التدوين التاريخي ذاكرة الامم واداة فهم الماضي وبناء المستقبل

الاستاذ الدكتور
نزار الربيعي

التدوين التاريخي ذاكرة الامم واداة فهم الماضي وبناء المستقبل

يُعد التدوين التاريخي من المعارف الإنسانية الهادفة والذي من خلاله يتعرف الشعوب والمجتمعات على ماضيها وتاريخ البشرية عموماً.
التدوين التاريخي تعريفاً هو عملية كتابة الأحداث والوقائع التي مرت أو تمر بها الأمم والمجتمعات، ومعرفة أسباب حدوثها واستخلاص النتائج والحِكم منها، ويسمى ذلك بـ (التأريخ)، كما يطلق على المدون والباحث والكاتب في التاريخ صفة (المؤرخ)
ورغم ما يثار من تساؤلات فيما إذا كان التاريخ علمٌ أم فنٌ أدبي، إلا أن المنطق القائم عليه يشير إلى أنه أقرب إلى العلم، فرغم أن لا قوانين ثابتة له، إلا أنه يخضع للنقد والبحث والتمحيص، كما أنه يستند إلى أدلة ووثائق وسجلات مادية.
وباختصار يهتم علم التاريخ بتدوين وتفسير الأحداث والظواهر التاريخية البشرية بهدف فهم الماضي؛ لإفادة الحاضر، والتخطيط للمستقبل. ويرتبط بعلمي الآثار والتوثيق بشكل خاص، كونهما توفران للمؤرخين الأدلة والوثائق اللازمة لتدعيم آرائهم ونظرياتهم ورؤاهم في الظواهر والوقائع التاريخية. إضافة إلى ارتباطاتها وتكاملها مع العلوم والمعارف الإنسانية الأخرى كالفلسفة والسياسة وعلم الاجتماع…الخ.
أما التوثيق التاريخي فهو عملية تسجيل وحفظ وتنسيق وتبويب البيانات والوثائق والصكوك وسجلات الأرشيف الرسمية من خلال وسائط متعددة كالأوراق والمطبوعات والمرئيات وغيرها. وتمثل بنك معلومات أو أرشيف تاريخي أو ذاكرة محفوظة للأمم.
وقد ظهرت فكرة التدوين والتوثيق التاريخي منذ القدم، حين رسم الأجداد القدامى للبشر الحاليين – خاصة في منطقة ما بين النهرين وشمال مصر – أشكالاً ورموزاً في الكهوف التي يعيشون فيها وكذلك الكتابة على الصخور وأوراق البردي بغية تسجيل الوقائع العظمى في زمانهم ونقلها إلى الأجيال اللاحقة لهم. ومن ثم تطورت أعمال التدوين والتوثيق التاريخي فيما بعد، وظهرت في القرون الأولى بعد الميلاد كتب تاريخية وان كانت على شكل تسجيل وقائع وأحداث، وعرف من المؤرخين الأوائل اليوناني هيرودوت.
وقد أحدث “ابن خلدون” تطوراً إيجابياً في علم التاريخ، فأرجعه إلى سياقه الاجتماعي وظهر مع أفكاره مصطلح “فلسفة التاريخ”. يخلص ابن خلدون إلى (أنَّ التاريخ أصيلٌ في الحكمة وعريقٌ، ولما كانتْ الحكمة أسمى مراتب المعرفة، وبالتالي فإن فهم التاريخ ضرورةً حضاريَّةً لفهم الإنسان من خلال تاريخه، فما الحكمة سوى المرتبة العليا في مجال المعرفة، والمعرفة الحقة هي معرفة الإنسان بذاته).
إن للتدوين والتوثيق التاريخي أهمية كبرى لدى الأمم والشعوب، والأمة التي لا تهتم بذلك تتعرض في مسار تاريخها للتشويه والتهميش وفقدان الذاكرة، وتصبح لقمة سهلة لقوى الاحتلال والاستعمار، ولخطر الإبادة العرقية والثقافية. فالسكان الأصليين الذين أبيدوا في قارة أمريكا أطلق عليهم من قبل الغزاة والمنتصرين عليهم اسم (الهنود الحمر) ولم يتمكن من بقي على قيد الحياة من هؤلاء من تصويب التشويه الحاصل بحقهم لافتقارهم إلى إرث مادي مكتوب. وبسبب ذلك أيضاً يتعرض بعض شعوب الشرق الأوسط للتهميش والتشويه الهوياتي، كما هو حال الكرد، فحاولت الشعوب المجاورة لهم تنسيب أصولهم لهم في مسعى لإذابة الكرد في بوتقة تلك الشعوب. كما عمل الغرب الرأسمالي باسم (الاستشراقية) على إرسال بعثات تبشيرية تمكنت من تفتيت الشعوب المسيحية في المنطقة، وأرسلت بعثاتها للكشف عن المواقع التاريخية والأثرية، ليتعرض المنطقة إلى نهب وسرقة وتشويه تاريخي متعمد من الغرب الرأسمالي حيث جرى نقل عشرات الآلاف من القطع الأثرية والتاريخية إلى متاحفها وربما إلى أماكن سرية، لتتمكن من التلاعب بالوقائع والسجلات القديمة وإطلاق نظريات تاريخية مزعومة ومنها الأصول الهندو- أوروبية لبعض الأقوام العريقة في منطقة ما بين النهرين (ميزوبوتامي).
و كذلك انشغل العرب بالتاريخ، واحتلت السير والتراجم مكانا مرموقا في تاريخ العرب، فأوجدت رجالا مؤرخين، جمعوا الأخبار من جدران المعابد، أو قبور المصريين القدماء، أو أوراق البردي والواح سومر وبابل المسمارية، فتماست الديانات، وتلاقحت الحضارات، وظهرت حكمة الإنسان في تاريخه؛ فكانت بداية التاريخ وأحد مصادره. وما بين تباين الروايات وتناقض الرؤى والتفسيرات، يبحر مؤرخ التاريخ في تحرير الحدث حاملا روايته على جناحي الشك واليقين، متأملا في سياقات كثيرة لحدث واحد؛ متعارضة أحيانا.. وأخرى متباينة؛ فتشكل مصدر إلهامه. وهو ما أكده ابن خلدون في مقدمته قائلا: (التاريخ فن من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشّد إليه الركائب والرحال، في باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق.
وبناء على ما سبق ذكره باختصار؛ إنما يؤكد لنا أن التاريخ لم يكن في يوم من الأيام مقتصرا على تدوين الأحداث فقط، وإنما استند في منهجه وتحريه على العقل، والتجربة الإنسانية، وربط الفرد بمجتمعه وواقعه، فوضع بذلك أسس النقد التاريخي وفلسفته، وكان الأساس لظهور ما يعرف بالتاريخ الكمي في الدراسات الحديثة، فيا ترى ما التاريخ الكمي؟ وما اتجاهاته المنهجية؟ وما دور المؤرخ الكمي في فرص تطبيق هذا المنهج في الدراسات الحديثة؟
التاريخ الكمي في اصطلاحه ومعناه؛ هو نهج إحصائي في البحث التاريخي الحديث يعمّد في استخدام الأدوات الكمية والإحصائية والكمبيوتر وسائط حقيقية وعملية بناء الجداول واحتساب الأرقام، وهو فرع مميز ذكي لدراسة التاريخ ضمن تطور العلوم الاجتماعية، وكانت بداية ظهوره كمنهج متميز يعود إلى السّتينات الميلادية للمساعدة في كتابة التاريخ الحديث.
ونجد أن المدارس الحديثة في العالم تعوّل على هذا المنهج الفريد، فكانت له ثلاثة اتجاهات منهجية رسمت معالمه العلمية والتاريخية وهي كالتالي: الموضوعات والحقول، الثورة المعرفية، ثورة المعلومات
من خلال الحاسوب. أما فيما يتعلق بموضوعاته فقد تناول الدراسة في التواريخ الاقتصادية والديمغرافية وتواريخ المدن الصناعية، والطبقة العاملة، وأيضا التاريخ الزراعي والبلديات وتواريخ ثقافة الشعوب.
وكانت ثورته المعرفية هي الحركة التي طالبت بصعوده كعلم اجتماعي، للبحث في حقائق الماضي بما يتفق مع النظريات الاجتماعية والأساليب العلمية لدراسة السلوك البشري من خلال قواعد البيانات الرقمية وربط ذلك بنظرية الاقتصاد القاسي، وفي عقدي الستينات والسبعينات من القرن العشرين، أدى ظهور الكمبيوتر
الرقمي إلى تنفيذ العمليات الحسابية المعقدة التي تنطوي على العديد من المتغيرات، وبدأت أعداد متزايدة من الباحثين في الحصول على دورات خاصة لإدخال بيانات المعلومات وتحليلها.
فما كان يدون على الأضابير الورقية فيما مضى، انتقل اليوم إلى قواعد بيانات محوسبة وهنا تأتي مهمة مؤرخ التاريخ الكمي في فرصة تطبيق منهجه معتمدا على قواعد البيانات، فكلما توغل في أزمنة قديمة تحددت كمية المعلومات وخصوصا الرقمية، واستطاع توظيفها في الاقتصاد والتاريخ السياسي وعلم الاجتماع وهكذا الأمر دواليك، فالمؤرخ السياسي لا بد أن يتعرض للسير الجماعية باستخدام التاريخ الكمي لاستنباط معلومات موحدة بشأن مجموعات كبيرة من القرارات والأحكام والتشريعات للاستدلال على أنماط التفكير والسلوك، وإن التأمل في التحقيب التاريخي هو الطريق الحقيقي الذي يمنح العالم جملة من التوقعات والاحتمالات والرؤية البعيدة التي تقود للحقيقية. واعتمد التاريخ الكمي على أسلوب علمي يجمع بين رؤى التطور الثقافي للوحدات الاجتماعية وتحديد مبادى هذا التطوير وسير المجتمعات التاريخية وهو ما يعرف بـ(الكلايدينا ميكس)
ولا بد أن يحرص المؤرخون العرب على التوغل طويلا لمعرفة أسرار الركائز الأولى للعالم المعاصر والكشف عن أسس النظريات المعاصرة للتاريخ الحديث وأصولها الأولى في حضارتنا؛ فنحن في حاجة ماسة إلى تحديث آليات عمل الثقافة العربية التاريخية على أسس جديدة ومستحدثة والاعتماد على الأرقام والمقارنات والمقابسات، واستنباط نتائج متطورة تتماشى مع ثورتنا المعرفية الحديثة.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1097 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع