
بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
7 تموز 2026
غزة بعد عشرين عاما ً… حين يصبح السؤال أين الخطأ
١.المقدمة: بعد عشرين عاماً من إدارة حركة حماس لقطاع غزة، وحرب مدمرة خلّفت خسائر بشرية وعمرانية هائلة، برزت ترتيبات جديدة لإدارة القطاع عبر لجنة لتسيير الأعمال. هذا التطور يدفع إلى إعادة تقييم التجربة بعيداً عن الانفعال، والتساؤل ( هل كان الخلل في التنفيذ، أم في الاستراتيجية نفسها ) ..كما إن مراجعة التجارب ليست انتقاصاً من التضحيات، بل محاولة لاستخلاص دروس الماضي والحاضر لصناعة المستقبل
٢. أصل المعضلة : تكشف تجربة غزة أن امتلاك إرادة المقاومة وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية إذا لم يكن منسجماً مع موازين القوى والإمكانات والمتغيرات الإقليمية والدولية. ويرى بعض المحللين أن المشكلة لم تكن تكتيكية فقط، بل امتدت إلى الخيارات الاستراتيجية، عندما لم تستطع الوسائل العسكرية أن تحقق أهدافاً سياسية مستدامة، بينما كانت الكلفة الإنسانية والمادية مرتفعة للغاية.
٣.الحل الجديد : قد يكون التحدي في المرحلة المقبلة هو البحث عن صيغة تجمع بين الحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية وبين إعادة إعمار غزة، وتحسين حياة سكانها، والاستفادة من أي فرص سياسية أو إقليمية يمكن أن تدفع نحو تسوية أكثر استقراراً. ولا يعني ذلك التخلي عن الحقوق، بل اختيار الوسائل التي تحقق أكبر قدر من المكاسب وأقل قدر من الخسائر.
٤.شعارات الأمس… وأسئلة اليوم : منذ عام ١٩٤٨، رُفعت شعارات كثيرة حول القضية الفلسطينية، وكانت تعكس ظروفاً سياسية وعسكرية مختلفة عن واقع اليوم. بعد عقود طويلة من الحروب والتحولات الإقليمية والدولية، يرى كثيرون أن بعض هذه الشعارات لم تعد تنسجم مع موازين القوى والمتغيرات الحالية، وأن تكرارها بصيغتها القديمة لا يغيّر الواقع ولا يقدّم حلولاً عملية.
إن الزمن لا يُبطل عدالة القضايا، لكنه قد يفرض مراجعة الوسائل والخطاب. فالتاريخ يتحرك، والسياسة تتغير، والأمم التي تنجح هي التي تحافظ على ثوابتها، لكنها تطوّر أدواتها بما يتماشى مع متغيرات الزمان.السؤال ( هل المطلوب إعادة نفس شعارات الماضي، أم بناء رؤية جديدة تستفيد من الدروس الماضية، وتضع مصلحة الإنسان وحماية الأرض ومستقبل الأجيال في مقدمة الأولويات ).. وهل أصبح السلام، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، أكثر قدرة على تحقيق ما عجزت عنه المقاومة المسلحة..أم أن المطلوب هو الجمع بين التمسك بالحقوق والبحث عن حلول سياسية واقعية تحفظ الكرامة وتجنب الشعوب المزيد من المآسي.
٥. عندما ترتبط قضية وطنية بأجندات وأهداف إقليمية متعددة، فإنها قد تفقد استقلالية قرارها، وتصبح أكثر عرضة للانتكاسات كلما تغيرت مصالح تلك الأطراف أو توازنات المنطقة. ولذلك كان الواقع يقول كلما تداخلت القضية الفلسطينية مع صراعات وأهداف قوى إقليمية، ازدادت احتمالات أن تدفع ثمن تلك الصراعات، بدلاً من أن تبقى بوصلتها موجهة نحو تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني.لان القضية العادلة تضعف عندما تتحول من هدفٍ بحد ذاته إلى ورقةٍ في صراع الآخرين فحين تتغير مصالح اللاعبين، تكون القضية أول من يدفع الثمن.
٦.الاستنتاج : التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تُقاس فقط بشجاعة القتال، بل أيضاً بحكمة اتخاذ القرار. فالقائد الناجح هو من يوازن بين الثبات على المبادئ والقدرة على التكيف مع المتغيرات، بحيث يحافظ على الإنسان والأرض والمستقبل معاً.
٧. الخلاصة : إن الكفاح من أجل الحرية والحقوق قيمة راسخة في وجدان الشعوب، وتضحيات الفلسطينيين ستبقى جزءاً من تاريخهم الوطني. لكن التجارب تثبت أيضاً أن الحكمة تقتضي مراجعة الوسائل كلما تغيرت الظروف. فسلامٌ عادل يحفظ الحقوق ويصون الكرامة، إذا كان قابلاً للتحقق، قد يكون أقل كلفة من حربٍ تمتد سنوات وتترك وراءها وطناً مدمراً وأجيالاً تبحث عن بداية جديدة. إن الشجاعة ليست في خوض المعارك فقط، بل في اختيار المسلك الذي يحقق المصلحة بأقل قدر من التضحيات.
إن أي كفاح يفقد بوصلته الاستراتيجية ويتحول إلى صراع يستنزف الإنسان والعمران، من دون تحقيق مكاسب سياسية أو وطنية ملموسة، قد ينتهي إلى خدمة أهداف العدو . التضحية تعتبر انجاز عندما تقود إلى حماية الوطن وبناء مستقبله، لا عندما تتركه ركاماً وأجيالاً تبحث عن الحياة بين الأنقاض. إن الحكمة تقتضي أن تكون الوسائل منسجمة مع الغايات، وأن يُقدَّم بقاء الشعب وإعمار الوطن على أي خيار يفضي إلى دمارٍ لا يغيّر موازين الصراع.

3450 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع