العراق ليس افغانستان

                                                

            الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي


العراق ليس افغانستان

معروف ان العراقيين منغمسون على الدوام باحاديث السياسة وشكل الانسحاب الامريكي المنظم من افغانستان واحتمالية تأثيره على الاوضاع في العراق قضية محورية بأغلب هذه الاحاديث لاسيما بعد اخبار السيطرة السريعة لقوات طالبان على غالبية الاراضي الافغانية ومنها احكام تواجدها على المعابر الحدودية مع ايران وطاجكستان وتركمنستان وقربها من معبر واخان مع حدود الصين حيث تكون محاذية لمناطق الايغور المسلمين في الصين وربما كان هذا واحد من هدف امريكي للضغط على الصين واستنزافها واحراجها اضافه الى الدعم لهذة الاقلية كما اصبحت قريبة من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق ذات الغالبية المسلمة وتوجد فيها حركات سلفية سوف تحضى بدعم طالبان وايضا ستكون قريبة من الاراضي الروسية التى فيها ايضا جاليات مسلمة كأن احداث عام ١٩٧٩ تعود الى الأذهان رغم ان وفد طالبان الذي زار موسكو مؤخرا يحاول زرع الطأنينة لدى القيادة الروسية مع قرب سيطرة طالبان على كابل ويحصل تطور لايمكن التكهن بمداياته وانعكاساته الاقليمية والدولية ،بالمقابل فأن روسيا الخبيرة جدا بالشؤون الافغانية فهمت اللعبة مسبقا وتعمل من جهتها على احتواء طالبان وايجاد تفاهمات شبيه بتلك التي فعلتها امريكا مع العلم ان أفغانستان وباكستان وايران وصولا الى حوض البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط هي جزء من المجال الحيوي الروسي وهي محاذية للمجال الاوراسي التى تعتبر روسيا كل مايجرى فية يأثر بشكل مباشر على امن المنطقة الاوراسية الروسية .

حرب باردة وحروب الانابة

يبدو ان الحروب بالانابة عاد الى الظهور مجددا وحرب استنزاف الصين وروسيا قد بدأت من قبل الولايات المتحدة لمنع هاتين الدولتين من فرض نفسهما على مسرح السياسة الدولية بوادر حرب باردة جديدة تلوح في الأفق نظام الاستقطابات الاقليمية بين الدول الكبرى اخذ في التشكل ويبدو ان الولايات المتحدة خططت لاثارة المشاكل على حدود الصين وروسيا وقريبا جدا ، كما شكل السقوط المتسارع للمدن الأفغانية بأيدي طالبان هاجسا وكابوسا حقيقيا لنظام الملالي في طهران والقوى الأفغانية الحكومية المتحالفة معها، وأعاد إلى الذاكرة الإيرانية انتصارات طالبان عام 1996، يوم قتلت عددا من دبلوماسيي طهران في "مزار شريف" شمالي أفغانستان، بعد ان اجتاحتها وسيطرت عليها. وجاء تركيز حركة طالبان الحالي على الشمال الأفغاني وكأنه اعادة لنسختها الأولى عام 1996، حيث تسعى لقطع تواصل الأقليات الأفغانية مع جمهوريات وسط آسيا، التي سبق وان استغلتها كل من روسيا وإيران ضد طالبان، وهو ما أدى إلى انتكاسها في البداية وتكبدها خسائر كبيرة، وادى نجاح طالبان في تحقيق ضربات موجعة وسيطرتها سريعا على ممر شيرخان الواصل مع جمهورية طاجكستان، وكذلك على مقر مليشيات عبد الرشيد دستم الأوزبكية ، وهو ماخلق الهلع والفزع لدى ملالي طهران وغيرها من العواصم التي خططت لنفسها ان تغطي الفراغ الذي سببه الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وكأن مشهد عام1989 يتكرر بعد الانسحاب السوفياتي ، لتحل اللعبة الإقليمية بديلا عن اللعبة الدولية.

قلق النظام في طهران
يبدو واضحا ان كل الدول المحيطة جغرافيا بأفغانستان قد خططت مسبقا لمرحلة مابعد الانسحاب الامريكي ولكن كل على طريقتها وامكانياتها الخاصة ففي الوقت الذي تداعت به موسكولدعم حليفتيها طاجكستان وتركمنستان (رغم تطمينات طالبان لموسكو) تتابع بيجين بحذر وترقب النشاط العسكري لطالبان قريب من حدودها،لاحظنا ان نظام الملالي وعلى لسان وزير خارجيته جواد ظريف قد استبق هذا كله قبل أشهر، يوم طرح -عبر تلفزيون "طلوع" الأفغاني- دمجَ قوات "فاطميون" مع الجيش الأفغاني كما نتوقع ان الملالي سيحيون تحالفاتهم القديمة مع كل اعداء طالبان وكما ذكرنا في مقال سابق ربما يستغل الملالي علاقاتهم الوثيقة ببعض تشكيلات القاعدة وداعش وتحريكهم لقتال طالبان، أما الصين اليوم فهي غير الصين قبل 30 سنة استفادت الصين من تورط امريكا في افغانستان 2001 ثم في العراق2003 وهي اعتبرت التدخلات الأمريكية في أفغانستان والعراق كفرصة استراتيجية لتطوير قوتها ،اما االباكستان فربما هي الطرف الاوفر حظا في استثمار هذا الحدث أي الانسحاب الامريكي من افغانستان أما باكستان التي ترنو الأعين إليها فتفرك يديها فرحا بعودة حليفتها طالبان إلى الصعود على حساب قوى أفغانية كانت وما زالت حليفة لخصومها وأعدائها في المنطقة؛ ولذا فقد استبقت ذلك كله برفض منح الولايات المتحدة الأميركية أية قواعد عسكرية لها في أفغانستان لقتال الحركة من بعيد، وهو ما أكده وجدده رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان -في مقال له في "واشنطن بوست" بشكل واضح وصريح حين قال:مَن فشل في هزيمة طالبان على الأرض كيف له أن ينجح في هزيمتها من قواعد عسكرية بعيدة كل البعد عن أراضيها؟!،ولذا لم تعلق باكستان على العرض التركي بتأمين مطار كابل والمقرات الدبلوماسية الأجنبية في العاصمة الأفغانية، والتزمت الصمت، حيث تولت طالبان الرد برفض العرض التركي.

من المستفيد من هذه التغيرات؟

على هذه الخلفية ربما أن النظام الحاكم في إيران سيكون منشغلا بعض الشئ في ما يجري بأفغانستان وقد يعطي بعض مهامه لذيوله لتحقيق اهدافه في المنطقة العربية، حيث يتوقع ان تكون الحدود المشتركة بين ايران وافغانستان منطقة صراع ملتهبه، بعد وصول أقوى قوة مناوئة لنظام الملالي لحد النخاع في أفغانستان وسيلقي بتداعيات خطيرة، على الداخل في المناطق التي تشهد حراكات شعبية وقد تكون مسلحة للتحرر من الاستعمار الفارسي كما يحصل في المناطق الاذرية والبلوش والاكراد والعرب والتركمان، بينما سيكون ثمة اتفاق سياسي بين أفغانستان وباكستان، وهو ما سيضرّ المصالح الإيرانية، ليس في منطقة جنوب آسيا فقط وإنما على المستوى العربي أيضا، الأمر الذي ينبغي على الدول العربية المتضررة من التدخلات الفارسية ان تستفيد من التغيرات بشكل كبير.

تكرار تجربة افغانستان في العراق
قلنا مرارا وتكرارا اختلاف مبررات واهداف احتلال العراق عن افغانستان فالاحتلال الامريكي البريطاني على اقل تقدير ضمن العقد القادم لايمكن له ترك العراق فوجودهم في العراق وجود ستراتيجي وهم مستفيدين جدا من الفوضى الخلاقة التي اسسوا لها في العراق مثلما هم مستفيدين من الدور التخريبي الذي كلف به نظام الملالي في العراق، ويخطأ كثيرا من يعتقد ان هناك ثمة تناقضات او خلافات بين ماتقوم به قوات الاحتلال الامريكي البريطاني ومن معهما من الحلف الاطلسي، وبين الجرائم التي تقوم بها العصابات والمليشيات التابعة لنظام طهران في كل مدن العراق،فهناك تنسيق وتخادم بين قوى الاحتلال وذيولها، وهذا التنسيق والتخادم لن يعطي الفرصة للشعب العراقي لان يتحرر من كل انواع الاحتلال الامريكي والبريطاني والفارسي،ولذلك على العراقيين الشرفاء الاصلاء ان يوحدوا وينظموا صفوفهم ويحددوا اهدافهم بدقة ويلتحمون بقوة لمواجهة كل انواع الاحتلال ،ويجب تصعيد آوجه المواجهة بكل انواعها لغرض طرد جميع من دنسوا اراضينا من امريكيين وبريطانيين وفرس وبغير ذلك لن تشرق لنا شمس العراق الساطعة من جديد.

   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

422 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع