هل وصلت الاستعدادات الامريكية للحرب مرحلة اللاعودة؟ وهل بإمكان إيران اللجوء الى الخيار الشيطاني لتفاديها؟

 د. سعد ناجي جواد*

هل وصلت الاستعدادات الامريكية للحرب مرحلة اللاعودة؟ وهل بإمكان إيران اللجوء الى الخيار الشيطاني لتفاديها؟

مرة اخرى تعيش منطقة الشرق الأوسط اجواء واستعدادات لحرب مدمرة يمكن تشبيهها بتلك التي حدثت في حربي 1991 و2003. بل يمكن القول بان اعداد حاملات الطائرات والمدمرات وكاسحات الالغام وانظمة الدفاع الجوي وحاملات الوقود اللازمة للعملية القادمة المرابطة حول ايران الان، وكذلك حالات الإنذار التي وضعت فيها اكبر القواعد العسكرية الأمريكية حول العالم، هي اكبر من تلك التي حشدها التحالف بقيادة امريكية في عام 2003، وتشير إلى نية شن حرب شاملة ومطولة وليست سريعة.
لا اعتقد ان هناك من يستطيع ان يتكهن بنتائج المغامرة التي يصر الرئيس الأمريكي على القيام بها، رغم كل التحذيرات الدولية وبعض الأمريكية، ولا كيف سيتم ايقافها او منع توسعها او ارتداداتها اذا ما اندلعت. في حربي 1991 و 2003 لم يكن للعراق اي خيار في الثانية، إلا انه كان يمكن ان يتجنب الاولى، فهل تمتلك إيران مثل هذا الخيار؟
هنالك مشاهد كثيرة (سيناريوهات) يمكن ان تتمخض عنها المواجهة بين طهران وواشنطن، يصاحب كل مشهد بعض الاسئلة حول إمكانية نجاحه او فشله. المشهد الاول هو مشهد (فنزويلا)، وفيه تقوم قوات النخبة باختطاف المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي كما حدث مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ورغم كل تحذيرات خبراء أمريكان بصعوبة هذا الخيار، فان نجاحه يمكن ان يوجه ضربة معنوية كبيرة لايران. بالمقابل فان فشله قد يصيب الولايات المتحدة بصدمة معنوية مشابهة لتلك التي حدثت عندما امر الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بإرسال طائرات لإنقاذ رهائن السفارة الأمريكية (عملية مخلب النسر نيسان/ابريل 1980)، حيث تم اسقاط اثنان منها وقتل ثمانية جنود من القوة وفشلت المهمة. بالنتيجة كانت تلك العملية واحدة من الاسباب التي حرمت كارتر من الفوز بولاية ثانية. السؤال الاخر هو إذا نجحت عملية الاختطاف فهل سيعني ذلك انهيار ايراني تام ونهاية التهديد الإيراني للمصالح الأمريكية والاسرائيلية؟ هناك مثل إنكليزي يقول إذا هاجمت الملك فعليك ان تقتل الملك وان لم تفعل فعليك تلتقي تبعات عملك. وبالتأكيد، او يجب ان نفترض، ان ايران قد استعدت لهكذا احتمال بعد تجربة فنزويلا. وللتذكير فان في مواجهة ال 12 يوم مع إسرائيل في حزيران/ يونيو الماضي استطاعت إيران ان تستعيد توازنها بعد المفاجأة بفقدان اغلب قياداتها، وان تكبد دولة الإحتلال خسائر جسيمة جعلتها تتمنى وقف إطلاق النار بأسرع وقت ممكن وهذا ما حصل.
المشهد الثاني يمكن تلخيصه بحديث للملك حسين مع الرئيس صدام حسين في عام 1991 عندما عجز عن إقناعه بالانسحاب من الكويت، (في الحقيقة هو نجح في اخذ وعد بالانسحاب، وهذا مثبت في [الكتاب الأبيض: الأردن وازمة الخليج]، الذي اصدرته المملكة الأردنية بعد الأزمة، ولكن اصرار الرئيس حسني مبارك على عقد اجتماع قمة للجامعة العربية واتخاذ قرار مخالف للميثاق أدّى إلى تعنت الرئيس العراقي واعطى الولايات المتحدة حجة كبيرة لمهاجمة العراق). في حديث بينهما، وبعد ان شعر ان هناك فكرة لدى الرئيس العراقي مفادها ان القوات الامريكية ستنسحب بعد فترة اكد الملك حسين ان فكرة انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة غير واردة أبدا، وكذلك الامر مع فكرة ان تبقى هذه القوات في المنطقة بدون القيام باي فعل، لأن هذا يعني فشلا كبيرا لها. واضاف الشيء الوحيد الذي يمكن ان يجعل القيادة الأمريكية تُسَلِم بالفشل هو ان تنجح القوات العراقية بإيقاع خسائر كبيرة في صفوف القوات الأمريكية، مثل قتل اعداد كبيرة من الجنود الأمريكان في الايام او الأسابيع الاولى من المواجهة، فهل انتم قادرون على فعل ذلك، وعندما رد الرئيس العراقي بالإيجاب سكت الملك ولم يعقب. السؤال نفسه يمكن ان يوجه الى القيادة الإيرانية الان، وحتى ان كان الرد بالإيجاب ايضا، كما نسمع من تصريحات مسؤولين ايرانيين في هذه الايام، فبوجود رئيس أمريكي مهووس بجنون العظمة من يضمن انه لن يذهب إلى خيارات اكثر دموية مثل استخدام السلاح النووي مثلا اذا ما شعر ان مخططه قد يفشل؟ سيناتور أمريكي صهيوني قال ذلك صراحة في مقابلة له، لا بل انه دعا إلى ان يكون استخدام السلاح النووي هو الخيار الاول ضد كل من يقف بوجه اسرائيل.
المشهد الثالث وهو ما يعرف ب ( (the devil’s alternative، او الخيار الشيطاني، الذي طرح ايضا اثناء حرب الخليج الاولى 1991، والذي بني على فكرة ان يقوم العراق فجاءة بسحب قواته كاملة من الكويت قبل موعد بدء العدوان، كي يسقط في يد التحالف ويربك كل مخططاته، هذا الخيار الذي لم يحدث انذاك يمكن ان يحدث الان مع ايران، بان توافق على تسليم مخزونها من اليورانيوم المنضب كاشارة على حسن نية النظام وعدم رغبته في تصنيع سلاح نووي. لقد كان بإمكان إيران ان تمتلك ردعا ناجحا وتقلب الصورة راساً على عقب لوانها استطاعت ان تُجري تجربة نووية واحدة حتى وان كانت صغيرة، اما وانها لم تتمكن، ولا يوجد في الأفق ما يدلل على انها يمكن ان تفاجئ الولايات المتحدة والعالم بامتلاك هكذا سلاح فان قدرتها على التحدي قد تقلصت كثيرا.
المشهد الأخير والأكثر احتمالا هو ان الولايات المتحدة ستقدم على مغامرة جديدة في المنطقة كما فعلت في 1991 او 2003، وقد تنجح في تدمير اجزاء كبيرة من ايران ومن قدراتها العسكرية، كما تتمنى إسرائيل وكل كارهي النظام الايراني. ولكن السؤال الأهم سيبقى هل ستتمكن الولايات المتحدة من ضرب ايران ضربات موجعة وبدو اي رد مؤثر؟ والسؤال الثاني هو اذا كانت عملية إحتلال العراق قد فَرّخت من المنظمات والعمليات الإرهابية ما لم تتمكن الولايات المتحدة من استيعابها وإحباطها لحد الآن فكيف سيكون حال المنطقة في قادم الأيام؟ واخيرا هل وضعت واشنطن في حساباتها سيناريو تجربتها في افغانستان الذي سيحدث ولو بعد حين ان اقدمت على إحتلال ايران؟
كلمة اخيرة لأولئك الذين يؤيدون، بل وينتشون بسياسات الرئيس الأمريكي وخاصة من الإيرانيين والعرب، هي ان على هؤلاء ان يقرأوا ما يحدث حول ترامب في الداخل اولا، آخرها قرار المحكمة العليا بإلغاء الرسوم الجمركية الخارجية التي فرضها. وكذلك هبوط شعبية ترامب بعد مرور عام على حكمه، وتكاثر الإنتقادات لسياساته التي ادت الى إغضاب الكثير من الحلفاء تزداد، واصبح الرئيس يتحدث علنا عن قلقه من فقدان الاغلبية في مجلس النواب في الانتخابات الصيفية القادمة، مما قد يمكن الديمقراطيين من طلب محاكمته وعزله.
وفي الخارج تقوم دول العالم الغربي بقيادة وتدبير رئيس وزراء كندا بخطوات لفك الإرتباط بالولايات المتحدة وانهاء الإعتماد الكامل عليها، والممزوجة بإنفتاحات على الصين. في الأسابيع القليلة الماضية تم اتخاذ خطوات ملموسة وعملية في هذا المجال وانضم اليها المانيا وبلجيكا موقعين اتفاقات إستراتيجية فيما بينهم وكندا واليابان، ولم يكن لواشنطن اي حضور. دول الناتو لا تزال منزعجة ورافضة لمحاولاته ضم غرينلاند ووقعت الدانمارك إتفاقا إستراتيجيا مع كندا للدفاع عن الجزيرة، وهو تحدي غير متوقع من حليف تاريخي لواشنطن. طبعا كل ذلك ربما لن يجعل الرئيس ترامب يتراجع عن مخططاته، التي هي بالأساس ليست مصلحة أمريكية بقدر ما هي حماية لإسرائيل، لكن مجريات المواجهة قد تحدد ايضا مستقبله السياسي.
*كاتب واكاديمي عراقي

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1351 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع