
(أ ف ب):في الرابع والعشرين من يونيو، وتحت حرارة تجاوزت أربعين درجة، قطعت "فيرا" (68 عامًا) رحلة ثلاثة أيام من سيبيريا الغربية إلى باريس، لحضور جلسة محكمة الاستئناف، حيث كانت تأمل في الإفراج عن ابنتها، لكن الطلب رُفض مجددًا.
ابنتها تقبع منذ 7 أشهر في زنزانة بسجن فلوري-ميروجيس للنساء، مقابل ما تصفه الاستخبارات الفرنسية بأنه "عملية تجسس وتدخل في الشؤون الداخلية لصالح موسكو"، اسم الابنة: آنا نوفيكوفا، فرنسية-روسية، (41 عامًا)، مؤسسة جمعية "SOS Donbass".
من تايغا سيبيريا إلى بياريتز
وُلدت آنا في يوغورسك، مدينة نفطية في سيبيريا الغربية، لأسرة تعاني فقرًا شديدًا، في طفولتها، كانت وجبات العائلة أحيانًا لحم الدب الذي يجلبه والدها الصياد "توفي أبوها في التاسع والعشرين من أبريل، ولم تستطع أن تودّعه"، تقول أمها بحزن.
في المراهقة، وسط انهيار الاتحاد السوفيتي، نشأت فيها "مفتونة بالحياة الحديثة والحضرية" وفق ما يرويه برنار فونتين، "مؤرخها الشخصي" الذي صدر بحقه قرار مراقبة قضائية.
في الخامسة عشرة، بدأت العمل مقدمةً لبرنامج شبابي في تلفزيون مدينتها، ثم عملت في مجال الإعلانات في موسكو، وتخطيط الفعاليات في سوتشي خلال دورة الألعاب الأولمبية، ثم عرض الأزياء على شواطئ بحر إيجة.
في 2010، تزوجت مضيفًا فرنسيًّا التقته في سان بطرسبرغ، وانتقلت معه إلى مدينة بو في جنوب غرب فرنسا، ونالت الجنسية الفرنسية، وأنجبت منه طفلين.
عام 2017، حصلت على ماجستير في السياحة الريفية الصناعية، ثم أسست وكالة سياحية متخصصة في رحلات سيبيريا، قبل أن تجد نفسها في عمل مختلف تمامًا: تسويق ليالي الإقامة بـ12,000 يورو للأثرياء الروس في قصر "لا فولي بولار" ببياريتز، حيث كان بعض العملاء يجتمعون في غرف معزولة عن الهواتف. من بين زبائنها: بافيل دوروف، مؤسس تليغرام.
كل شيء تغيّر في فبراير 2022
حين اندلعت الحرب في أوكرانيا، انقسمت الجالية الروسية في مدينة بو، كانت آنا واضحة في موقفها: "الذين يخجلون من كونهم روسًا، وأولئك الذين يفخرون بذلك - أنا في الفريق الثاني". نظّمت مظاهرة "ضد الدعاية المناهضة لروسيا". وجاء بلاغ مجهول إلى المحافظة يُدين "تأييدها للحرب"، ومنذ ذلك الحين دخلت في دائرة رقابة الأجهزة الأمنية.
في أغسطس 2022، توجهت إلى دونباس لترى الأمور بنفسها، وعملت مترجمة لأدريان بوكيه، ضابط فرنسي سابق تحوّل إلى أحد مروجي دعاية الكرملين، صدرت بحقه لاحقًا عقوبات أوروبية.
في الميدان، كان الأمن يُديره رجل يُدعى "ميشا" - ضابط في الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) –صار عشيقها فيما بعد. وبحسب المحققين، هو من أوحى لها بفكرة تأسيس الجمعية.
عادت إلى فرنسا وفي الرابع من أكتوبر 2022 أسست جمعية "SOS Donbass"، هدفها المُعلن: الإغاثة الإنسانية والتنديد بتسليح أوكرانيا. وتقول الاستخبارات الفرنسية: إن الجمعية لم تكن سوى غطاء لعمليات نفوذ وتجسس منسقة بإشراف الاستخبارات العسكرية الروسية.
التشكيك في رواية المخابرات
محامي الدفاع فيليب دو فوي لا يخفي غضبه: "موكلتي تدفع ثمن العلاقات الكارثية بين باريس وموسكو. هذا الملف ينبعث منه رائحة قضية دريفوس. يريدون صنع قضية دولة". والمتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا طالبت بالإفراج عنها، مُصنِّفةً احتجازها "قمعًا لمن يُعبّر عن رأي مخالف للتوجه الرسمي الباريسي".
صحيفة "لو باريزيان" ترصد التناقضات في ملفها. شاهد قال إنها اعترفت له بكونها "عميلة سرية روسية أُرسلت إلى فرنسا"، لكنها تنفي ذلك وتشكك في موثوقية هذا الشاهد. ويتساءل أحد أصدقائها ساخرًا: "أي جاسوسة تظهر وجهها على يوتيوب؟" فترد الاستخبارات بأن هذا الظهور كان مقصودًا: أداة للتحديد والتجنيد.
أما الدليل الذي يُثير القلق أكثر: على ذاكرة USB مصادرة من حوزتها، وجد المحققون صورًا تفصيلية دقيقة لمحطات الطاقة الكهرومائية في وادي آسب. ويرى المحققون أن استهداف هذا القطاع ينسجم مع أهداف تنسبها الأجهزة الأمنية إلى روسيا.
بين الاعتقاد وعدمه
"آنا رأس مندفع، وطنية لكن ليست قومية. تحتاج إلى اعتراف وإلى تقدير. والأهم أنها تقبل التأثر بسهولة بالغة"، يصفها أحد المقربين، أنها تقول: "آنا كانت تحلم بالسلام".
في النهاية تبقى آنا نوفيكوفا لغزًا لم يُحسم بعد. ففي نظر الاستخبارات الفرنسية، هي حلقة في شبكة نفوذ روسية؛ وفي نظر المقربين منها، امرأة قادها طموحها وقناعاتها إلى قلب صراع دولي. وبين الروايتين، يبقى الحكم النهائي بيد القضاء الفرنسي وحده.

917 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع