
بقلم مؤيد قاسم نادر
من ذاكرة الحصار على العراق: الشاعر قيس لفتة مراد باع قلمه ليشتري به حذاءً
سيبقى الحصار الجائر الذي فُرض على العراق بين الأعوام 1990–2003 أكبرَ عملية استخدام للتجويع لإبادة وقهر الشعوب في التاريخ الحديث، وأكثرها خِسّةً. وقد وثقت منظمة اليونيسف، جريمة الإبادة هذه بقولها:"تسبّب الحصار بوفاة أكثر من نصف مليون طفل عراقي". ولا تزال ذاكرة العراقيين تحتفظ بذكريات مؤلمة كثيرة عن أيام الحصار، ولعل من بين أكثرها رمزية اضطرار الشاعر المبدع، المرحوم قيس لفتة مراد، بيع قلمه لشراء حذاء، وتوثيق ذلك في قصيدة جميلة عنوانها "في وداع قلم".
وقبل أن أتحدث عن القصيدة، أبدأ ببعض السطور عن أبي طيف، المرحوم قيس لفتة مراد، الذي جمعتني به صداقة حميمة في الناصرية ثم في بغداد، حتى وافاه الأجل عام 1995.
وُلد قيس لفتة مراد في سوق الشيوخ عام 1929، وعاش طفولته وصباه في الناصرية، ثم انتقل إلى بغداد حيث توفاه الله. وكان منذ طفولته منحازاً للفقراء حالماً بعالم لا فقر فيه، وكان متمرداً على الأطر الاجتماعية، ودائمَ طرح الأسئلة عن رسالة الإنسان. كان يبحث عن "عشبة الخلود"، لا لتدفع الموت عن الإنسان كما كان يحلم جلجامش، بل لتدفع الفناء عن الإنسانية. ولا غرو، فهو ابن الناصرية التي لا تبعد كثيراً عن الوركاء التي عاش فيها جلجامش.
وجد قيس لفتة مراد ضالته في الشعر ؛ كان خياله خصباً وصوره الشعرية فريدة، رغم بعض الهنّات في شعره بسبب عدم إكماله دراسته الأكاديمية، إذ ترك المدرسة وهو في الصف الخامس الابتدائي، لأنه رأى أن المدرسة، بعد مرحلة تعلم القراءة والكتابة، لا تضيف له الكثير وأن فيها ضياعاً للوقت، ففضّل عليها أن يقضي نهاره في المكتبة. وقد حاول والدي، مدير المدرسة المرحوم قاسم نادر، ثنيه عن قراره ولم يفلح. وكان قيس دائم الذكر لفضل والدي عليه، وقد أثنى عليه في إحدى قصائده بقوله:
يدٌ تمنيتُ يوماً لو أقبّلها
برغم كرهي أن تدنو يدٌ لفمي
يدٌ لأول أستاذ عرفتُ على يديه
أولَ حرفٍ خطّه قلمي
أعود إلى قصة حذاء قيس؛ فقد اضطرته ظروف الحصار الجائر أن يبيع قلمه الثمين، بعد رفقة عمر دوّن فيها هذا القلم أشعاره وخواطره، ليشتري بثمنه حذاءً يحمي به قدميه من أمطار ووحول الشتاء، بعد أن تهرأ حذاؤه القديم، فذهب إلى محل قريب من سكنه وباع القلم، ثم أسرع إلى محل الأحذية واشترى حذاءً جديداً، وعاد إلى صومعته وكتب قصيدة "في وداع قلم"، وهي من عيون شعره وأكثرها رمزية.
بدأ قصيدته بالاعتذار لقلمه قائلاً:
أبيعكَ مرغماً ولأنت أدرى
فمثلك لا يُباع ولا يُشرى
صحبتكَ في دروب الشعر عمراً
وعشتُ قصائدي شطراً فشطرا
أبيعك مرغماً وأحسّ أني
بحقك حين بعتك شلتُ وزرا
فقد قدم الشتاء وليس عندي
سوى خفّ قديم قد تهرّا
فمعذرةً إذا فرّطتُ يوماً
وبعتك حينما عانيتُ عسرا
ثم يأخذنا في رحلة عن وسائل التدوين عبر العصور، من الكتابة المسمارية إلى قلمه الثمين، فيقول:
من الأيدي التي امتدت قديماً
لتكتبَ فوق لوح الطين سطرا
إلى كل الأيادي حيث خطّت
روائع فكرها نظماً ونثرا
وسائل الكتابة من مئات العصور
ترادفت عصراً فعصرا
إلى أن جئتَ أنت وكنت أحلى
يراعٍ يمتطي كفاً وصدرا
ثم يصف سيرة حياته المضنية واعتزازه بشعره، إذ يقول:
عصارة نصف قرن من حياتي
وكان عصيرها صعباً ومُرّا
وقلتُ: غداً ستقرأني الليالي
وتصدر حكمها خيراً وشرّا
وليس يهمها إن عشتُ يوماً
غنياً مترفاً أو عشتُ فقرا
أنا ابن رهافتي، قد صنعتُ حرفي
قلائد أفرغت حسناً وسحرا
كأن رؤى صبايا الجن ألقت
على شذراتها ألقاً وعطرا
ثم ينهي القصيدة بشموخ عراقي يتحدى الظروف، إذ يقول:
ولو لم ألقَ قرطاساً لحرفي
حفرتُ بأظافري في الصخر حفرا
ولم أطلب به نسباً ومالاً
ولم أطلب به جاهاً وذكرا
ولم أمدح به ملكاً، وكم من
مليكٍ تافهٍ أعلوه شعرا
لم يطل فراق الشاعر قيس لفتة مراد لقلمه؛ فبعد وداعه بعدة أيام، كان يمر بالسوق، فناداه صاحب المحل الذي اشترى قلمه، وقال له: لقد حكيتُ قصة قلمك لوالدي، فأصرّ عليّ أن أعيد قلمك إليك هديةً منه. فأخذه منه شاكراً.
لقد قال بدر شاكر السياب في "أنشودة المطر":وكلّ عامٍ حين يعشب الثرى نجوع...
ما مرّ عامٌ والعراق ليس فيه جوع". وقد يسأل سائل: كيف يجتمع الجوع والحضارة في العراق؟ ونقول: هذه هي عبقرية أبناء العراق؛ إنهم يصنعون من الألم أملاً، ويبنون من الجوع طريقاً جديدة لأبنائهم وللإنسانية.
رحم الله أبا طيف قيس لفتة مراد؛ كان صورة صادقة عن العراقي الذي يصنع من المعاناة إبداعاً وأملاً.
بغداد – في 21 آذار 2026

1227 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع