هل أصبحت لندن في مرمى الصواريخ الإيرانية؟

الأندبندت عربية:كشفت محاولة إيران استهداف القاعدة البريطانية في دييغو غارسيا عن واقع جديد: مدى صواريخها قد يمتد اليوم إلى ما هو أبعد كثيراً من الشرق الأوسط. ومع تعزيز أوروبا دفاعاتها الجوية، تبدو بريطانيا مكشوفة على نحو خطر أمام هجوم صاروخي بعيد المدى..

ينبغي أن تكون الضربة الصاروخية الإيرانية باتجاه القاعدة التابعة للمملكة المتحدة، في الأقل في الوقت الراهن، في دييغو غارسيا بالمحيط الهندي، بمثابة تنبيه خطر للسياسيين البريطانيين. ولحسن الحظ، تفكك أحد الصواريخ في الجو، فيما أسقطت مدمرة تابعة للبحرية الأميركية صاروخاً آخر

بعد وقت قصير من إطلاقه. لكن الرسالة وصلت: من المرجح جداً أن طهران تملك صواريخ قادرة على بلوغ معظم العواصم الأوروبية. وبعض هذه العواصم يملك دفاعات للتصدي لمثل هذا التهديد، أما المملكة المتحدة فلا تملك ما يكفي منها.

قد يبدو ذلك مفاجئاً لبعضهم ممن استمعوا إلى وزراء حكوميين خلال عطلة نهاية الأسبوع وهم يقولون إن المملكة المتحدة تملك كل ما تحتاج إليه للدفاع عن نفسها. لكن هذا، للأسف، ليس صحيحاً ببساطة، إلا مع بعض الاستثناءات المحدودة. أما المجال الوحيد الذي تملك فيه بريطانيا قدرة محدودة على اعتراض الصواريخ الباليستية، فيتمثل في المدمرات من طراز 45. وأظهر رادار "سامبسون" وصواريخ "أستر" على متن المدمرة "أتش أم أس دايموند" أنهما قادران على إسقاط بعض أنواع الصواريخ الباليستية عام 2024.

لكن توفير ما يقترب حتى من دفاع صاروخي فاعل عن لندن، على سبيل المثال، سيتطلب بقاء مدمرة من طراز 45 متمركزة في مصب نهر التايمز على مدى الساعة، لا راسية على رصيف في قاعدة بورتسموث البحرية. وحتى في هذه الحال، فإن هذه السفينة لن تحمي سوى جنوب شرقي إنجلترا، فيما تحتاج مواقع كثيرة أخرى عبر البلاد إلى الحماية، وفي مقدمتها القاعدة البحرية في كلايد، حيث تتمركز غواصات الصواريخ الباليستية التابعة للبحرية الملكية.

لكن امتلاك بريطانيا ست مدمرات فقط من هذا الطراز لا يتيح لها بناء دفاع جوي متكامل عن أراضيها. كما أن إبقاء مدمرة مكرسة لهذه المهمة وحدها يُعد استخداماً غير رشيد لسفينة تكون مطلوبة ربما في مسرح آخر. وإذا أرادت المملكة المتحدة حماية فعلية من الصواريخ الباليستية وصواريخ "كروز"، فهي بحاجة إلى منظومة دفاع جوي أرضية، قوامها صواريخ أرض-جو، إضافة إلى مدافع مضادة للطائرات.

وحتى إذا استبعد التهديد الإيراني المتمثل في الصواريخ الباليستية، فإن الخطر الروسي، وهو أقرب جغرافياً، يظل قائماً، خصوصاً أن موسكو دأبت على توجيه تهديدات شديدة اللهجة إلى المملكة المتحدة. فبريطانيا تقع ضمن مدى الترسانة الروسية الكبيرة من الصواريخ الباليستية، ولا تملك، مرة أخرى، إلا قدرات محدودة جداً على مواجهة تهديد من هذا النوع.

ونشرت الحكومة الإماراتية خلال عطلة نهاية الأسبوع رسماً بيانياً أوضح أن البلاد تعرضت منذ اندلاع الحرب مع إيران لما يقارب 1800 طائرة مسيّرة و352 صاروخاً باليستياً. وفي المقابل، لا تملك المملكة المتحدة حتى 352 صاروخاً من طراز "أستر" أرض-جو في ترسانتها، مما يوضح حجم انكشافها أمام هذا النوع من الهجمات. ويمثل هذا العدد ربع صواريخ "في-2" الألمانية التي أُطلقت على لندن وجنوب شرقي إنجلترا خلال ثمانية أشهر عامي 1944 و1945، لكنه أُطلق في الحالة الإماراتية خلال أسبوعين فقط.

وتشير التقديرات إلى أن دول الخليج أطلقت أكثر من 800 صاروخ "باتريوت" أرض-جو خلال الأيام الأولى من الحرب. فهل كان يمكن اعتراض بعض الأهداف بأنظمة أقل كلفة؟ نعم، بالتأكيد. لكن عندما تريد حماية بنية تحتية حيوية مثل مصفاة نفط أو منشأة تخزين، فإنك تستخدم كل ما هو متاح لديك، وهذه مهمة باهظة الكلفة. فالقيمة الإجمالية لـ 800 صاروخ باتريوت لا تقل عن 3 مليارات دولار.

ومن الحجج الأخرى التي تكررها الحكومة البريطانية أن أي هجوم صاروخي على أوروبا، أو حتى على المملكة المتحدة، لن يثير القلق لأن حلفاءنا في "الناتو" سيتكفلون بما قد يحدث. لكن حين تتحدث إلى الجيوش الأوروبية التي تشغل أنظمة مثل "باتريوت" و "أستر"، تأتي الإجابات مختلفة تماماً.

ولا توجد اتفاقات أو ترتيبات تضمن تلقائياً أن تعترض ألمانيا، على سبيل المثال، صاروخاً باليستياً متجهاً إلى المملكة المتحدة، بل إن معظم الدول الأوروبية، في ظل انخفاض مخزوناتها الصاروخية إلى مستويات مقلقة، أكدت أنها ستحتفظ بما لديها لحماية أراضيها. وثمة استياء متزايد من أن بريطانيا تبدو مستعدة للاستفادة من المظلة الأوروبية داخل "الناتو" من دون أن تسهم في القدر نفسه. وفي ما يتعلق بالدفاع الصاروخي، سمعت عدداً من العسكريين الأوروبيين في الحلف يصفون بريطانيا بأنها من "المتطفلين".

وفي عامي 2024 و2025، أعلنت دول أوروبية في "الناتو" شراء أنظمة صواريخ أرض-جو جديدة بقيمة تتجاوز 15 مليار دولار، بينما لا يُتوقع أن ترصد المملكة المتحدة إنفاقاً كبيراً على منظومات دفاع جوي أرضية قبل ثلاثينيات هذا القرن.

ونشرت الولايات المتحدة بالفعل منظومة "إيجيس آشور" في رومانيا عام 2016. وتقوم هذه المنظومة على تثبيت الرادار ونظام القيادة التابعين لمنظومة "إيجيس" البحرية الأميركية في موقع ثابت، بدلاً من نشرهما على متن سفينة. وهي تعمل مع 24 صاروخاً اعتراضياً من طراز "ستاندرد أس أم-3"، وهدفها التصدي لبعض التهديدات الصاروخية الآتية من الجهة الجنوبية الشرقية لـ"الناتو"، وإيران هي المصدر الأكثر ترجيحاً لهذه التهديدات. وتوجد منشأة مماثلة في بولندا أيضاً. لكن إذا تعرض "الناتو" لهجوم صاروخي روسي واسع، فإن هذا المخزون سينفد بسرعة، وستجد الدول نفسها مضطرة إلى الاعتماد على منظوماتها الوطنية، وهنا لا تملك المملكة المتحدة كثيراً مما يمكن أن تقدمه.

من الصعب إقناع الناس بأن ما اعتاد كثرٌ على اعتباره أمراً طبيعياً، أي عدم وجود تهديد مباشر للمملكة المتحدة، ربما لم يعُد صحيحاً. وهو أمر مقلق ومربك. لكن أيهما أسوأ: الاعتراف بأن ثمة أولويات دفاعية جديدة، أم مواجهة وضع مستقبلي تتعرض فيه المملكة المتحدة لأضرار ودمار جسيمين نتيجة هجوم معادٍ يستخدم طيفاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة؟ وفي أوروبا، هناك اقتناع راسخ بأن الوضع لم يعُد طبيعياً كما كان، وأن مرحلة مكاسب السلام انتهت.

أما في المملكة المتحدة، فالأمر مختلف. وكما ظهر خلال عطلة نهاية الأسبوع، كان الوزراء يروجون لفكرة أنه لا توجد أية تهديدات للبلاد، وأن الأراضي البريطانية آمنة تماماً، ولا شيء يدعو إلى القلق.

وتزداد يوماً بعد يوم صعوبة تبرير هذا التباين الكبير بين سلوك الحكومات الأوروبية في ما يتعلق بالدفاع عن الوطن وسلوك المملكة المتحدة. فإما أن عشرات الدول الأوروبية مخطئة تماماً في تقديرها لتهديدات الدفاع، أو أنها على حق. فهل باتت المملكة المتحدة حالاً شاذة وغير مألوفة في ما يتعلق بالدفاع عن الوطن وحماية السكان والمنشآت؟ في هذه اللحظة، يبدو الأمر كذلك.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

926 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع