
صباح البغدادي
حروب الاستيلاء على جثة السيادة العراقية؟ الرسائل الخفية بين طهران وواشنطن في تشييع "الخامنئي"
(*) العطلة الشاملة القسرية كانت بمثابة "القطرة التي أفاضت الكأس" واقنعت أخيرآ " البيت الأبيض" بأن اللعبة أصبحت مكشوفة وقد حان الوقت للانتقال من مرحلة "الصبر الاستراتيجي" إلى مرحلة "الإنذارات النهائية"، حيث يجب ـــ مُكرَه أخوك لا بطل ـــ أن تُترجم الأقوال للتصدي للنفوذ الايراني إلى أفعال ملموسة على الأرض، وتظهر نتائجها بشكل واضح ومشهود له بحيث تتحدث عن أفعالها الصحافة والاعلام العالمي قبل المحلي والإقليمي.
القرار المفاجئ الذي اتخذه رئيس مجلس الوزراء “علي الزيدي” بمنح عطلة رسمية شاملة يوم الأربعاء 8 تموز 2026 في كافة أنحاء العراق، متجاوزاً بذلك الحدود الجغرافية والطقوسية لمدينتي النجف وكربلاء ، فهذه العطلة القسرية لم تكن مجرد إجراء إداري روتيني أو لفتة إنسانية عابرة، بل تحول في التحليل الاستراتيجي المعمق إلى إعلان ما يسمى بـ " العجز السيادي" حيث أنه سمع بوضوح شديد صدى الانزعاج والامتعاض في أروقة البيت الأبيض، مرسلاً رسالة مبطنة ذات أبعاد جيوسياسية خطيرة مفادها :" أن قبضة ائتلاف الإطار التنسيقي والقوى الولائية المسلحة المدعومة إيرانياً لا تزال تمسك بمفاصل القرار في بغداد، وتتمسك بعنصر القوة كورقة ضغط استراتيجية لتصدي أي محاولة جادة لتهميش نفوذها أو عرقلة مخططاتها التوسعية المستقبلية في عمق العراق".
في انتقادنا لهذه الحالة التي نحن بصدد القاء الضوء عليها , ليس انتقاد مبني على مواقف سابقة وانما انتقادنا نابع من طريقة رضوخ رئيس الوزراء العراقي لابتزاز الولائيين لان هذا التصعيد غير المبرر في حجم العطلة القسرية وشموليتها، والذي جاء متزامناً مع تصريحات الرئيس "ترامب" التشكيكية حول "دموع مزيفة" في طهران، فاقم من حالة الامتعاض والانزعاج العميقين داخل الإدارة الأمريكية، حيث فُسِّر قرار العطلة الشاملة من قبلهم على أنه خضوع كامل لابتزاز الأحزاب الشيعية الحاكمة، وكشفت من حيث كان يعلم او لا يعلم عن مدى هشاشة موقف "الزيدي" الذي بدا عاجزاً عن فرض بدائل أكثر توازناً تحترم الطقوس دون المساس بالسيادة الوطنية أو استفزاز الحليف الاستراتيجي الأمريكي ... ففي غرف العمليات المغلقة بالبيت الأبيض، تُرجم هذا الحدث ليس كخطأ تكتيكي، بل كدليل قاطع على أن "الزيدي"، رغم ضجيج حملاته الإعلامية ضد صيد "الأسماك الصغيرة" بانه ما يزال لا يملك الجرأة أو القدرة على مواجهة " الحيتان الكبيرة " وهو مطالب أصبح جماهيري أكثر من ما هو قضائي ، مما يضع مصداقيته على المحك قبل أيام من زيارته المرتقبة لواشنطن ؟ ويندرج هذا ضمن ما يحدث حاليآ من تصعيد خطير بين واشنطن وطهران بعد إعلان الرئيس "ترامب" انتهاء “مذكرة التفاهم” ووقف إطلاق النار، بالتزامن مع استئناف الضربات المتبادلة حول مضيق هرمز، حيث جاء قرار "الزيدي" ــــ مُكرَه أخوك لا بطل ـــ بمنح عطلة شاملة لتشييع " الخامنئي" في رسالة مزدوجة:
(*) للخارج الأمريكي ومن خلال تجاهل صريح لخطورة اللحظة. وذلك بمنح عطلة شاملة (وليس محدودة في محافظات العتبات المقدسة) في يوم تتصاعد فيه لهجة الحرب بين الراعيين الأساسيين للعراق (واشنطن وطهران)، يُفسر في أروقة صناع القرار بالبيت الأبيض على أنه انحياز فعلي للطرف الإيراني في المعركة الدائرة، أو على أقل تقدير عجز تام عن اتخاذ مبدأ الحياد الذي كان يجب أن يلتزم به " الزيدي "
(*) للداخل العراقي: إرضاء قسري لتحالف "الإطار التنسيقي" الحاكم وقادة الفصائل الولائية العقائدية المسلحة والتي ما تزال متمسكة بقوة في سلاحها وتشارك بنشاط في التصعيد ضد المصالح الأمريكية.
لانه سوف يسفر لدي راي الشارع بانه لو كان "الزيدي" يملك قراره السيادي بالكامل، لاقتصر العطلة على محافظتي " النجف وكربلاء" فقط كحل وسط يراعي البعد الديني دون إشراك محافظات عراقية اخرى لا علاقة لها بالطقوس الجنائزية الاحتفالية بل كانت رافضة لها منذ البداية مثل محافظات (كالأنبار أو نينوى أو إقليم كردستان) لان شمولية القرار تؤكد لنا فرضية غير قابلة للشك او التاويل بأن القرار جاء بضغط قسري وملزم من قادة الكتل الشيعية والفصائل الولائية العقائدية العابرة للحدود والذين يستخدمون المناسبة لتأكيد نفوذهم وتصعيد خطابهم المعادي لأمريكا، مما وضع "الزيدي" في موقف واضح وصريح لدى الرأي العام وفي خانة "المُنفذ" لا "صانع القرار" وهذا ما يغذي انزعاج "واشنطن" الذي لم يعلن عنه رسميا لغاية الان ولكنه سوف يسمع الامتعاض والانزعاج دون اي شك او تاويل اثناء زيارته المرتقبة ولان الصمت الحالي غير المعلن للبيت الأبيض قد يكون هدوء ما قبل العاصفة، حيث يتم ادخار هذا الملف كورقة ضغط قوية ( لماذا منحتم عطلة شاملة للعدو بينما نحن ما زلنا نقاتله؟) لاستخدامها لقبول شروط أقسى في ملف حصر السلاح والفساد المالي والإداري وإنهاء نفوذ طهران السياسي والاقتصادي ومما قد تعتبره واشنطن وتفسيره إلى أن استمرار هذا “الانقياد الاعمى” للإطار التنسيقي قد يدفع واشنطن للتعامل مباشرة مع الإقليم الكردستاني أو القوى السنية الرافضة للوجود الايراني ، متجاوزاً الحكومة المركزية التي يراها "فرعاً لطهران" لاننا اذا اردنا ان نفسر ونذهب بعيدا وخارج السياق وعكس التيار الإعلامي وما يروج له حاليا يقدرة الحكومة العراقية في مواجهة الفصائل المسلحة , وبان العطلة الرسمية القسرية الشاملة لم تكن مجرد “لفتة إنسانية” بل كانت إشارة ضوئية حمراء للبيت الأبيض من قبل قادة الفصائل الولائية ومن معهم في الحكم مفادها :" أن الزيدي لا يزال يمشي وتتجه بوصلته الى طهران والإطار التنسيقي، مما يجعل زيارته المرتقبة محفوفة بمخاطر فقدان المصداقية والوقوع تحت ضغوط أمريكية غير مسبوقة لإثبات وجوده الفعلي كقائد مستقل غير خاضع لاي ابتزاز سياسي او اقتصادي "
ولكن الأخطر من ذلك، أن هذه المؤشرات وغيرها قد ترسم سيناريو مستقبلياً أكثر سوداوية وقاتماً للزيارة الرئاسية المرتقبة ، حيث ما نتوقعه بأن يعود "الزيدي" من العاصمة واشنطن محملاً ببنود "خارطة طريق" قاسية وملزمة زمنياً، تفرض عليه الشروع الفوري في تنفيذ إجراءات جذرية خلال فترة زمنية لا تتجاوز ستة أشهر، وتُترجم فيها الكلمات إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع بعيداً عن الشعارات والاهازيج الاعلام الحكومي بمحاربة الفساد . هذه الخارطة لن تكتفي بإنهاء النفوذ السياسي والاقتصادي الإيراني المتجذر، بل ستمتد لتشمل تفكيك البنية العسكرية التحتية للفصائل الولائية العقائدية بشكل كامل، وقطع شرايين التمويل الاقتصادي والشبكات اللوجستية التي تدعمها، مع فرض حظر مطلق على دمج أي من قيادات هذه الفصائل في المناصب الحكومية، سواء كانت مدنية أو عسكرية أو أمنية، تحت طائلة عقوبات دولية خانقة وإعادة رسم الخريطة التحالفية في المنطقة بما يتجاوز الحكومة المركزية في بغداد لتصل الى القوى السنية والاقليم الكردستاني . وبالتالي، نحن نرى بان العطلة الشاملة القسرية كانت بمثابة "القطرة التي أفاضت الكأس"، حيث قنعت واشنطن بأن الوقت قد حان للانتقال من مرحلة “الصبر الاستراتيجي” إلى مرحلة “الإنذارات النهائية”، ومطالبة "الزيدي" بإثبات وجوده كقائد سياسي مستقل قادر على كسر الحلقة المفرغة للنفوذ الإيراني، أو مواجهة عواقب وخيمة قد تصل إلى حد العزلة السياسية والأمنية، في اختبار مصيري سيحدد ليس فقط مستقبل حكومته، بل مصير الدولة العراقية ذاتها في معادلة الصراع الإقليمي المحتدم ؟.
وأخيراً، وليس آخراً، يبدو لنا وحسب رؤيتنا ومتابعتنا عن كثب للحدث العراقي , بأن شخصية رئيس الوزراء "الزيدي" التي نراها مهادنة حالياً مع قوى الإطار التنسيقي وقادة الفصائل الولائية المسلحة قد تكون مؤقتة . ولكن المؤشرات التي نراها حاليا قد تشير إلى احتمال تحول جذري في نهجه بعد عودته من واشنطن، ليصبح أكثر صرامة وجراءة ، وقد يصل الأمر إلى مواجهة مفتوحة واستخدام القطعات العسكرية لفرض سلطة الدولة على نفوذ الفصائل الولائية المسلحة . وهذا التحول — إن حدث فعلا — فلن يكون اعتباطياً، بل مرتبطاً بشكل وثيق الصلة بحجم الدعم الذي سيحصل عليه من الرئيس الأمريكي "ترامب" شخصياً ومن إدارة "البيت الأبيض"، بالإضافة إلى الدعم الإقليمي الخليجي، وخصوصاً السعودي والتركي ... فهل سينجح "الزيدي" في بدء مواجهة شاملة يضع فيها الجميع في أماكنهم الحقيقية، مستنداً إلى دعم خارجي، أم سيرضخ للضغوط القسرية لقوى الأحزاب الحاكمة ويتراجع أمام الخطوط الحمراء التي رسمتها "الدولة العميقة"؟ والرأي العام ليسوا ببعيدين عن الزيارة المرتقبة , لان الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، وقد تحدد ما إذا كان العراق على أعتاب مرحلة إصلاح حقيقي وجذري كما يروج حاليا في الاعلام الحكومي ، أو بداية مواجهة خطيرة قد تفتح أبواب فوضى جديدة لا يُحمد عقباها.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

844 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع