
نواعير مدينة هيت الأثرية،22 ديسمبر 2021 (أحمد الربيعي/ فرانس برس)
العربي الجديد:في مبانٍ مهجورة وأحياء آيلة للسقوط، وعلى أطراف مدن أنهكها الإهمال، يحمل عراقيون كاميراتهم لا بحثاً عن الإثارة، بل دفاعاً عمّا تبقى من الذاكرة. خلال السنوات الأخيرة، تحولت المنصات الرقمية إلى مساحة بديلة لتوثيق التراث العراقي يقودها فنانون وهواة تصوير ومهتمون بالتاريخ المحلي، جعلوا من الصورة والفيديو والبث الحي وسيلة إنقاذ، لا مجرد محتوى عابر.
هذه المبادرات تُنفّذ غالباً بجهود فردية وإمكانات شخصية، بعيداً عن أي غطاء مؤسسي أو حماية رسمية، وسط مخاطر تتراوح بين دخول مبانٍ متصدعة ومناطق مهجورة تفتقر لأبسط شروط السلامة، لكن أصحاب هذه العدسات يرون أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في انهيار جدار، بل في ضياع الذاكرة الجمعية، حين تختفي المعالم دون أن يلتفت إليها أحد.
هذا ما يؤكده الأكاديمي المختص بالسياحة، ستار الجودة، الذي يقول لـ"العربي الجديد" إنه أجرى بحثاً ميدانياً أظهر ضعف معرفة شريحة واسعة من العراقيين بتاريخ بلادهم، مضيفاً أن هذه النتيجة دفعته إلى تقديم محتوى تثقيفي عبر مقاطع فيديو ينشرها على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، يعرّف فيها بالمواقع التاريخية والتراثية، خاصة في بغداد.
يتابع جودة: "لديّ رسالة توعوية أريد إيصالها للمجتمع"، موضحاً أن الكتابة لم تكن كافية للوصول إلى جميع الفئات، خاصة كبار السن ومن لا يجيدون القراءة، ما جعله يعتمد الفيديو لكونه الأكثر تأثيراً. ويشير إلى أن التفاعل الواسع مع محتواه، يعكس نجاح الفكرة، وقدرتها على كسر الحواجز التقليدية أمام المعرفة التاريخية.
ما بدأ على شكل هوايات فردية، تطوّر في حالات كثيرة إلى فعل مؤثر، ساهم في إعادة تسليط الضوء على مواقع منسية، ودفع جهات رسمية ومجتمعية إلى الالتفات لها، وساعد أيضاً في تحريك السياحة الداخلية، وتحويل أماكن بعيدة عن الخرائط التقليدية إلى وجهات يقصدها العراقيون بدافع الفضول والحنين.
أحد هؤلاء المؤثرين هو المصور عمار الهيتي، من مدينة هيت غربي العراق. يقول الهيتي إن مبادرته انطلقت من توثيق مدينته، قبل أن يكتشف أن كثيراً من العراقيين لا يعرفون عنها شيئاً. ويضيف: "عندما بدأت بالنشر على مواقع التواصل، فوجئت بتفاعل من داخل العراق وخارجه، وأسئلة عن معالم مثل النواعير والمواقع القديمة، التي بدت غريبة على كثيرين".
ومنذ عام 2015، بدأ الهيتي نشر أعماله على منصات متخصصة بالتصوير، مرفقاً صوره بشرح موجز عن الموقع وتاريخه، ما جذب اهتمام متابعين عرب وأجانب، كما أنّ مصورين عراقيين من مدن أخرى تواصلوا معه لتوثيق هذه المواقع، ما خلق شبكة غير رسمية من المهتمين بالتراث، يعملون على التعريف به وتبادل الخبرات. بعد تحرير المدينة من تنظيم داعش عام 2017، عادت الفعاليات الثقافية، واستؤنف مهرجان مدينة هيت السنوي، حيث طالب المنظمون بإعادة تأهيل نواعير المدينة التاريخية.
ويقول الهيتي إن هذه المطالب وجدت صدى لدى الجهات المعنية، وهو ما أدى إلى إعادة تأهيل النواعير ومحيطها، قبل أن تمتد الجهود إلى مواقع أثرية أخرى. واليوم، تستقبل هيت مجموعات سياحية من داخل العراق وخارجه، في جولات تعريفية أعادت للمدينة حضورها، بحسب الهيتي، الذي كان لتوثيقه أثر في ذلك.
أما علي كاظم (34 عاماً)، وهو مصور مستقل من بغداد، فيقول في حديث مع "العربي الجديد، إن دخوله عالم توثيق التراث بدأ بالصدفة، حين صوّر أحد البيوت البغدادية القديمة قبل هدمه بساعات، موضحاً: "شعرت بأنني لم أوثق بيتاً فقط، بل حياة كاملة كانت ستختفي دون أثر".
يلفت كاظم إلى أنّ بعض المواقع التي يدخلها "غير آمنة تماماً"، لكنّه يتخذ احتياطاته قدر الإمكان، مضيفاً "أحياناً أدخل وحدي، وأحياناً مع أصدقاء، لكن في كل مرة أقول لنفسي إن الصورة التي ألتقطها قد تكون الدليل الوحيد على أن هذا المكان كان موجوداً". ويشير إلى أن عدداً من المقاطع التي نشرها دفعت مواطنين للمطالبة بحماية بعض المواقع، لافتاً إلى أنه "في إحدى المرات، تواصلت معي جهة محلية بعد انتشار فيديو عن موقع تراثي مهجور، وتمت زيارته رسمياً بعد ذلك، ما يعني أنني ساهمت في الحفاظ على معلم شديد الأهمية كان في طريقه للاندثار".
أما حسين العبيدي، وهو صانع محتوى شاب، فيعتمد التقاط صورة أو تسجيل مقاطع فيديو باحترافية عالية، مبيناً في حديثه لـ"العربي الجديد" أن لديه خبرة جيدة في التصوير والمونتاج، ما يجعل عمله مؤثراً جداً بالمشاهدين. يرى العبيدي أنّ هذا التفاعل خلق نوعاً من السياحة الداخلية غير المخططة: "نحن لا نروج رسمياً، لكن الفضول وحده كافٍ. الناس تريد أن ترى تاريخها، فقط تحتاج لمن يدلها عليه".
من جانبه، يركّز المصور والفنان التشكيلي، يوسف وليد، على الجانب التوثيقي طويل الأمد، وهو يشرح في دورات للمصورين الهواة حول "الأثر الوطني والإنساني" في توثيق تاريخ وتراث وطبيعة البلد، وفق ما يقوله لـ"العربي الجديد". ويرى وليد أنّ تصوير المناطق التراثية بمختلف أنواعها والمناطق الجيولوجية والطبية وما يتعلق بها، هو "أرشفة شعبية تدعم بشكل كبير البحوث والدراسات، فضلاً عن أهميته في جذب السياحة، إضافة إلى أن ذلك يزيد من تعلّق الإنسان بوطنه".

815 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع