
ذكرى البياتي
غُربةُ روحي في كنفِ الله
لماذا كلُّ هذه الغربة يا روحي؟ أأنتِ التي ابتعدتِ،أم أن العالم مرَّ بي دون أن يلتفت إلى اتّساعٍ في داخلي لا يحتمله الكلام ولا يَسَعُه الصمت؟أعيش غربةَ روحٍ
لا تُرى ولا يُسمَع لها أنين،لكنها تثقل القلب كحجرٍ صامت.تنام روحي عند حافة الصدر،لا تستيقظ معي،
وكأنها تؤجّل الحياة إلى إشعارٍ آخر. أسألها: إلى متى؟
فتصمت صمتًا يشبه الألم حين يعتاد.تجلس في الزاوية تراقبني،وأنا أتظاهر بالقوة أمامها كأنني أنتمي لهذا العالم،بينما هو يعبرني ولا يشعر.
أضحك كما ينبغي، وأصمت أكثر مما ينبغي، ثم أعود فأحمل روحي بيدي كطائرٍ يتعلّم الهروب ولا يعرف أين يهبط. علّمتني الغربة الصبر، ووهبني الصمت عينًا
ترى ما لا يُقال،وقلبًا يشعر بما لا يُحتمل. يمرّ العمر على قلوب البسطاء كنسمة ربيع، أمّا أنافيمرّ بي ويترك أثره.كنتُ دائمًا ملاذًا للآخرين،ولم أجد من يكون لي وطنًا،فعدتُ إلى صمتٍ لا يعرف الرجوع،
ولا يشتاق للوصول.لا أريد وطنًا،ولا أبحث عن وجوهٍ
أبعدها الزمن، كل ما أريده أن أُريح روحي دون أن أدافع عنها، أن أتنفّس كما أنا، وأن تعود ضحكتي
كما خُلِقت لا كما أرادها التعب.حينها فقط تهدأ روحي من غربتها، وأفهم أنها لم تكن ضائعة،بل كانت تنتظر
من يُصغي إليها بصدق.فأحتضنها وأهمس لها:اشتقتُ لكِ ولن أترككِ بعد الآن.أدركتُ أن ما مررتُ به لم يكن سهوًا،ولا قسوةً بلا معنى، بل اختبارًا من الله،وأن هذه الغربة لم تكن عبثًا، بل مسافةًبين ما أراه وما يُعدّه الله لي من لطف.تعلّمتُ أن الأُنس الحقيقي
لا يُستعار من البشر. أعاتبه أحيانًا عتاب المُحب،ثم أعود إليه مهرولة، فأفهم أن اليد التي أثقلت روحي
هي ذاتها التي منعتها من الانكسار. إن كانت غربتي
إرادةَ الله،فقد رضيتُها ثقةً وتسليمًا،لأمضي في حبّ الله.أصبحتُ أحمل سرًا مقدّسًا لا أبوح به إلا في همسات السجود.ربما تأخّرت أمنياتي لأنها حين تأتي ستأتي كاملة، ولأن الروح التي تعمّقت بالألم لا تُشفى
إلا بنورٍ عميق.يا عالمَ بسري، يا رب، إن كانت هذه الغربة طريقًا إليك فوسّع طريقي، وافتح لي أبواب المعرفة، وإن كانت اختبارًا فعلّمني الصبر الجميل،
وإن كانت ابتلاءً فاجعلني أقرب إليك. لقد أيقنتُ أخيرًا
أن روحي لم تكن يومًا وحيدة،بل كانت في كنف إرادتك،
تحت رحمتك الواسعة، كما أردتَ لها أن تكون يا الله.

1030 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع