الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - الحلة الفيحاء/ موطن العلماء ومقر الأولياء وقلب التأريخ

الحلة الفيحاء/ موطن العلماء ومقر الأولياء وقلب التأريخ

                                            

                        عباس العلوي

          

بحث تأريخي :
الحلة الفيحاء/ موطن العلماء ومقر الأولياء وقلب التأريخ

في اللغة : الحِلة < بكسر الحاء > وتشديد اللام / شجر شائك اصغر من العوسج وجمعها " حِللْ وحِلالْ " وتعني القوم النزول وفيهم كثرة / ويُقال : " حي حِلال " أي المجلس الذي يحل فيه القوم وعندما حلّ فيها بنو مزيَد صارت حِلتَهم ومَحَلتهمْ .
تؤكد مصادر التأريخ : ان الإمام أمير المؤمنين (ع ) اول من اطلق عليها الحُلة < بضم الحاء >
روى الأصبغ بن نباته قال : صحبت مولاي أمير المؤمنين عليه السلام عند وروده صفين ، وقد وقف على تل ثم أومأ إلى أجمة ما بين بابل والتل قال : مدينة وأي مدينة. فقلت له: يا مولاي أراك تذكر مدينة أكان هناك مدينة وانمحت آثارُها ؟ فقال عليه السلام : لا ولكن ستكون مدينة يقال لها الحلة
( السيفية ) يمدنها رجل من بني أسد وهي إحدى حُلل الجنة !

قال ياقوت الحموي :
[هي مدينة كبيرة بين بغداد والكوفة كانت تسمّى بالجامعين وأول من عمّرها ونزلها سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد الأسدي عام 495 هجري / كانت اجمة ثم عمّرها فصارت افخر البلاد وأحسنها ] أكد هذا المعنى الفيروزبادي في قاموسه  بقوله [الجامعين هي الحلة المزيدية] وإليها أشار الشاعر بقوله :
ياحلّة المزيديين الكرام ويا   /   دارا لمجد به تزهو الاغاريد

وفي تحديد معنى الجامعين اختلفت الآراء العربية عن الاجنبية / في الوقت الذي عدّها ياقوت الحموي < اجمة قصب > خالفه ابن الاثير في انها قرية مأهولة وليس أجمة / ذهبت لهذا المعنى دائرة المعارف الأسلامية وبعض المصادر الغربية : انها كانت مدينة زاهرة مقابل الحلة في موضع عامر بالخصب  وقد تلاشى امرها عند بناء سيف الدولة الذي لُقب لاحقاً ب < ملك العرب > مدينته قبالها بالجانب الأيمن من نهر الفرات / في كل الاحوال لا خلاف بين الرأيين فيمكن اعتبار قول الحموي بأن الجامعين مشترك بين البلدة التي ذكرها مؤرخو الغرب وبين المنطقة المحيطة بها .
يصف ابن الأثير ممصّر الحلة : [ كان الامير الرابع صدقة بن مزيد الاسدي جواداً حليما صدوقا كثير البر والأحسن ملجأ لكل ملهوف ] .
الحلة : حاضرة العراق وقرّة عين المسلمين والعرب / عنوان الماضي من بابل وكلدان وسومر الى حوزات المحقق الحلي وابن طاووس وابن إدريس / موطن العلماء ومقر الاولياء وقلب التأريخ وشوكة في عيون الطغاة في مختلف الازمان !
أَرضٌ بِها سائِرُ الأَهوالِ قَد جُمِعَت / كَما تَجَمَّعَ فيها الضَبُّ وَالنونُ هي توأم بغداد بعد ان شطرها شط الحلة الى شطرين على غرار ماشطر به نهر دجلة بغداد الى شطرين [ كرخ ورصافة ] لهذا اطلق عليها البغداديون إسم : بغداد الصغيرة
انعم الله عليها بسحر الطبيعة والبساتين النظرة ونسمات الهواء العليلة / وعذب ماءٍ يرقص بين دفاتها زهواً وجمالاً لتغدو عروسة للفرات الأوسط / جادت قريحة الشعراء ولقبوها (بالفيحاء) ليكون قريناً لأسمها عبر التاريخ!
انشد الشيخ النحوي :
لبست بك < الفيحاء > أفخر حُلةٍ   /   فضفاضة أبد الومان تجدد
السيد الطاباطبائي :
طابت < الفيحا > بمثواكم وفاحت   /   وغدت بالعنبر الوردي وراحت
صفي الدين الحلي :
مَن لَم تَرَ الحِلَّةَ الفَيحاءَ مُقلَتُهُ   /  فَإِنَّهُ في اِنقِضاءِ العُمرِ مَغبونُ

وريثة بـابل

الحلة وبابل الأثرية / عاشقان حميمان / جمعتهما ارض واحدة وعطاء واحد  وشعب عريق من اصول بابلية وكلدانية  وسومرية / اطلق العرب على اهلها اسم النبط  وذلك لمعرفتهم بأنباط الماء
[ استخراجه ] بحكم اهتمامهم بالفلاحة وزراعة الاشجار والنخيل .
اشاد الامام علي < ع > بالنبط / روي عن عبيدة السليماني :
[ سمعت علياً يقول : من كان سائلاً عن نسبنا فأننا نبط من اهل كوثى ]

كوثى : مكان في سواد العراق في أرض بابل

قال المؤرخون :
تأسست هذه المدينة العريقة على ارض امبراطورية بابل التي ملآت الدنيا  وشغلت الناس بدءاً من اعظم ملوكها حمورابي الذي سن اول قانون للبشرية الى نبوخذ نصر الثاني الذي بنى الجنائن المعلقة إحدى عجائب الدنيا السبع وما زالت اطلالها ماثلة للعيان في يومنا الحاضر .
يصف الرحالة الالماني [ نيبور ]  خلال زيارته لها في كانون الاول عام 1766م
مدينة الحلة تقع ضمن اسوار بابل القديمة  / القلعة والجنائن المعلقة الشهيرة قرب الفرات لم يُشاهد منها الآن إلا القليل وقد نقلت جدرانها البارزة فوق الارض منذ زمن بعيد إلا ان اساساتها مازالت باقية / وفي الجنوب الغربي من الحلة على مسافة ميل وربع تبدو بقايا اخرى لبابل / وهناك تل من احجار الجدران الجميلة  وفوقه برج قائم [ برج بيرس ] ويوجد في ذلك الجدار السميك ثغرات تنفذ الى الداخل من المحتمل بنيت لتنظيم التهوية بصورة طليقة للحيلولة دون تكاثف الرطوبة في الداخل !
ـــــــــــــــــــــ

تحدثت المستشرقة الفرنسية [ ديولافا ] خلال زيارتها عام 1881 عن اسرار هذا المعبد  بقولها :
حالفني الحظ بزيارة بيرس نمرودا او بما يُسمى ببرج بابل ويفصل بينه وبين تل ابراهيم واد غير عميق  / وفي اعتقاد  المستر < اوبرت > العالم الاثاري المتخصص في الآشوريات  الذي نقب سابقا في هذه المناطق الى ان برج نمرود لم يكن إلا ذلك المعبد الذي ذكره " هيردوت "  وفي اعلى البرج توجد قطعة من حائط شيّد بمواد بنائية كثيرة / هذا المعبد الذي يجب ان اسميه  باسمه الاصلي هو معبد الأنوار السبعة يقع في ضاحية برسيبا المتاخمة لبابل .
 
كما ان الحلة ارض بابل / هي أيضاً ارض المقدسات فيها مشهد الشمس < سابقاً > وجامع الشمس < لاحقاً > الذي صلى فيه الامام علي < ع >  صلاة الظهر حينما ردت الشمس اليه بعد غروبها وفي ذلك أنشد السيد الحميري :
رُدّت عليه الشمس لما فاته   /   وقت الصلاة وقد دنت للمغرب
وعليه قد رُدّت ببابل مرّة   /   أخرى وما رُدت لخلق مغرب

كما احتضنت الفيحاء في القرنين السابع والثامن الهجري الحوزة العلمية والمرجعية الشيعية / نقلها ابن ادريس الحلي بعد إضطراب الأمن في النجف / فضلاً عن قبور ومقامات الاولياء والعلماء والفقهاء وآخرين من انبياء الله كذي الكفل والنبي ألياس / وكفاها فخراً ان يكون من ابنائها
< صاحب كتاب الألفين > العلامة العظيم ابن المطهر الحلي / وشاعر البديع المتألق صفي الدين الحلي ومازلنا نردد ابيات شعره الجميل :

سَلِي الرِمَاحَ العَوَالِي عن مَعَالِينَا/واسْتَشْهِدِي البِيضَ : هَل خَابَ الرَجَا فِينَا؟
بِيضٌ صَنَائِعُنَا سُودٌ وَقَائِعُنَا / خُضْرٌ مَرَابِعُنَا حُمْرٌ مَوَاضِينَا
ومن حِكَمِه البليغة :
لا يَمْتَطِي المَجْدَ مَنْ لَمْ يَرْكَبْ الخَطَرَا/ولا يَنَالُ العُلَا مَنْ قَدَّمَ الحَــذَرَا


فرخ البط عوّام!

أنجبت مدينة الحلة وتوابعها رجالاً افذاذ ساهموا في بناء الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية والفكرية للعراق المعاصر أمثال : رئيس الوزراء الأسبق عبد الوهاب مرجان / ورجل الاعمال الحاج عبد الرزاق مرجان الذي انشأ على نفقته الخاصة < عام 1957 > مستشفى مرجان للأمراض الصدرية ثم اهداها الى وزارة الصحة وقد تحولت اليوم الى مدينة طبية عامرة / وعالم الآثار [ قارئ الطين ] البرفسور طه باقر مترجم ملحمة كلكامش الشهيرة / وخطيب ثورة العشرين الاديب الكبير الدكتور محمد مهدي البصير / والبرفسور احمد سوسة الأكاديمي والمؤرخ والمهندس المتخصص في الري / والأساتذة الأدباء الكبار الدكتور علي جواد الطاهر والدكتور جواد علوش / والأطباء البارعين صادق علوش < وزير سابق > والدكتور علي الحلي < مدير مستشفى > / والسيد تقي القزويني محافظ بغداد الأسبق / والفقيه الأديب الشيخ محمد آل حيدر / وعالم الجغرافيا الأديب المتميّز شاكر خصباك / والأديب الباحث في العلوم الآنسانية الدكتور جعفر خصباك / والدكتور جودت القزويني الأديب والشاعر والباحث في القضايا الإسلامية / وعشرات بل مئات المبدعين الآخرين لاتسع هذه العجالة لذكرهم .

من طرائف الحلة : اهزوجتها الشهيرة  التي تلاعب في صياغتها المزاج !

الحلة حلتنة صدق وٍفَه عادتنه   
الحلة حلتنة وأكْل الباكَله عادتنه
الحلة حلتنة البجي واللطم عادتنه
عاكسه آخر :  الحلة حلتنة دك وركَص عادتنه
وأخيراً :
الحلة حلتنة / وما تبقى منها لايصلح للنشر !

عباس العلوي  
السويد في :   16/ 5 / 2017


الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

753 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع