خريف ليس كَكلِّ خريف

                                                         

                 الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
                      أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

   

خريف ليس كَكلِّ خريف

يطلُّ علينا فصل الخريف هذه السنة وكوكب الأرض يشهد ظرفا خاصا وصعبا بسبب جائحة كورونا وتداعياتها الثقيلة. فقد عانت دول العالم كثيرا، وراح ضحية الجائحة من البشر إلى الآن مليون وربع من الوفيات وقرابة الخمسين مليونا من الإصابات. وأما الخسائر المادية فكبيرة جدا وفي مختلف الأصعدة.

لقد كان ظهور فيروس كورونا المباغت على مسرح الحياة في مثل هذه الأيام من الخريف الماضي، وتجاوز هذا الكائن المجهري كل الحدود، وفعل ما فعل، وأنهك الجميع وقصم ظهور أعتى الدول. وكان هناك بصيص أمل بالحدِّ من انتشار الجائحة عند ارتفاع درجات الحرارة في الربيع، ولكن الآمال سرعان ما تبددت وأستمر الوباء في زحفه، ثم وُضعت أحلام وردية بفصل الصيف وحرارته الشديدة، ثم تبددت الآمال من جديد ولم توقفه عند حده؛ حتى الدرجات الحرارية الملتهبة التي تصل إلى الخمسين مئوية فشلت في الحد من انتشاره.

ومع أفول شمس الصيف بدأت موجة جديدة من الوباء تجتاح أوربا والعديد من البلدان، ووقفت أكبر دول العالم شبه عاجزة أمام هذا الكائن المجهري وليس لها سلاح للحد من انتشار الوباء سوى الكمامات والعزل وإعلان منع التجوال. وبدأ الإغلاق الجديد يزحف عبر أوربا والعديد من البلدان.

لقد كان ظهور فيروس كورونا المستجد مباغتا للعالم أجمع، وكان أشبه برفرفة فراشة بالصين تحولت إلى زلزال صاعق عصف بأرجاء الأرض، وبث الرعب فيها وشلَّ حركتها وتسبب بخسائر بشرية ومالية هائلة.

إنه مشهد ما كان أكثر المتشائمين يتوقعه، أوقف معظم الأنشطة في أغلب المجالات، وتسبب بمشاكل جسيمة في مختلف نواحي الحياة، ونقل البشرية إلى طور جديد مختلف عن طور ما قبل كورونا المستجد.

إنه ابتلاء عظيم، وأصاب البشرية ما أصابها من خوف وخسائر جسيمة وانقطاع أرزاق شرائح كبيرة جراء هذا الابتلاء (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155).

فصل الخريف Autumn:
الخريف رابع وآخر فصول السَّنة الأربعة، وهو يتبع الصيف ويليه الشتاء. ويمتد هذا الفصل في نصف الأرض الشمالي من أواخر الربع الثالث إلى قرب نهاية الربع الأخير، أما في نصف الكرة الجنوبي، فهو يبدأ مع نهاية الربع الأول ويمتد حتى أواخر الربع الثاني.

في بلادنا يبدأ الخريف من 23 سبتمبر/أيلول، وينتهي في 20 ديسمبر/ كانون الأوّل، وفيه تتساقط أوراقُ الشَّجر، قال الشاعر المخضرم عبد الله العجاج:
جَرَّ السَّحَابُ فوقَهُ الخَرْفِـيُّ ... ومُرْدِفاتُ المُزْنِ والصَّيْفِيُّ

سيد الفصول:
فصل الخريف سيد الفصول، فهو بعض من صحو الربيع، وبعض من حرِّ الصيف، وبعض من برد الشتاء الدافئ، وكذلك هو الفصل الوحيد القادر على شحن الذات والروح بشتى أنواع المشاعر والأحاسيس.

والخريف يكشف عن حقيقة الأشخاص: كما الأوراق بعضها يسقط في أوله، ومنها من يبقى مرتبطاً بأصله.. مهما كان الخريف مكابراً. ومن تناقضات نزار قباني الرائعة:
وما بين فصل الخريف، وفصل الشتاءْ
هنالكَ فَصْلٌ أُسَمِّيهِ فصلَ البكاءْ
تكون به النفسُ أقربَ من أيِّ وقتٍ مضى للسماءْ

والخريف من الفصول القصيرة نسبياً، وهو يمثل مرحلة انتقالية بعد فصل الصيف الحار وقبل فصل الشتاء البارد، ويكون الطقس بأوله دافئاً ومشمساً وفي وسطه معتدلا وفي أواخره مائلاً إلى البرودة مع احتمال تساقط زخات من المطر والعواصف الرعدية. ويتميز فصل الخريف بعدم الاستقرار والتقلبات الجوية المفاجئة ما بين ارتفاع الحرارة نهاراً والبرودة ليلاً. ومن الميزات التي يتميز بها فصل الخريف: تساقط أوراق الأشجار النفضية، حتى أن الأمريكان يسمون هذا الفصل Falling.

وللخريف حضور في عالم الغناء، فمن روائع فريد الأطرش أغنية (الربيع) للشاعر مأمون الشناوي والتي غناها عام 1947 في فيلم (عفريته هانم)، حيث تتجول كلمات هذه الأغنية في فصول السنة، واحدا تلو الآخر، وعندما تصل إلى فصل الخريف تقول:
مر الخريف بعده ... بدل زهور الغرام
والدنيا من بعده ... هوان ويأس وآلام
لا القلب بينسى هواه ... ولا حبيبي بيرحمني
وكل ما قول آه ... يزيد في ظلمه ويألمني
https://www.pinterest.com/pin/712976184735327732/

ظواهر خريفية دالة على عظمة الله تعالى:

من لمسات الخريف الجمالية تساقط أوراق الأشجار، بعد أن كانت يانعة خضراء، وهو فصل متميّز بروعة ألوانه ومنظر الأشجار بأغصانها العارية من الأوراق والسماء المدهشة، وجمال الخريف بنسمات هوائه العليلة، ورياحه التي تهب مع نغشات البرودة الجميلة والحرارة المنخفضة.

وفي فصل الخريف تقوم الأشجار النفضية بنفض أوراقها استعدادا لفصل الشتاء الثقيل الذي يقل الضوء فيه وتقل عملية البناء الضوئي، لكي تقلل من عبء التغذية بحيث يكفي الغذاء لحياة الشجرة حتى الربيع، فيبدأ لونها في التغير وتذبل وتتساقط الأوراق لتعود في الربيع وتعيش شبابها المتجدد.

وفي فصل الخريف تهاجر الطيور المهاجرة للتزاوج وتحسين مستوى الإمدادات الغذائيّة والبحث عن الدفء والأمان. وقد رصدت جمعيات تركية وبلغارية متخصصة هجرة أكثر من 100 ألف طائر جارح إلى إفريقيا عبر تركيا خلال شهر واحد.

وتقوم أسراب من الطيور قاطعة مسافات هائلة عبر الصحاري وقمم الجبال العالية والمحيطات لتصل بدقة متناهية إلى هدفها في وقت واحد يتطابق مع الوقت التي وصلت فيه في العام السابق. بعض الأنواع تصل المسافة التي تقطعها في هجرتها إلى 50 الف كيلومتر في السنة، البعض الآخر تستمر بالطيران بدون طعام أو ماء وبدون انقطاع لمدة تصل إلى 100 ساعة مع منظومة دقيقة لتحديد الاتجاهات عند تلك الطيور، وسبحان الله العظيم (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل: 79).

سيد الفصول تحت ضلال جائحة كورونا:
يأتي خريف هذه السنة وفي جعبته العديد من الإشكالات. فعلى النطاق الفردي، ونتيجة لكثرة التقلبات الجوية في هذا الفصل، تظهر الأمراض الخريفية الشائعة كالإنفلونزا والتهاب البلاعيم وحساسية الأنف، مما تسبب قلق المصابين بها لتداخل هذه الأعراض مع أعراض كورونا.

وعلى نطاق المجتمع نجد أن المدارس تقف حائرة وتتخبط في أمرها: بين الدوام وبين تأجيل السنة الدراسية، فالدوام يُنذر بانتشار العدوى بين التلاميذ؛ وبخاصة في مدارسنا المكتظة أصلا بالتلاميذ. وتأجيل السنة الدراسية فيه إشكالات وعواقب وخيمة تسبب مشاكل كثيرة وضياع سنة من أعمار ملايين التلاميذ.

ووضع الجامعات أفضل من المدارس بعد أن وجدوا في التعليم الإلكتروني E-Learning (التعليم عن بُعد) حلا مقبولا في هذه المرحلة.

أما رياض الأطفال فقد أغلقت أبوابها ودفعت ثمننا باهضا ومنيت بخسائر مالية كبيرة نتيجة لغلق المدارس والجامعات وعدم حاجة الأمهات الموظفات إلى رياض الأطفال.

لقد كانت جائحة كورونا درسنا بليغا للبشرية عليها أن تتعظ منه، حيث فقدت من خلاله الكثير من الأعزاء من مختلف الأعمار ومختلف شرائح المجتمع، وتبقى دائما رحمة الله تعالى دائما وأبدا هي الكفيلة بعودة الحياة الطبيعية إلى ربوع الأرض (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53)، حفظ الله الجميع من كورونا وتداعياتها.

    

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

447 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع