
نوري جاسم

مناقشة علمية في كلية الحقوق بجامعة المنصورة تبحث توازن السلطات وضمان استقلالها في النظام الدستوري العراقي لعام 2005 ..
شهدت كلية الحقوق بجامعة المنصورة مناقشة علمية لرسالة الدكتوراه المقدمة من الباحث نوري جاسم في تخصص القانون العام، والتي حملت عنوان «توازن عمل السلطات وضمان استقلالها في النظام الدستوري العراقي لعام 2005»، في جلسة أكاديمية تناولت موضوعًا دستوريًا يرتبط بصورة مباشرة ببناء الدولة ومؤسساتها، وبمدى قدرة النظام الدستوري العراقي على تحقيق التوازن بين السلطات العامة وضمان استقلال كل سلطة في ممارسة اختصاصاتها، وقد اكتسبت الرسالة أهميتها من طبيعة الموضوع الذي يتصل بأحد المبادئ الأساسية في الدولة الدستورية الحديثة، والمتمثل في تنظيم العلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على نحو يمنع الاستئثار بالسلطة أو تغول سلطة على أخرى، ويحقق في الوقت ذاته الرقابة والتعاون والتوازن المؤسسي، مع توفير الضمانات اللازمة لاستقلال القضاء وسيادة القانون، وقد انطلقت الدراسة من قراءة دستورية وقانونية للتنظيم الذي أقره دستور جمهورية العراق لعام 2005 للعلاقة بين السلطات، مع بحث الإشكالات التي أفرزتها الممارسة الدستورية خلال السنوات اللاحقة لنفاذ الدستور، ولا سيما ما يتعلق بحدود اختصاصات السلطة التنفيذية، ودور السلطة التشريعية في الرقابة على الحكومة، ووسائل المساءلة البرلمانية، وضمانات استقلال السلطة القضائية، فضلًا عن دراسة عدد من التجارب الدستورية المقارنة والاستفادة منها في تقويم التجربة العراقية، وقد جرت المناقشة أمام لجنة علمية متخصصة برئاسة الأستاذ الدكتور محمد أنس جعفر، وعضوية الأستاذ الدكتور وليد الشناوي، والأستاذة الدكتورة بسمة محمد أمين، والمستشار الدكتور عبد الكريم محمد السروي، حيث عكست تركيبة اللجنة تنوعًا علميًا وخبرة أكاديمية وقانونية أسهمت في إثراء الحوار حول موضوع الرسالة، ولم تكن الجلسة مجرد إجراء أكاديمي لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الدكتوراه، وإنما شكلت حوارًا علميًا جادًا بين الباحث وأعضاء اللجنة حول الأسس الدستورية التي قامت عليها الدراسة، ومدى سلامة المعالجة القانونية والمنهجية، والنتائج التي انتهت إليها، والتوصيات التي اقترحتها، كما تناولت المناقشة طبيعة العلاقة بين مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ التوازن بينها، إذ إن الفصل لا يعني العزلة الكاملة بين السلطات، وإنما يقترن في النظم الدستورية الحديثة بوجود صور من التعاون والرقابة المتبادلة، بما يحقق التوازن ويحافظ على وحدة الدولة واستقرار مؤسساتها، وقد ركزت الرسالة على أن ضمان استقلال السلطات لا يتحقق بالنصوص الدستورية وحدها، وإنما يحتاج إلى ممارسة دستورية راسخة وثقافة مؤسسية تحترم الاختصاصات والحدود التي رسمها الدستور، وتدعم سيادة القانون واستقلال القضاء وفاعلية الرقابة البرلمانية، وتأتي أهمية البحث في الحالة العراقية بصورة خاصة بسبب طبيعة التحولات السياسية والدستورية التي شهدها العراق منذ عام 2005، وما رافقها من إشكالات عملية في العلاقة بين مؤسسات الدولة، الأمر الذي يجعل دراسة التوازن بين السلطات مسألة تتجاوز الجانب النظري إلى ارتباطها باستقرار النظام السياسي وحماية الحقوق والحريات وتعزيز الثقة بالمؤسسات الدستورية، وقد شهدت الجلسة حوارًا علميًا حول عدد من القضايا التي تضمنتها الرسالة، وناقش أعضاء اللجنة الباحث في الأسس التي اعتمد عليها في بناء دراسته، وفي بعض النتائج التي توصل إليها، ومدى إمكانية تطوير البناء الدستوري والمؤسسي بما يعزز التوازن بين السلطات ويحد من مظاهر التداخل في الاختصاصات، كما أتاحت المناقشة للباحث فرصة الدفاع عن أطروحته وتوضيح رؤيته العلمية والإجابة عن التساؤلات والملاحظات التي أثارها أعضاء اللجنة، وهي المرحلة التي تمثل في العادة الاختبار الأهم لقدرة الباحث على استيعاب موضوعه والإحاطة بتفاصيله والتمييز بين النص الدستوري والتطبيق العملي، وانتهت أعمال الجلسة إلى المداولة العلمية بين أعضاء لجنة المناقشة والحكم، حيث قامت اللجنة بتقييم الرسالة في ضوء قيمتها العلمية وأصالتها ومنهجها ومعالجتها للموضوع والنتائج والتوصيات التي انتهت إليها، ثم أصدرت حكمها وفقًا للأصول والقواعد الأكاديمية المعمول بها، لتشكل هذه المناقشة محطة مهمة في المسيرة العلمية للباحث نوري جاسم، بعد سنوات من البحث والدراسة والعمل الأكاديمي، كما تمثل الرسالة إضافة إلى الدراسات التي تبحث في التجربة الدستورية العراقية من زاوية العلاقة بين السلطات العامة وضمان استقلالها، وتؤكد أهمية استمرار البحث العلمي في تطوير المفاهيم الدستورية بما يتناسب مع متطلبات الدولة الحديثة، فالدستور ليس مجرد مجموعة من النصوص التي تحدد شكل السلطات واختصاصاتها، وإنما هو إطار ناظم للعلاقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وفاعليته تقاس كذلك بمدى احترام قواعده وتحويل مبادئه إلى ممارسة دستورية مستقرة، ومن هذا المنطلق فإن البحث في توازن عمل السلطات وضمان استقلالها يظل من الموضوعات الحيوية التي تمس صميم الدولة القانونية، لأن تحقيق التوازن المؤسسي يسهم في منع الانحراف في استعمال السلطة، ويعزز الرقابة المتبادلة، ويحمي استقلال القضاء، ويدعم مبدأ سيادة القانون، ويهيئ البيئة الدستورية اللازمة لحماية الحقوق والحريات، وقد جاءت المناقشة في كلية الحقوق بجامعة المنصورة لتجسد في جانبها العلمي قيمة الحوار الأكاديمي المتخصص، ولتختتم مرحلة بحثية مهمة في حياة الباحث، بما تحمله من تقييم علمي من لجنة المناقشة والحكم، وبما تفتحه في الوقت ذاته من مجال لمزيد من البحث والنقاش حول مستقبل النظام الدستوري العراقي وسبل تعزيز التوازن بين سلطاته واستقلال مؤسساته، بما ينسجم مع متطلبات دولة القانون والمؤسسات.

814 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع