
الحسن ابن الهيثم عبقرية سبقن نظريات نيوتن ودافنشي

ابن الهيثم يعد المؤسس الحقيقي للبصريات الحديثة والمنهج التجريبي، حيث أثرت اكتشافاته في المرايا، والعدسات، والغرفة المظلمة، ومسائله الهندسية المعقدة في كبار علماء الغرب مثل دافنشي، وكيبلر، وبيكون.
ميدل ايست/صلاح عبدالستار محمد الشهاوي - طنطا - طوَّر العلماء المسلمون علم المناظر تطويراً كبيراً بعد أن كان مجرد مجموعة من الحقائق المتفرقة، وأسسوا فيه فروعاً متخصصة أهمها علم المناظر المعروف الآن بعلم البصريات Optics وأنجزوا قدرًا هائلاً من الاكتشافات المهمة في دائرته، وأضافوا الكثير إلى علم الأيدروستاتيكا Hydrostatics الذي أسسه الإغريق.
لاحظ العرب بدقة الظواهر البصرية التي بدت في الغلاف الجوي، ووصفوا هذه الظواهر بأدق صورة ممكنة، وحاولوا تفسيرها علميًّا قدر استطاعتهم. فقد وصف إخوان الصفا قوس قزح والهالات، ملاحظين في الحالتين الدور الذي يلعبه كل من انعكاس الضوء والرطوبة. فبالنسبة للحالة الأولى، أي تشكل قوس قزح، لاحظوا أن ارتفاع الشمس ينبغي ألَّا يكون زائداً، وأكدوا أنه كلما كانت الشمس في مستوى أكثر انخفاضاً كان قوس قزح أكبر، وأن بلوغ هذا القوس حده الأقصى وهو 180 درجة يتم لحظة وجود الشمس في الأفق، أي عندما تكون أشعتها متماسة مع سطح الأرض. أما الألوان التي ميزوها من أعلى إلى أسفل فهي على التوالي: الأحمر فالأصفر فالأزرق فالأخضر. وميَّز زكريا بن محمد بن محمود القزويني (ت: 782هـ) ثمانية ألوان منفصلة وذكر معظمها بنفس الترتيب وهي: الأحمر والأصفر والأرجواني والبني الأحمر (يسميه القزويني: الكميت، وهو يتكون من الصفرة والأرجواني والبنفسجي) والبنفسجي. وذكر القزويني الحالة التي يشاهد عليها قوس قزح من على قمة جبل، حيث يشكل عندها دائرة كاملة تقريباً لا ينقصها سوى ذلك الجزء من السماء الذي تخفيه قمة الجبل.
وقد ذهب قطب الدين الشيرازي (ت: 761هـ) وكمال الدين الفارسي (ت: 720هـ) إلى أن الضوء لدى اختراقه جسمًا كرويًّا نفاذًا مثل قطرات الماء، ينكسر مرتين وينعكس مرة واحدة (أو مرتين بالنسبة لقوس قزح الثنائي)، وحاولا الوقوف على أسباب تكوُّن الألوان، وتقديم تفسيرًا مماثلة للسراب والمرئيات الوهمية، كما حاولا توضيح بعض مظاهر انخداع البصر، مثل تلك الصورة التي تظهر على وجه حجر الطاحون. إذ عندما يصبغ وجه هذا الحجر بألوان مختلفة ويدار بسرعة فإنه لا يبدو عليه سوى لون واحد نتيجة لامتزاج جميع الألوان. وهذه النظرية سبقت تلك التي توصَّل إليها نيوتن لمعرفة الكيفية التي يتكوَّن منها الضوء الأبيض من ألوان الطيف والمعروفة باسم أسطوانة نيوتن (أسطوانة نيوتن: هي طبق مستدير مرسوم عليه ألوان الطيف بنسب معينة بحيث إذا أدير على نفسه بسرعة كبيرة ظهر اللون الأبيض على وجه الطبق).
ورغم ما ضاع من كتب العرب المهمة في الفيزياء، فإننا نستدل على أهمية كتب العرب في الفيزياء من العدد القليل الذي وَصَل إلينا منها، ولا سيما كتاب الحسن ابن الهيثم الذي ولد في بغداد عام 965 وتوفي في القاهرة عام 1039م، في الرؤية المستقيمة والمنعكسة والمنعطفة وفي المرايا المحدقة كتاب ابن الهيثم في البصريات المسمي "بالمناظر" والذي نقل إلي اللغة اللاتينية واللغة الإيطالية.
ففي كتابه أجرى ابن الهيثم تجارب عديدة، واشتغل على المرايا الكروية والقطعية المكافئة وتمكَّن بعد دراسته لانكسار الضوء عند تخلله لجسم شفاف أن يقيس ارتفاع الغلاف الجوي للأرض، بل إنه كان قاب قوسين أو أدنى من اكتشاف مبدأ العدسات المبكرة. فقد درس مميزات العدسات التي أشار علماء أغريق ورومان إلي قوتها المحرقة وقدرتها على تكبير الصور، بيد أن الراجح أن بحثه توقَّف دون اكتشاف قدرة تلك العدسات على خدمة ضعاف البصر، وأن استعانة هؤلاء بالنظارات لم تبدأ إلَّا خلال النصف الأوَّل من القرن الرابع عشر.
كذلك اكتشف ابن الهيثم قانوناً أصبح فيما بعد أساساً لاختراع آلة التصوير وهو أننا إذا جعلنا في غرفة مظلمة فتحة في مواجهة ضوء، فإن الضوء يدخل من الفتحة إلي بقعة مقابلة لها على جدار الغرفة أو على أرضها، ويبقى كل ما حول هذه البقعة مظلماً -وهو ما أثبت به أن امتداد الضوء يكون على خطوط مستقيمة-.
كما ناقش ما يعرف حتى اليوم بمسألة ابن الهيثم التي أوجد فيها حلاً هندسيًّا لمعادلة من الدرجة الرابعة وهي: (إذا عُلم موضع نقطة مضيئة ووَضْعُ العين، فكيف تجد على المرايا الكُرية والأسطوانية النقطة التي تتجمَّع فيها الأشعة بعد انعكاسها) فقال في ذلك: إذا افترضنا نقطتين (أ) و(ب) ثابتين على سطح دائرة مركزها (و) ونصف قطرها (ر) فلكي نحدد على هذه الدائرة -التي تبدو في أفضل شكل في مرآة-النقطة (م) التي تقع عليها شعاع الضوء المنبعث من (أ) يجب أن ينعكس هذا الشعاع الضوئي بحيث يمر بالنقطة (ب) وقد حل ابن الهيثم هذه المسألة بواسطة قطع زائد متساو يمر في دائرة وبعد ذلك بقرون حل ليوناردو دافنشي هذه المعادلة بطرق ميكانيكية.
استعان كيبلر (يوهانز كيبلر، عالم رياضيات وفلكي وفيزيائي ألماني كان أوَّل من وضع قوانين تصف حركة الكواكب بعد اعتماد فكرة الدوران حول الشمس) بكتاب ابن الهيثم كثيراً في كتابه عن البصريات.
وفي كتاب ابن الهيثم عن البصريات فصولٌ دقيقة عن حرارة المَرَايا ومحل الصور الظاهر في المرايا وانحراف الأشياء وجسامتها الظاهرة، إلخ.
كما وضع عالم الفيزياء البولوني فيتليو عام 1270م كتاباً في علم المرئيات اعتمد فيه على كتاب ابن الهيثم في البصريات.
وعندما جاء منتصف القرن الثالث عشر كانت أُسس علم الطبيعة العربي قد استقرت بقوة في جامعة أوكسفورد التي أصبحت تنادي بمناقضة علم أرسطو الكيفي بعد دراستها علم البصريات الهيثمي، وقد قال غروستست العالم بإكسفورد في هذا التوقيت: "هناك علم طبيعة واحد كلياً، هو علم البصريات الهيثمي وأن مبادئه الرياضية هي مفتاح كل معرفة في العالم. فالهيثمي فسَّر حوادث الطبيعة بالخطوط الهندسية والأشكال والزوايا، لاكتشافه أن الطبيعة تتبع في أفعالها دائمًا أقصر الطرق الرياضية وأفضلها".
ويعترف المؤرخ العلمي سوتر (كاتب مادة الحسن بن الهيثم في دائرة المعارف الإسلامية) بأن ابن الهيثم العالم العربي الإسلامي كان من أهم علماء العرب في الرياضيات والطبيعيات. وكان معروفاً في مصنفات الغربيين في العصور الوسطى باسم الهازن، وهو تحريف لكلمة الحسن. ويشير إلى أنه كان لكتابه المناظر أثر بالغ في معارف الغربيين لعلم الضوء في العصور الوسطى من روجر بيكون حتى كبلر. فيمكن أن يعدّ بحق أحد أساطين النهضة العلمية الحديثة، والممهد الأوَّل لكثير من علوم الغرب؛ لأنه بحكم نزعته الموسوعية، أبدع في علوم كثيرة منها الفلسفة والفلك والرياضيات وعلم الضوء والهندسة والطب.
وبعد، فقد اعترف العالم أجمع بما قدمه أجدادنا العرب في مجال العلم والمعرفة على أوسع نطاق، هذا الاعتراف جعل من كل عالم معاصر وفي أي فرع من فروع العلوم يسير تبعاً للمخطط الذي أرساه ابن الهيثم. لقد أسس هذا العالِم علم البصريات وكتب في الفيزياء والفلك والرياضيات وكذلك خصائص العين والنظر، ووضع معايير التجربة العلمية بالمشاهدة والتَّمعُّن والتجربة والتكرار ثم الوصول إلى النظرية ووضعها أمام الغير للمناقشة، وهذا ما يُعرف بالنظرية العلمية وهي أساس العلم الحديث، وشمل اعتراف العالَم بهذا العاَلِم القدير أن وضع اسمه على القمر (الحسن) أو (AL HASEN) وهذا ثابت اليوم.
قال المؤرخ ج. هـ. راندل في كتابه تكوين العقل الحديث ابن الهيثم: "لقد ارتبطت الفكرة الأساسية في العلم التجريبي العامل على اكتشاف الأسس الرياضية لتركيب الطبيعة بنظرية البصريات التي عرفتها المدرسة العربية وخاصة كما وضعها ابن الهيثم فالنور الإلهي هو وساطة كل ما في الطبيعة من علل، وهو الذي يخلع الصور على جميع الأجسام، لذلك تخضع كل عملية في الطبيعة إلي القوانين الهندسية في البصريات".

672 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع