عادات وتقاليد عمرها الاف السنين في العراق القديم

الأستاذ الدكتور صلاح رشيد الصالحي 

عادات وتقاليد عمرها الاف السنين في العراق القديم

صورة خيالية لأحد الأعياد في بلاد الرافدين قديما، وجمع الفنان بين الزقورة ذات الأصل السومري مع الثور المجنح ذو الأصول الاشورية، وكذلك العربة الحربية الاشورية أيضا .

في حضارة العراق ومنذ القدم نجد تقاليد كثيرة أصبحت راسخة في العقل العراقي، وتم توريثها من جيل إلى جيل آخر حتى وصلتنا في الوقت الحاضر، وتلك التقاليد نشات بفعل الملاحظة والتجارب وأصبحت جزء من ثقافتنا العراقية والوطن العربي، ولكن مع زيادة السكان الكبيرة، ودخول المخترعات الحديثة من التلفزيون والانترنيت اخذت تلك الموروثات الثقافية القديمة تدخل عالم النسيان شيئا فشيئا، ولكن بقيت في عقول كبار السن من النساء والرجال اطال الله من بقي منهم فحافظوا عليها، أو أصبح (البعض منها) تملك طابع ديني اسلامي، ومن تلك التقاليد اختار القليل منها:
-إذا علت اصوات العصافير في حالت العراك على شجرة المنزل أو السطح فهي تعني: (يحل الضيوف على اهل البيت).
-اذا كنس الطفل الصغير الأرض لوحده بدون توجيه من أحد معناه: ((يحل ضيوف غير مرغوب في المنزل).
-اذا كانت إحدى فتيات المنزل تكنس الأرض واصطدمت المكنسة برجل سيده كبيرة السن وبدون قصد مسبق معناها (تتمنى لها الموت).
- اذا سار طفل صغير ولد أو بنت وبدون توجيه من أحد ولمس أو وقف بجنب سيده حامل معناه تلد من نفس الجنس الطفل الذي وقف بجانبها.
- اذا عطس شخص خلال جدال بين فريقين متخاصمين فانها تعتبر شهادة على صحت كلام الشخص وقت حدوث العطسة، وإذا كانت ثلاث عطسات فكلام الشخص وقت العطسات الثلاث صحيح ولا جدال فيه، ويتوقف الجدال والصراخ بين الطرفين المتخاصمين.
-إذا وقف غراب (لون الغراب في العراق أسود وأبيض) على سطح البيت أو شجرة المنزل، وأخذ ينعق فهو دليل على (موت شخص في المنزل) ، وبالمناسبة (لا يؤكل لحم الغراب في العراق).
- إذا رايت في المنام انك تخلع ضرسا بيدك فهي تدل على موت أحد الاشخاص الذين تعرفهم، واذا كان الضرس كبيرا فالميت رجل كبير في السن.
- إذا توفي أكثر من شخص في البيت وبفترات قصيرة متقاربة، يضرب أهل البيت بايديهم زوايا (اركان) الغرفة بايديهم، ويطلبون بصوت عالي من الله ان يبعد الشر والعيون ويقولون:  (اللهم اللطف بنا وابعد الشر) ، لأن الموت بلاء وشر.
- يمتنع العراقي القديم من الزواج من فتاة تقف طويلا في الشارع وتنظر على كل من يمر أمامها، وكما يقول النص المسماري:  (لا تتزوج من فتاة تطيل النظر في الشارع)، وفي العرف العراقي يطلق عليها كلمة (السفيهه) وهي مفرد كلمة (السفهاء)، أو (القرج) بمعنى (طويلة اللسان)، ويقال:  (هذه الفتاة لا تبني بيتا)  كما في النص المسماري.
- لا يحبذ الصلاة خلف الأعمى لانه كما يقال (دواس الخرة) على أساس ان الأعمى لا يرى النجاسة، وهي من التقاليد المعروفة في العراق القديم فلا يجوز ان يعمل الإنسان الأعمى في معبد الإله أو يدخل في غرفة قدس الاقداس حيث تمثال الإله، فمن يعمل في المعبد من الكهنة أو زوار المعبد يجب ان يكون نظيفا ولا نجاسة فيه، وإذا جامع زوجته عليه ان يغتسل قبل دخوله المعبد، وفي الاسلام الصلاة خلف الأعمى مكروه، فلابد من النظافة الجسدية على الجميع قبل الدخول أو الصلاة في الجامع.
- إذا كان الحذاء أو النعال بالمقلوب بمعنى (اسفل النعال إلى الأعلى) فيجب قلب وتعديل الحذاء أو النعال (يقال بالأكدية نعلو) لان الإله انو (إله السماء وأبو الآلهة) في العراق القديم مكانه في السماء فاحتراما وخوفا منه يجب قلب وتعديل الحذاء أو النعال، واستمرت هذه الفكرة إلى الوقت الحاضر الان الله عز وجل كما هو شائع مكانه في السماء، لهذا عندما ندعو الله ان يمنحنا الخير والسعادة ...الخ ننظر إلى السماء، وإذا نشتم أو نلعن شخص ما ننظر إلى الأرض، لان الميت يدفن في الأرض.
- إذا وجدت قطعة خبز على الأرض يجب رفعها ووضعها في مكان عالي أو آمن، للأن الخبز له حرمة ومكانة مهمه في تاريخ العراق القديم كما ورد في ملحمة كلكامش عند محاولة إضفاء الطابع الإنساني على إنكيدو(Enkidu) ارسلت له الزانية شمخة (Šamḫat) (إحدى مومسات المعبد اللواتي يطلق عليهن عشتاريات) لتعلمه ان يأكل الخبز بدلا من الاعشاب وقالت: (كل الخبز يا إنكيدو بهجة الحياة)، والمعروف في الكتابة المسمارية فان كلمة (الأكل) وكلمة (الخبز) تكتب بنفس العلامات المسمارية، بالأكدية (أكلو) (بمعنى الأكل، والخبز)، كما علمته شرب الماء، ولهذا هناك عبارة ترد في النصوص:  (يأكل الخبز ويشرب الماء) إي ان هذا الشخص حي وليس ميت، وعند زيارتنا للمريض يقال لنا: (الحمد الله ياكل ويشرب) بمعنى صحته جيدة، وعند المصريين يطلق على الخبز (عيش) بمعنى الحياة، عموما سيطرت شمخة على انكيدو بعد ان أكل الخبز وشرب الماء وقادته مثل الأم التي تقود ابنها الصغير، والمعروف قديما وحديثا ان المرأة دائما شئنا أو أبينا القيادة بيدها مع هذا يقال المرأة مظلومة.. سبحان الله.
- في المناسبات وما اكثرها يقدم الأكل مجانا مثل (الزواج، والوفاة، والنصر في المعارك، والاحتفالات الدينية، والفصل العشائري، وعند ولادة طفل..الخ)، فلابد من تقديم وجبة طعام مجانية في النهاية ليأكل الجميع، وقد نقشت مائدة الطعام في الأختام الأسطوانية، والمنحوتات الجدارية، وذكرت أيضا في النصوص المسمارية، وفي الاحتفالات الدينية في المعابد العراقية القديمة يتم تقديم وجبات الطعام للجميع مجانا وهذا الطعام له قدسية لانه قدم من أجل الإله، كما تقدم موائد الطعام مجانا في شهر محرم عند الشيعية، وفي مولود النبي محمد (ص) عند السنة، كما يقدم الطعام على روح الموتى ففي النصوص المسمارية (الميت يكون سعيدا) إذا كان لديه ابناء يقدمون الطعام للناس مجانا على روحه، وفي الفصل العشائري والمعارك بين الخصوم ما ان يتم وضع مائدة الطعام حتى تخرس الأفواة وينتهي العداء بين الطرفين.
- لا يجوز التضحية بالخنزير في معابد العراق القديم أو تقديمة كوجبة طعام لزوار المعبد، ولا يربى في حظائر مثل المواشي، وكان موجودا يقتات على الازبال في شوارع بابل احيانا، أو بين الأحراش وعلى ضفاف الاهوار في جنوب العراق فيتم صيده، عموما انه حيوان نجس ولا ياكله الناس، ماعدا الفقراء جدا الذين لا يحصلون على لحوم الأغنام أو الماشية لذا يعتبر الخنزير مصدر البروتين الحيواني لهم، وعند اليهود والمسلمين لا يؤكل الخنزير اطلاقا لانه حيوان نجس.
هذه التقاليد في المجتمع العراقي القديم هي وليدة تاريخ طويل واعتقد انها معروفة في كافة ارجاء العالم العربي والاسلامي لانهم من ارومة واحدة ودين واحد وتقاليد واحدة راسخة .. حفظ الله الجميع...

الأستاذ الدكتور
صلاح رشيد الصالحي 
بغداد 2024

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

718 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع