صفحات من كتاب(أوراقي.. في الصحافة والحياة) للأستاذ/ صبري الربيعي/ 1

   

                   

   الكاتب الأستاذ صبري الربيعي يبدأ سلسلة مقالاته في (الگاردينيا)1

   

           

عندما سقط رئيس الوزراء الفريق طاهر يحيى في الطين!

ها هو كاتبنا الرائد الأستاذ صبري الربيعي , يوفي لنا ولقراء (الگاردينيا) الأفاضل , بوعده في اطلاعنا مشكورا ( وهي حالة فريدة ان يبوح كاتب بمضامين كتابه قبل نشره) تقديرا منه لمدونتا الثقافية وقراءنا الكرام , وفي هذه الحلقة من أفكار كتاب ( اوراقي في الصحافة والحياة) يتحدث عن حادثة واقعية , جرت مع الفريق طاهر يحيى رئيس وزراء العراق في ستينات القرن الماضي .

     


   

          حادثة فريدة في (ام الخنازير)

في وقت ما من عام 1964 تلقيت توجيها  بالذهاب الى (مرسى زوارق الشرطة النهرية) في الجادرية , لموافقة رئيس الوزراء الفريق طاهر يحيى.

ولم تحدد طبيعة المهمة , ومكان زيارة رئيس الوزراء , الا ان (كابتن) الزورق اشار الى انها (ام الخنازير) , مع اشارة باصبعه الى الجهة المقابلة .

سمعت الكثير عن (ام الخنازير) , مثيرة الأكثر من (الأساطير) عن كونها  تشكل مجتمعا مغلقا من (الخانزير البرية ) , التي لا يجرؤ أحدا على التقريب منها , وإنها ايضا ( مسكونة ) من قبل فرسان (العالم السفلي) , ولذلك صارت ( صوفتها حمرة ) ! حتى في رأي (اللآهين)  في ظل (بغددة) البغداديين , ب( البيك والأنس), و(كهولها) المتمسكين عنوة (بأمزجة الصبا ومغامراتها) , مع ان النهر يشكل العمود الفقري في جنات نعيمهم .. فكيف بجزيرة أخّاذة وسط النهر؟لو كانت افي ارض اوربية لجعلوها (جزيرة عراة) !

لقد لفتت (ام الخنازير) نظر المسئولين الى ضرورى الإهتمام بالجزيرة ,  وتحويلها الى  منتجع سياحي متفرد بخواصه الجغرافية من خلال بضعة كتابات صحفية  ترادفت , بعد ان اصبح الناس يطالبون بانشاء حدائق ومتنزهات يخرجون من خلالها الى الفضاءات الواسعة

حضر رئيس الوزراء , الرجل الذي لم يكن يتمتع بأية (أبّهة ) بيروقراطية , متضجرا من حرارة المناخ المشبع برطوبة خفيفة , ليلقي سلامه  بود على الحاضرين من الصحفيين , والموظفين , وإفراد الشرطة النهرية ,..وقبل انتهاء آخر رشفة من كأس العصير, وصل الموكب الى شاطيء الجزيرة الشرقي , الواقعة قبيل دورة دجلة الإلتوائية باتجاه (الدورة) التي اخذت اسمها من دورة (دجلة ) باتجاهها ,

   

 (بين الجرف والماي)

وقبل أن يهم الحضور بالنزول من الزورق , تحرك يحيى من مكان جلوسه باتجاه باب الزورق , ليجد أمامه (درّابا) من الخشب لايزيد عرضه عن 25سم , بطول اربعة أمتار ,توصل بين حافة الزورق , وشاطيء الجزيرة الشرقي ..وبما أن المرحوم طاهر يحيى , كان يتمتع بعافية وشت بها بدانته , مما كان يؤدي الى ثقل وعدم توازن الحركة ,على مثل مساحة ذلك (الدراب) الذي يتطلب شيء من الرشاقة والحركة السريعة لتجاوزه الى شاطيء الجزيرة , ولكن ذلك (الدرّاب) اللعين قد خذل (أبوزهير ) مما جعله يسقط في حيز صغير يقع بين النهر والزورق ,  وقد بذلت جهود كثيرة , ساعده فيها مقربون للارتفاع به هذه المرة الى الشاطيء , وبعد وقت عاد الرجل الى وضعه المعقول  , ولكنه كان على درجة شديدة من العصبية الى عرفت عنه في بعض الأوقات بدوافع حرصه وجديته .

لقد اثير الكثير من اللغط والإشاعات , حول نزاهة المرحوم طاهر يحيى , ولكن تحقيقات نظام 17تموز 1968 لم تثبت على الرجل اية ارتكابات , وهذا لم يقنع  الحكام في اطلاق سراحه فبقي موقوفا ..وبالتأكيد كان لخلفية الفريق يحيى وادواره المتعددة دور في ان يلحق به مستوى متفرد في الإذلال والتعذيب بقصر (النهاية ) المشؤوم , فقد كان احد الضباط الأحرار ضمن خلية (الزعيم  عبد الكريم قاسم ,وعبد السلام عارف ), قبل ثورة 17 تموز , وعين مديرا للشرطة العام , ولكنه انحاز الى صف عارف الأول ضد عبد الكريم قاسم  ضمن موجة انفصال الشخصيات القومية , كما قد انه اضطلع بدور صاحب (القبضة الحديدية ) في تصفية حزب (البعث) الحاكم , فيما دعي بحركة 18  تشرين عام 1963من قبل عبد السلام عارف .

                                              

النكتة السوداء لم توفر أحدا

وعندما استلم (البعث) السلطة , كان يحيى من اوائل الشخصيات التي اوقع بها الحكام الجدد , بالإضافة الى اللواء رشيد مصلح الحاكم العسكري , ووزراء العهد العارفي الأول والثاني ..وربما يكون الفريق يحيى والفريق شاكر محمد شكري وزير الدفاع الأسبق في العهد العارفي الأول, من اكثر المسئولين تعرضا لإشاعات يمكن  وصفها ب ( الظالمة ) من اجل النيل من (هيبة) النظام , إذ توسلت (النكتة السوداء) , كتشبيه يحيى ب(قنينة سفن آب) . وتداول نكتة , مضمونها (ان طاهر يحى كان يرأس وفدا الى مصر , حيث حضر مأدبة غداء اقامها لهما الرئيس المصري عبد الناصر , استخدمت فيها أدوات التناول الذهبية والفضية الموروثة عن الملك فاروق , وقد سال لعاب شكري لهذا الكم من الأدوات الذهبية , فعمد الى وضع عدد من (الشوك والملاعق) في جيب سترته , وقد لاحظ الرئيس عبد الناصر ذلك , فسأل شكري ان يعيد ما وضعه في جيبه الى المائدة ..فما كان من شكري الّا الإشارة الى طاهر يحى , حيث التفت عبد الناصر الى يحى , الذي سارع الى القاء ما في (زيكه) من (الشوك والملاعق ) الى المائدة ) !,

حكاية ..لا يمكن لعاقل تصديقها , ولكنها  نموذج ل(النكتة السوداء) التي جرى اطلاقها والرد عليها والتعامل بها من اجل التسقيط والتهميش , وكيل الإتهامات ,من دون سند واقعي او قانوني..ومما يذكر في ادبيات التاريخ المصري الحديث .. ان الرئيس عبد الناصر , قد اعتمد مجموعة من ظرفاء مصر كالكاتب  كمحمود السعدني , وورسام الكاريكاتير صلاح جاهين , لأطلاق وتبادل النكات من اجل امتصاص ما يتوفر من غضب شعبي بسبب الأوضاع المعاشية ..

              

                        غوبلز.. وزير دعاية هتلر

كما ان المخابرات العراقية قد استخدمت هي الأخرى خلال فترات معينة ذلك الأسلوب المجرب من قبل جميع الحكومات الشمولية ,  الذي بدأه (غوبلز) وزير دعاية ( هتلر) خلال الحرب العالمية ,

          

واستفادت منها (الكويت) في حكاية ( نيرة) ابنة وزير الخارجية الكويتي التي اعتمدت  كأحدى اهم مقنعات المجتمع الدولي العاطفية لشن العدوان الدولي على العراق ,.ويبدو ان الكتل المتصارعة من اجل السلطة والمال في عراق اليوم , تستخدم اسلوب الدعاية السوداء  بشكل يتسم بالوضاعة في تسقيط الخصوم ولي الحقائق , حتى بات المواطن العراقي تائها بين فيض من الأشاعات والإتهامات التي لم تستثن احدا.

معذرة في ان لا يرى القاريء الكريم نصا دقيقا في كتابي ينطبق على السطور الآنفة , بسبب من حرصنا على عدم الإستنساخ ولضمان سرية مضامين الكتاب!

         

الگاردينيا :نرحب بالأستاذ والأكاديمي الكبير/ الأستاذ صبري الربيعي لتواجده في حدائقنا ..

           

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

506 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك