حرم الجمال

بقلم المهندس نذير آل حويز

حرم الجمال

لمن يرغب ان يكون في استضافة عالم الجمال، والتعرف إلى معالمه ومراتبه، واكتشاف أسراره ومسالكه، ليرافقنا هذه الرحلة الممتعة لتعرف عليه .

فالجمال يتمظهر عبر الرؤية والسمع وباقي الحواس، لكنه ليس مجرد صفة نلتقطها بحواسنا، بل محاولة لتوصيف شعور نعرفه حين نلتقي به، ونحتار حين نحاول وصفه. ما هو الجمال؟ نراه فنصمت، نحاول أن نصفه فتضيق اللغة، لأن الكلمات مهما كثرت تبقى أقل من أدوات الحس والشعور.

كي نبدأ الرحلة، علينا أن نعلم : أين يسكن الجمال؟ هل في الشيء ذاته أم في العين التي تراه؟ ربما لا في هذا ولا ذاك وحده، بل في اللحظة الخفية التي يلتقي فيها المدرك بالوعي، فينكشف لنا معنى لم نكن نراه من قبل. ولهذا لا أرى الجمال مجرد إحساس، ولا مجرد صفة في الأشياء، بل إحساسًا يتحول إلى قيمة حين يمنحنا معنى، وإلى معرفة حين يكشف لنا شيئًا عن أنفسنا أو عن من حولنا. فالجمال لا يسر العين فقط، بل قد يوقظ العقل ويحرك الذاكرة و ليصف الشعور.

وليس صفة الجمال تختزل دائمًا الكمال . قد يكون وجه أنهكه العمر أجمل من وجه صبية مكتمل الملامح، لأن التجاعيد فيه ليست عيوبًا، بل آثار حياة تحمل خلفها لحظات من فرح والألم وآثار مواقف ونشوة النصار وساعات انكسار . كما قد يكون بيت عتيق ابهر و أجمل من قصر جديد، لأن جدرانه حملت بين أركانها ضحكات وغيابًا ورحيلًا وذكريات لقاء بعد غياباً طويل . وحتى الكسر قد يصبح جميلًا عندما يتحول إلى حكاية وكيف اجُبر ليعود فضل من ما كان عليه .

فالجمال لا يسكن في الأشياء وحدها. قد نراه في يد طفل تمتد إلى طفل سقط لتريه أن السقوط ليس نهاية الطريق، أو في إنسان يعيد مالًا وجده وهو في أشد الحاجة إليه، أو في اعتذاراً صادقاً ينتصر فيه الإنسان على كبريائه. هنا لا نرى جمال الصورة، بل روحاً تجوهرت في الأبعد الاربعة .

وأحيانًا نراه في الصدق نفسه. قد تؤلمنا الحقيقة، ولكن مع ذلك نرى يبهرنا جمال اللحضة ، لأنها انسجمت بين ما هو موجود وما ينبغي أن نراه. ولهذا ربما يكون الجمال طريقًا يقربنا من الحقيقة، لا لأنه يوصلنا اليها ، وإنما لأنه يجعلنا نشعر بقر منها .

فالغروب ليس جميلًا لأن السماء تزهى بالسحابات الملونة ، بل لأن الإنسان يجد فيه شيئًا من نفسه. فيراه أحدهم وداعًا، كما يراه آخر بداية، و الثالث ذكرى لفراقاً قديم . السماء واحدة، لكن تطلعاتنا مختلفة . وربما لهذا يعيد إلينا الجمال أفكارًا وتأملات ظلت في الذاكرة دون جواب، وكأنه يعيد إلينا شيئًا كنا قد فقدناه أو نسيناه.

وربما يكون الجمال هو اللحظة التي يتجاوز فيها الشيء صورته. نرى الشكل، ثم نكتشف وراءه معنى، فيتحرك فينا شعور، وقد تأتي الدهشة، وربما ابتسامة أو حتى ضحكة تنفلت من أعماقنا ولا نعرف لماذا خرجت.

نحن قد نكتشف العالم من حولنا ونشد الرحال إلى أقصى جزره، لكننا قد نعود دون أن نعرف ما الذي دفعنا إلى الرحلة أصلًا او اننا لم نكتشف ذاتنا الذي رافقنا . فالجمال الحقيقي لا يجعلنا نقول فقط: ما أجمل هذا، بل يدفعنا إلى سؤال آخر: لماذا حرّك فينا كل هذا؟ وربما يكون عجزنا عن الإجابة أول اقتراب حقيقي منه.

ولهذا تختلف مقاييس الجمال من إنسان إلى آخر، لكن اختلافنا لا يعني أن الجمال مجرد وهم شخصي. نحن لا نصنعه من العدم، ولا نستقبله كمعلومة جاهزة. هناك شيء في الأشياء يجعلها قابلة لأن تكون جميلة، وهناك وعي يكتشف ذلك بطريقته الخاصة.

ربما لهذا لا يسكن الجمال في الأشياء وحدها، ولا في أعيننا وحدها. إنه يظهر في المسافة بينهما، في اللحظة التي نلتقي فيها بما نراه، فنكتشف فيه شيئًا لم نكن نراه من قبل، ثم نكتشف، دون أن نقصد، شيئًا في داخلنا. وربما هنا يكون حرم الجمال الحقيقي: ليس مكانًا نصل إليه، بل لحظة نلتقي فيها بالعالم، فيكشف لنا شيئًا عنه وشيئًا منا.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

2357 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع