لا تصالح مع الفاسدين .. ولا عفو خاص ولا ايقاف تنفيذ!

د. أكرم عبدالرزاق المشهداني
مستشار قانوني وامني

لا تصالح مع الفاسدين.. ولا عفو خاص ولا ايقاف تنفيذ!

التصالح الجزائي اجراء تلجأ له السلطات القضائية في القضايا المالية، وهو إجراء قانوني يسمح بانقضاء الدعوى الجنائية أو وقف تنفيذ العقوبة، وذلك بموجب تسوية ودية بين الدولة (أو جهات الاختصاص) والمتهم، مقابل رد او استرداد الأموال المنهوبة التي هربت لخارج البلاد، أو دفع غرامات مالية محددة، أو تقديم تعويضات تضمن جبر الضرر العام. وهدف هذا الإجراء إلى تحقيق أبعاد استراتيجية واجتماعية واقتصادية محددة، ويشمل آليات وإشكاليات يتم تطبيقها وفقاً للأطر والاهداف التالية:
* استرداد الأموال: تسريع وتأمين إرجاع الأموال العامة المنهوبة أو المهربة خارج البلاد إلى خزينة الدولة.
* النجاعة الاقتصادية: توفير تكاليف التقاضي الطويلة وتحويل الأصول المستردة لدعم الاقتصاد بدلاً من الاكتفاء بالحبس.
* تخفيف العبء: اختصار الوقت والجهد وتخفيف الضغط عن كاهل الأجهزة القضائية.
شروط وضوابط الصلح
* الاعتراف والإرادة: تقديم المتهم لطلب صلح طوعي واعترافه الصريح بالجرائم المنسوبة إليه.
* رد الحقوق: الالتزام التام بإرجاع كافة الأموال أو الممتلكات محل الجريمة.
* التعويض: دفع مبالغ إضافية أو غرامات تصالحية تحددها الجهات الرقابية أو القضائية المختصة.
الجدل والإشكاليات القانونية
* غياب الردع العام وتشجيع الافلات من العقاب: يرى المعارضون أن الصلح يقلل من قيمة الردع الذي تحققه العقوبة الجنائية ويخلق شعوراً بالإفلات من العقاب.
* نطاق التطبيق: تستثني بعض التشريعات أنواعاً معينة من جرائم الفساد الجسيمة من نطاق التصالح، وتفرّق بين الموظف العام وغيره.
لا .. للتصالح مع الفاسدين في استرداد أصول الفساد
يُشكل الفساد احد أخطر التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات، ليس فقط لأنه ينهش مواردها الاقتصادية، بل لأنه يضرب في عمق منظومتها الأخلاقية والقانونية، ويُقوّض ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. وفي ظل هذا الواقع، فقد استغربت أن يدور كلام في أعقاب "صولة الفجر" ودعوات للتصالح مع الفاسدين أو منحهم عفوًا مقابل إعادة جزء من الأموال أو الأصول التي استولوا عليها. غير أن هذه الدعوات، مهما بدت براغماتية أو واقعية، تحمل في جوهرها تهديدًا مباشرًا لسيادة القانون، ولمنظومة العدالة، ولحق المجتمع في استرداد أمواله كاملة غير منقوصة. ومن هنا تأتي ضرورة رفع الصوت عاليًا: لا للتصالح مع الفاسدين في استرداد أصول الفساد… ولا عفو عنهم.
الفساد ليس مجرد خطأً إداري.. بل جريمة بحق المجتمع
الفساد ليس مجرد تجاوز أو مخالفة إدارية يمكن إصلاحها بتسوية مالية أو اعتذار رسمي. إنه جريمة مكتملة الأركان، تتضمن سوء استغلال السلطة، والاستيلاء على المال العام، والإضرار بمصالح الدولة، وحرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية في التنمية والخدمات. وعندما يسرق الفاسد مالًا عامًا، فهو لا يسرق خزينة الدولة فحسب، بل يسرق مستقبلًا، وفرصًا تعليمية، ومشاريع صحية، وبنى تحتية، وفرص عمل، وكرامة إنسانية. لذلك، فإن التعامل مع الفساد بمنطق “التصالح” أو “العفو” يختزل الجريمة في بعدها المالي فقط، ويتجاهل آثارها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى استرداد الأموال، بل يحتاج إلى استرداد ثقته في العدالة، وإعادة بناء منظومة قيم تحميه من تكرار الجريمة.
التصالح مع الفاسدين يفتح بابًا واسعًا للفساد المؤسسي:
تجارب الدول التي اعتمدت التصالح المالي (مثل مصر والسعودية وتونس وغيرها) أو السداد العيني في جرائم الفساد أثبتت أن هذا النهج، رغم أنه قد يبدو مفيدًا على المدى القصير، وتقليص الاجراءات، لكنه يؤدي إلى نتائج كارثية على المدى الطويل. فالتصالح يرسل رسالة خطيرة مفادها أن الفساد يمكن أن يكون “استثمارًا آمنًا” اي ان الفاسد يسرق ما يشاء، ثم يعيد جزءًا منه إذا انكشف أمره، ويخرج بلا عقوبة، وربما يعود إلى منصبه أو يمارس نشاطه الاقتصادي دون قيود.
هذا النوع من الرسائل يخلق بيئة خصبة للفساد المؤسسي، حيث يتآكل الردع، وتضعف الرقابة، ويصبح القانون مجرد خيار يمكن التفاوض عليه. والأسوأ أن التصالح قد يتحول إلى باب خلفي لتبييض الأموال، أو لتسوية ملفات سياسية، أو لتمرير صفقات مشبوهة تحت غطاء “استرداد الأصول”.
استرداد أصول الفساد لا يتحقق إلا بالمساءلة الصارمة
المال العام ليس ملكًا للدولة وحدها، بل هو ملك عام للشعب او للمجتمع، واسترداده لا يكون عبر صفقات أو تسويات، بل عبر إجراءات قانونية صارمة تضمن:
- محاسبة الفاسدين جنائيًا على الجريمة الأصلية وما ترتب عليها من آثار.
- استرداد الأموال كاملة، نقدًا أو عينًا، مع الفوائد والغرامات والتعويضات.
- منع الفاسدين من العودة إلى المناصب العامة أو ممارسة الأنشطة التي قد تتيح لهم تكرار الجريمة.
- تجفيف منابع الفساد عبر إصلاحات مؤسسية وتشريعية تضمن الشفافية والرقابة.
إن استرداد الأصول ليس عملية مالية فقط، بل هي عملية عدالة شاملة، لا تكتمل إلا بمحاسبة الجناة، وكشف شبكات الفساد، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
العفو عن الفاسدين ينسف مبدأ المساواة أمام القانون
القانون لا يميز بين المواطنين، ولا يضع فئة فوق المساءلة. فإذا مُنح الفاسد عفوًا، بينما يُحاسب المواطن العادي على مخالفات بسيطة، فإن ذلك يخلق شعورًا بالظلم، ويقوّض شرعية الدولة، ويشجع على التمرد على القانون. فالعفو في جرائم الفساد ليس رحمة، بل ظلم مضاعف:
- ظلم للمجتمع الذي حُرم من موارده.
- ظلم للموظفين الشرفاء الذين التزموا بالقانون.
- ظلم للضحايا الذين دفعوا ثمن الفساد من حياتهم اليومية.
إن العفو في جرائم الفساد يضرب مبدأ العدالة في الصميم، ويحوّل القانون إلى أداة انتقائية، ويجعل الفساد خيارًا قابلًا للتفاوض بدل أن يكون جريمة تستوجب العقاب.
مكافحة الفساد ليست معركة قانونية فقط… بل معركة قيم
الفساد يزدهر في بيئة تتراجع فيها القيم، وتضعف فيها الرقابة، ويُستباح فيها المال العام. لذلك، فإن رفض التصالح مع الفاسدين هو موقف أخلاقي قبل أن يكون موقفًا قانونيًا. إنه إعلان بأن المجتمع يرفض أن تُباع حقوقه في صفقات، ويرفض أن تتحول العدالة إلى ورقة مساومة، ويرفض أن يُكافأ من سرق أمواله بالعفو أو التسوية.
إن بناء ثقافة “لا للتصالح مع الفاسدين” يعزز قيم النزاهة، ويشجع على الإبلاغ عن الفساد، ويمنح الموظفين الشرفاء حماية معنوية وقانونية، ويعيد الاعتبار لفكرة أن المال العام مقدّس، وأن الاعتداء عليه جريمة لا تسقط بالتقادم ولا تُسوّى بالمفاوضات.
التجارب الدولية تؤكد أن التشدد هو الطريق الصحيح
دول عديدة نجحت في مكافحة الفساد عبر نهج صارم يقوم على:
- عدم التساهل مع أي جريمة تتعلق بالمال العام.
- محاكمات علنية تكشف شبكات الفساد وتعيد الثقة للمجتمع.
- استرداد كامل للأصول داخل البلاد وخارجها عبر التعاون الدولي.
- منع التصالح أو العفو في الجرائم التي تمس المال العام أو الأمن الاقتصادي.
هذه التجارب أثبتت أن التشدد لا يعيق التنمية، بل يحميها، وأن العدالة ليست عائقًا أمام الاستثمار، بل ضمانة له، وأن الدول التي تحارب الفساد بصرامة هي الأكثر قدرة على جذب المستثمرين وبناء اقتصاد قوي ومستدام.
إن الفساد جريمة لا يمكن التساهل معها، ولا يمكن التعامل معها بمنطق الصفقات أو التسويات. فالمجتمع الذي يقبل التصالح مع الفاسدين يتخلى عن حقه في العدالة، ويمنح الجناة فرصة جديدة للعبث بمستقبله. أما المجتمع الذي يرفع شعار لا للتصالح مع الفاسدين… ولا عفو عنهم فهو مجتمع يدافع عن كرامته، وعن موارده، وعن قيمه، وعن مستقبل أبنائه. إن العدالة ليست خيارًا، بل ضرورة. واسترداد أصول الفساد ليس عملية مالية، بل عملية استعادة لهيبة الدولة وحقوق المجتمع. لذلك، يبقى الموقف الواضح والحاسم هو الطريق الصحيح : لا تصالح… لا عفو… ولا تساهل مع من اعتدى على المال العام ونهب اموال الشعب.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

819 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع