
نزار جاف
من أوراق العمر- عمي أنور.. الرجل الذي رأى ما لم أره
ثمة أشخاص يمرون في حياتنا كما تمر نسمة عابرة، نكاد لا ننتبه إليها، وثمة أشخاص يتركون فيها أثرا لا ندرك عمقه إلا بعد أن تمضي السنوات، وتتراجع ضوضاء الأيام، ونعود إلى الوراء لنكتشف أن لحظة صغيرة، أو كلمة عابرة، أو موقفا بدا لنا آنذاك عاديا، كان يمكن أن يغير مجرى حياتنا بأكملها.
ومن بين أولئك الذين تركوا أثرا عميقا في حياتي، كان عمي المرحوم أنور جاف.
كان عمي، بقدر ما كان رجلا اجتماعيا، بعيدا عن أن يكون أسيرا للعادات والتقاليد والقوالب الاجتماعية الجاهزة. لم يكن من أولئك الذين يعيشون كما يريد لهم الآخرون أن يعيشوا، بل كان يمتلك طريقته الخاصة في النظر إلى الناس والأشياء والحياة. وربما كان تمرده الهادئ على المألوف أحد أكثر ما يميزه.
وكانت له، بحكم شخصيته وعلاقاته، صلات واسعة بشخصيات سياسية واجتماعية ذات حضور وتأثير، من أمثال طه محي الدين معروف، وجلال الطالباني، وإبراهيم أحمد، وغيرهم. ولم تكن علاقاته بتلك الشخصيات مجرد علاقات عابرة، بل كانت تعكس طبيعة رجل يعرف الناس ويعرف كيف يتعامل معهم، من دون أن يفقد استقلاله أو شخصيته.
لكن ما لم أكن أدركه آنذاك، وأنا في مقتبل العمر، أن هذا الرجل الذي كنت أراه عما قريبا مني، سيقوم ذات يوم بدور لم أكتشف أهميته إلا بعد عقود: سيمنعني من أن أختار الطريق الخطأ، وسينقذني، من حيث لم أكن أعلم، من نفسي.
كانت بدايات عقد السبعينيات، وكنت أعيش في مدينة السعدية بمحافظة ديالى. كنت قد أنهيت دراستي المتوسطة، وكانت لي علاقة ود وصداقة بفتاة تركمانية كانت تدرس معي في المرحلة نفسها. وبعد تخرجها، واصلت دراستها في إعدادية الصناعة بمدينة بعقوبة، مركز محافظة ديالى، وكانت ترغب بشدة في أن أواصل دراستي معها.
كانت المسألة بالنسبة إليها تبدو بسيطة: هي في إعدادية الصناعة، فلماذا لا أكون أنا أيضا هناك؟
أما بالنسبة إلي، فلم تكن المسألة بهذه البساطة. فقد كانت ميولي أدبية منذ ذلك الوقت، وكانت الكتب والمطالعة والكتابة أقرب إلى روحي من أي شيء آخر. لكن الإنسان في تلك السن لا يكون دائما سيد قراراته؛ فالعاطفة تستطيع أحيانا أن تقنعنا بأن الطريق الذي يسير فيه شخص نحبه هو بالضرورة الطريق الذي ينبغي لنا أن نسير فيه أيضا.
وهكذا، ونزولا عند رغبتها، وافقت على مضض.
لكن مشكلة كانت تقف في طريق قبولي في إعدادية الصناعة.
كان مديرها في ذلك الوقت معاونا لإعدادية السعدية للبنين، وكان يعرفني معرفة جيدة. وكان من شروط القبول في تلك الأيام أن يكون الطالب منتميا إلى حزب البعث. أما أنا، فلم أكن بعثيا، بل كنت مستقلا.
غير أن الأمور السياسية في تلك المرحلة كانت أكثر تعقيدا مما تبدو عليه اليوم. فبسبب أحد أقاربي في السعدية، والذي أصبح ممثلا للحزب الديمقراطي الكردستاني في المدينة بعد اتفاقية آذار 1970، انسحب الأمر علي أيضا، وأصبح من الصعب، بل من المتعذر عمليا، أن أجد طريقا سهلا إلى القبول.
لم يكن أمامي آنذاك سوى عمي أنور.
ذهبت إلى بغداد، إلى داره، وحملت إليه مشكلتي، أو بالأحرى حملت إليه أمرا كنت أراه في ذلك الوقت مصيريا: أريد أن أقبل في إعدادية الصناعة في بعقوبة.
لم يكن عمي من الرجال الذين يحبون الكلام الكثير. كان يستمع أكثر مما يتحدث، لكنه لم يكن يمنح أذنه لكل شيء، وكان إذا استمع إلى أمر ما، بدا وكأنه يزن كلماته قبل أن ينطق بها.
استمع إلي، ثم وافق على مساعدتي.
ورافقني إلى بعقوبة، وأخذني معه إلى مكتب "عيادة كنعان الصديد"، الذي كان محافظا لديالى آنذاك. وما زلت أذكر جيدا كيف استقبل عمي بحفاوة، وكيف رحب به، ثم فاتحه عمي بطلبه.
جاء رد الصديد سريعا وبعبارة عراقية أصيلة لا تزال عالقة في ذاكرتي:
"غالي، والطلب رخيص".
كانت العبارة قصيرة، لكنها كانت كافية لتفتح أمامي بابا كنت أظنه مغلقا.
اتصل بمدير إعدادية الصناعة، وأمره بقبولي.
وخلال الحديث الهاتفي، سألني المحافظ، بناء على سؤال مدير الإعدادية:
ـ إلى أي قسم ترغب في مواصلة دراستك؟
لم أفكر كثيرا. وربما لم أفكر إطلاقا.
أجبته بصورة عفوية:
ـ الميكانيك!
وهكذا، خلال وقت قصير، أصبح قبولي في إعدادية الصناعة أمرا محسوما.
عدت مع عمي من بعقوبة إلى بغداد، وأنا أشعر بأنني انتصرت في معركة كبيرة. كنت أظن أنني حققت ما أريده، وأن العقبة التي كانت تحول بيني وبين تلك الإعدادية قد أزيلت إلى الأبد.
لكن عمي كان، على ما يبدو، يرى شيئا آخر.
وفي الطريق، وبينما كنا نتحدث، التفت إلي فجأة وسألني:
ـ نزار، لماذا تريد أن تواصل دراستك في إعدادية الصناعة؟
لم أكن مستعدا للسؤال.
ولم أجد في ذهني جوابا مقنعا، فقلت، بكل بساطة وربما بكل سذاجة:
ـ لأن صهري خريج إعدادية الصناعة!
نظر إلي عمي، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة، فيها شيء من الاستغراب وشيء من عدم التصديق. ثم قال بلهجة تحمل امتعاضا واضحا:
ـ أليست لديك اهتمامات أخرى؟
عندها، وللمرة الأولى ربما، شعرت بأن الرجل يحاول أن يصل إلى شيء أبعد من مجرد مسألة القبول في مدرسة.
قلت:
ـ أحب المطالعة والكتابة كثيرا.
هنا تغير وجهه، وكأنه عثر أخيرا على الإجابة التي كان يبحث عنها.
وقال بحزم، وبنبرة تشبه إصدار أمر لا يحتمل النقاش:
ـ قبولك في الصناعة أصبح محسوما، لكن أطلب منك ألا تذهب إليها. واصل دراستك في الرابع الإعدادي.
لم أفهم في تلك اللحظة تماما ما الذي يفعله عمي.
فهو الرجل الذي بذل جهدا من أجلي، وذهب معي إلى بعقوبة، ودخل بي إلى مكتب المحافظ، وحصل لي على قبول كان يبدو مستحيلا، ثم ها هو، بعد أن فتح لي الباب، يطلب مني ألا أدخل!
كان الأمر أشبه بمن يساعدك على الوصول إلى محطة القطار، ثم يمنعك في اللحظة الأخيرة من ركوب القطار.
لكنني، ربما للمرة الأولى في حياتي، استمعت إليه.
واصلت دراستي الإعدادية، وابتعدت عن فكرة الصناعة، ومع مرور الوقت تلاشت تلك العلاقة الودية التي كانت قد دفعتني في البداية إلى التفكير في تغيير مساري الدراسي، وكأنها لم تكن.
ومضت السنوات.
كبرت، وتغيرت أشياء كثيرة، وتبدلت نظرتي إلى الحياة وإلى نفسي وإلى القرارات التي يتخذها الإنسان في بدايات عمره. وعندما أعود اليوم إلى تلك الحادثة، أجد أنني كنت آنذاك أقف على مفترق طريق من دون أن أدرك ذلك.
كنت أريد أن أذهب إلى إعدادية الصناعة لا لأنني أحب الميكانيك، ولا لأنني اكتشفت في نفسي شغفا بالآلات والمحركات، وإنما لأن فتاة أحببتها كانت تدرس هناك.
ولعل الأخطر من ذلك أنني لم أكن أملك حتى الشجاعة الكافية للاعتراف لنفسي بهذه الحقيقة.
كان عمي أكثر بصيرة مني.
لقد رأى في جوابي الساذج ما لم أره أنا. وعندما قلت له إن سبب اختياري هو أن صهري خريج إعدادية الصناعة، ثم أخبرته بأنني أحب المطالعة والكتابة، أدرك، ربما في تلك اللحظة، أن هناك فرقا بين ما أريده حقا، وما أظن أنني أريده لأن شخصا آخر يريده مني.
ولم يكن عمي يومها ينقذني من إعدادية الصناعة فحسب؛ كان ينقذني من قرار لم يكن يشبهني.
ولذلك، كلما عدت بذاكرتي إلى ذلك الطريق بين بعقوبة وبغداد، وإلى ذلك السؤال المفاجئ: "نزار، لماذا تريد أن تواصل دراستك في إعدادية الصناعة؟"، أشعر أن السؤال لم يكن موجها إلى ذلك الفتى الذي كنت عليه فقط، بل كان موجها إلى الإنسان الذي سأصبحه فيما بعد.
وربما كانت تلك من أجمل هدايا العمر التي لا تصلنا في علبة، ولا تلف بورق ملون، ولا نعرف قيمتها ساعة تصل إلينا.
فبعض الهدايا تأتي على هيئة منع.
وبعض الأبواب التي يغلقها الآخرون في وجوهنا تكون، في الحقيقة، أبوابا يحاولون إنقاذنا من عبورها.
لقد أنقذني عمي أنور من اختيار لم يكن اختياري الحقيقي، ومن طريق ربما كنت سأصل في نهايته إلى مكان لا يشبهني. ترك لي الباب مفتوحا أمام ما كنت أحبه حقا: القراءة والكتابة والأدب.
ولذلك، وبعد كل هذه السنوات، أستطيع أن أقول له، وهو الذي غاب جسدا وبقي في الذاكرة:
شكرا يا عمي...
شكرا لأنك لم تكتف بأن تساعدني في تحقيق ما طلبته منك، بل ذهبت أبعد من ذلك، وسألتني السؤال الذي لم أسأله لنفسي.
شكرا لأنك لم تكن مجرد قريب لبى رغبة فتى، وإنما كنت رجلا رأى في ذلك الفتى شيئا لم يكن هو نفسه قادرا على رؤيته.
شكرا لأنك أنقذتني من نفسي.
وربما لو لم تفعل، لما كنت اليوم الشخص الذي أكتب هذه السطور.
فالأعمار لا تصنعها القرارات الكبيرة وحدها؛ أحيانا تصنعها جملة واحدة، تقال في الطريق، في اللحظة المناسبة، من إنسان يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.
وكانت جملتك، يا عمي أنور، واحدة من تلك الجمل التي غيرت مسار عمري.
رحمك الله.
لقد مضيت، وبقيت الحكاية.
وبقيت أنا، كلما فتحت أوراق العمر، أجد اسمك في واحدة من أجمل صفحاتها، وأدرك أن بعض الناس لا يكونون جزءا من ذاكرتنا فقط، بل يصبحون جزءا من تفسير حياتنا نفسها.
وأنت كنت، دون أن أعرف آنذاك، واحدا من أولئك الذين أنقذوني من الطريق الخطأ... كي أجد طريقي.

607 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع