فارس الجواري
جغرافيا الجو التي غيّرها الصراع بين واشنطن وطهران
في الحروب الحديثة غالباً ما تسرق التحركات العسكرية والتقلبات السياسية الأضواء متجاهلةً أثراً أعمق يمتد بصمت في سمائنا يعمل على التغيير والتحول في الجغرافيا الجوية , فبعد مرور الاسابيع الثلاث الاولى على اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران تجاوزت الأزمة حدود الأمن الإقليمي لتهدد عصب الاقتصاد العالمي عبر نظام الملاحة الدولية من خلال المجال الجوي الحيوي الذي كان ولايزال الجسر الأسرع بين آسيا وأوروبا هذا الجسر الذي استُبدل فجأة بمتاهة من المجالات المغلقة والممرات المقيدة امام العديد من شركات الطيران التي وجدت نفسها أمام تحدي في إعادة هندسة خرائطها الجوية.
ان سماوات الكرة الارضية مقسّمة إلى ما يعرف بـ مناطق معلومات الطيران (FIRs)وهي تلك الفراغات الجوية التي تديرها سلطات الطيران المدني في الدول لتوجيه الطائرات وتأمين سلامة الملاحة من خلال مسارات غير مرئية تعبرها آلاف الرحلات يومياً دون أن يشعر بها المسافر ولكن ماحصل خلال هذا الايام وتحديدا في اقليم الشرق الأوسط والخليج العربي نتيجة حرب امريكا وايران هو تقسيم مجالات المنطقة تلك إلى ثلاث فئات تشغيلية , الاولى هي المجالات الجوية المغلقة بالكامل لخروجها من شبكة الطيران المدني بسبب المخاطر العسكرية المباشرة وتشمل إيران والعراق وسوريا وسماء الاراضي المحتلة في فلسطين هذا الاغلاق الذي أدى إلى تعطيل ما يُعرف في صناعة الطيران بـ الممر الأوسط الذي يعتبر من أحد أهم واقصر المسارات الجوية بين آسيا وأوروبا , اما الفئة التشغيلية الثانية فيطلق عليها المجالات الجوية المفتوحة جزئياً وهي اجواء الدول التي لم تغلق رسمياً لكنها تعمل ضمن بيئة تشغيلية حساسة تسمح بعبور الطائرات فوقها عبر ممرات محددة وتحت تقييم مخاطر مستمر وهي الأردن والكويت والبحرين وقطر والامارات العربية المتحدة حيث يعتمد القرار فيها على تقييمات السلامة الخاصة التي تقررها لجنة ادارة الازمات وتقييم المخاطر فيها وهي غالباً ما تختار الالتفاف لتقليل المخاطر التأمينية والتشغيلية , أما الفئة الثالثة والاخيرة فيطلق عليها المجالات الجوية المفتوحة ولكن تعمل تحت ضغط غير مسبوق نتيجة كثافة الحركة الجوية فيها وهي دول مثل تركيا والسعودية (ضمن مسارات محددة) ومصر وسلطنة عمان حيث تشهد حركة أعلى من المعدلات الطبيعية مما خلقت بيئة طيران غير مستقرة بسبب زيادة اوقات الرحلات الذي يؤدي الى ارتفاع استهلاك الوقود مما سيؤثر بشكل مباشر على ارتفاع تكاليف التشغيل العالمية والتي انعكست بشكل تدريجي على أسعار التذاكر وسلاسل الإمداد العالمية بمعنى آخر ان هذه الحرب لم تؤثر فقط على الدول المتحاربة بل على حركة التجارة والسفر بين القارات.
ما اردت ان اشير اليه في مقالتي غياب دور الطيران المدني العراقي الذي بعتبر تاريخياً أحد أهم الممرات الجوية بين الشرق والغرب واليوم هو خارج الخدمة في مفارقة جعلتني اوجه تسألات لمسؤولي هذا القطاع إذا كانت بعض الدول قد نجحت في تشغيل ممرات جوية آمنة جزئياً رغم ظروف الحرب فلماذا لا يتم اعتماد نموذج مشابه عندنا في العراق خصوصاً اذا علمنا أن خلية الأزمة العراقية تضم أطرافاً دولية وإقليمية قادرة نظرياً على التنسيق لإنشاء ممرات عبور متفق عليها كما حدث سابقاً خلال حرب الـ12 يوماً بين نفس الدولتين عندما فُتحت أجواء مطار البصرة جزئياً لضمان استمرار الحركة الجوية , أن إعادة فتح جزئية ومدروسة قد لا تمثل قراراً سيادياً فحسب بل خطوة اقتصادية واستراتيجية تعيد للعراق موقعه الطبيعي على خريطة الطيران العالمي.
حسب التجارب التاريخية أن المسارات الجوية عندما تتغير لفترة طويلة قد تتحول إلى واقع دائم لشركات الطيران كونها تبني شبكاتها على الاستقرار وإذا اعتادت على طرق بديلة لفترة طويلة فقد لا تعود سريعاً إلى المسارات القديمة حتى بعد انتهاء الأزمات مما قد يجعل أخسارة المجال الجوي دائمية وليست مؤقتة بل قد تتحول إلى خسارة استراتيجية طويلة المدى , ويبقى السؤال الأهم...الى متى ستبقى الأجواء العراقية خارج شبكة العبور الدولية ؟ وهل سنشهد في القريب العاجل مبادرة تعيد فتح ممرات آمنة كي يعاد للعراق دوره الطبيعي كجسر جوي بين الشرق والغرب ؟ نطرح السؤال وننتظر لعل هناك من سامع او مجيب .
فارس الجواري ..... شوال \ اذار 2026

1012 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع