الله، وأسعدك بقدر ما هزني الشوق، وبعدد ما حملت عيناي من الحنين إلى عينيك.
كم من محبة وُلدت من نظرة صادقة، وكم من خصام انتهى بدمعة سكنت طرف عين، وكم من اعتذار حملته نظرة خجولة، فعفا القلب قبل أن ينطق اللسان. فالعيون لا تحتاج إلى مترجم؛ لأنها تخاطب الأرواح بلغتها الخاصة، وتصل إلى حيث تعجز الكلمات عن الوصول.
وحين نلتقي بمن نحب، لا نسأل العيون ماذا تقول، لأننا نقرأ فيها الطمأنينة، ونرى في بريقها دفء المودة وصدق المشاعر. وحين يغيب الأحبة، تبقى العيون معلقة بالطرقات، تبحث عن ظلٍّ مرَّ يومًا، أو عن ابتسامة تركت أثرها في الذاكرة، وكأنها تؤمن أن كل لقاء يبدأ بنظرة قبل أن يبدأ بخطوة.
إن أجمل العيون ليست تلك التي أبهرت الناس بجمالها، بل تلك التي أراحت القلوب بصدقها، ومنحت الآخرين شعورًا بالأمان، وخاطبت الأرواح قبل أن تخاطب الأبصار.
ولطالما سمعت، في سنوات مضت، من يتحدث عن لغة العيون، وعن حكايات العاشقين التي لا يفهمها إلا من بلغ ذروة الحب. كنت أظنها مبالغات ينسجها الخيال، ولم أكن أومن بأن نظرة واحدة يمكن أن تحمل كل هذا المعنى.
ثم جئت أنت.
قلت لي يومًا إنك تحبني، وإنك تفهمني حتى عندما أصمت، وإن عينيَّ تقولان ما لا تستطيع الكلمات قوله. ابتسمت ساخرة، وعددت حديثك ضربًا من الخيال، ورفضت أن أصدقك.
لكنك لم تيأس. كنت، كلما التقت عيناك بعيني، تخبرني بما كنت أخفيه في داخلي، وكأنك تقرأ صفحات قلبي دون أن أنطق بحرف. كنت تقول بثقة: "لقد فهمت ما تقولينه من نظرة عينيك." فأبتسم ساخرة، وأمضي في طريقي، وكأن شيئًا لم يكن.
وفي ليلة هادئة، كنت أقف في شرفة منزلي، غريبةً في بلدٍ غريب، أرتشف قهوتي وأحادث صمتي. تسللت إلى ذهني كلماتك، وعادت إليَّ أحاديث أولئك الذين كانوا يؤمنون بأن للعيون لغة لا يفقهها إلا أصحاب القلوب.
تأملت طويلًا... وإذا بشعورٍ غريب يتسلل إلى داخلي، يقنعني، للمرة الأولى، بأنك ربما كنت على حق.
ومع مرور الأيام، اكتشفت أنني بدأت أفهمك دون أن تتكلم، وأقرأ ما في عينيك كما لو أنه كتاب مفتوح. أدركت أن تلك اللغة التي سخرت منها يومًا أصبحت لغتي أيضًا.
نعم... بدأت أفهمك بمجرد أن أنظر إليك.
وحينها فقط، أيقنت أن هناك لغة لا تُدرَّس، ولا تُكتب في القواميس، ولا تُترجم إلى كلمات؛ إنها لغة العيون، اللغة التي لا يتقنها إلا قلبٌ أحب بصدق، وروحٌ عرفت معنى اللقاء قبل الكلام.
حقًا... لعيون العاشقين قاموسها الخاص، الذي لا يقرأه إلا من كتب الحب في قلبه قبل أن يكتبه على الورق.

957 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع