العصف الذهني لشباب الدول المتضررة من العدوان الإيراني رافد ذهبي لصُنّاع القرار ومستقبل المنطقة

بسام شكري


العصف الذهني لشباب الدول المتضررة من العدوان الإيراني رافد ذهبي لصُنّاع القرار ومستقبل المنطقة

قبل سنوات وفي غمرة التطور الهائل لإمارة دبي أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، نهج "العصف الذهني" وتبناه كأداة قيادية، لم يكن الأمر مجرد ترف إداري، بل كان ثورة فكرية لكسر النمطية. ومن خلال هذا النهج، نجحت دولة الإمارات في تفكيك أعقد المشكلات الاقتصادية والتنموية، والوصول إلى قرارات جريئة وأساليب مستحدثة أحدثت طفرات غير مسبوقة، وفي ظل مشهد إقليمي معقد تشابكت فيه الخيوط، وتبدلت فيه التحالفات بفعل العدوان الإيراني المباشر وغير المباشر على دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، والوضع الاستثنائي في العراق الذي بات ساحة لضربات متبادلة ومفتوحة حتى اختلطت الأمور على المواطن البسيط؛ فالضربات قادمة من ايران ومن ميليشياتها داخل العراق حيث قامت تلك الميليشيات بضرب رادارات الجيش العراق في جنوب وغرب العراق في الأسبوع الأول من حرب الأربعين يوما وقصفت ابأر نفط عراقية وناقلتي بترول وضربات من إسرائيل التي اعترفت بانها عملت قواعد عسكرية على الأراضي العراقية , لقد بات من الضروري نقل هذه الآلية التفكيرية الفعالة من أروقة الإدارة إلى وعي الشباب العربي.
إنني أدعو الشباب العربي، شابات وشباباً، في جميع البلدان التي طالها هذا المخاض، إلى جعل "إجازة العيد" محطة فاصلة، والانطلاق بعدها مباشرة في عقد حلقات حوارية وتجمعات عصف ذهني وطنية وعابرة للحدود، لا لجلد الذات، بل لاستخراج "عصارة الأفكار" وتقديمها كرافد ذهبي لصناع القرار يجيب على تساؤلات الواقع ويرسم خطط حماية المستقبل.


أولاً: تفكيك أدوات التضليل وتحصين الشباب ضد التجنيد
يجب أن يركز العصف الذهني الشبابي في مقامه الأول على الأمن الفكري الداخلي، ومواجهة محاولات اختراق العقول:
محور مواجهة التجنيد والاستخبارات: كيف نتمكن من تحصين شبابنا ضد موجات التجنيد الإيرانية والإخوانية الممنهجة؟ وهي الموجات الخطيرة التي أدت للأسف إلى ظهور "جيوب عميلة" داخل مجتمعاتنا، تحولت إلى أدوات استخباراتية تنقل المعلومات للعدو وتنفذ عمليات تجسسية لتصحيح إحداثيات ضرباته واستهدافاته.
محور اختراق المجتمعات البسيطة: كيف ولماذا نجحت جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر سابقاً في شن حملات ممنهجة ضد دول الخليج، مستخدمة المواطن البسيط كأداة ورأس حربة في مشروع لا يخدم وطنه؟
محور المعادلة الأردنية والوعي الوطني: كيف نجح التيار الإخواني في الأردن في حشد الرأي العام لصالح البروباغندا الإيرانية بحجة "محاربة إسرائيل"؟ وكيف حاول هذا التيار طمس الهوية الوطنية الأردنية والهجوم على الرموز الإعلامية والسياسية التي تدافع عن أمن المملكة؟ (وهنا نستذكر نموذج الوزير السابق سميح المعايطة الذي تحول بفضل مواقفه الصلبة إلى رمز للوطنية من جهة، وهدفاً لسهام ذيول الميليشيات من جهة أخرى).


ثانياً: غربلة المنظومة الإعلامية واختراق "الرأي والآخر"
من أهم ملفات العصف الذهني الملحّة هي مكاشفة المنظومة الإعلامية العربية والخليجية التي تبين أنها مخترقة في مفاصل عديدة:
محور منع أبواق العدو ومحاسبتها: كيف نتمكن من إجبار القنوات الإخبارية الخليجية على التوقف فوراً عن الاستعانة بعناصر المخابرات الإيرانية وذيويل طهران في العراق، ولبنان، ومصر؟ إن استضافة هؤلاء يمنحهم منصة مجانية لبث أفكار العدو، مما يساهم في رفع معنويات عملائه وتثبيط همم شبابنا. ويجب مناقشة آليات معاقبة تلك القنوات أو إغلاقها لأنها فشلت في نشر الأخبار الحقيقية ونشرت وجهة نظر العدو وغيبت وجهة نظرنا الشريفة.
محور تغييب الشرفاء وسقوط القناع: لعل أبرز دليل على هذا الاختراق هو أن ذيول إيران في العراق -من مسؤولين ووزراء في حكومة الميليشيات- كانوا هم "أبطال الشاشات الخليجية"، في وقتٍ مُنع فيه أي عراقي وطني معارض لإيران من الاستضافة! وهذا يؤكد سقوط تلك المنظومة في فخ شعار "الرأي والرأي الآخر" المضلل الذي قادته قناة الجزيرة لتشويه الحقائق لصالح المشروع الإيراني.


ثالثاً: حلفاء المصلحة وانهيار الحماية الخارجية
من أكثر الأسئلة إلحاحاً التي يجب على الشباب تفكيكها هي جدوى الاعتماد على القوى الدولية:
سؤال للمناقشة الجريئة: تروج الماكينة الإيرانية بأن ضرباتها لدول الخليج تأتي بسبب وجود "القواعد الأمريكية". إذا تماشينا مع هذه الفرضية جدلاً، أين كان دور أمريكا في حماية المنطقة؟ ولماذا غادرت القوات الأمريكية أو تراجعت خطوات إلى الوراء في ذروة الحاجة إليها وقت العدوان؟ وإذا كان وجودهم للحماية، فكيف يهربون في وقت الحاجة لهم؟


رابعاً: محاور الحل الاستراتيجي (مستقبل الخليج والمنطقة)
هنا يكمن الجوهر الحقيقي لعصف الشباب الذهني، حيث يجب الانتقال إلى طرح حلول استراتيجية جريئة وقابلة للتنفيذ لتقديمها لأصحاب القرار:
1. توحيد العملة النقدية الخليجية (سلاح سيادي رادع)
يجب إعادة ملف "وحدة النقد الخليجي" إلى الطاولة كحل رئيسي وجوهري لتقوية دول الخليج سياسياً واقتصادياً. على العصف الذهني أن يتساءل بجرأة عن المعوقات الحقيقية: هل هي خلافات سيادية وفنية كما يُشاع حول اختيار مقر البنك المركزي الخليجي والنزاع بين الرياض وأبو ظبي مثلاً؟
أم أن الحقيقة تكمن في رفض أمريكا وبريطانيا القاطع لتوحيد العملة خوفاً من القوة المرعبة التي ستمتلكها عملة خليجية موحدة مغطاة بالنفط والغاز مما قد يؤدي إلى سقوط الدولار والجنيه الإسترليني؟
إن توحيد العملة هو خطوة الحماية الأولى للاقتصاد والسيادة.
2. المعادلة العراقية واليمنية (التكامل البشري والعسكري)
تحويل قوة العراق لصالح الخليج: كيف يمكننا تحويل قوة وثقل العراق لصالح العمق الخليجي والعربي، وتحريره من هيمنة الميليشيات الإيرانية، بعيداً عن العبث والمصالح البريطانية والأمريكية؟
تأسيس جيش المنطقة المشترك: إن دول الخليج تمتلك القوة المالية والدعم اللوجستي، في حين يمتلك العراق واليمن الثروة والبشرية والقوة القتالية العالية. الحل الاستراتيجي يكمن في الاستعانة بالقوة البشرية العراقية واليمنية المخلصة وتدريبها لعمل جيش مشترك قوي ومحترف يحمي المنطقة والمال الخليجي، ويشكل رادعاً عسكرياً حقيقياً يغنينا عن الاعتماد على القواعد الأجنبية التي تخذلنا وقت الأزمات.
3. تحرير اليمن الشامل وفرض الإرادة الدولية
لا يمكن الاستقرار والعدو يحكم خاصرة الخليج الجنوبية، يجب على دول الخليج مجتمعة أن تتحرك فوراً وبخطوات حاسمة لـ تحرير اليمن بالكامل من الميليشيات الإيرانية (الحوثية)، واستخدام نفوذ الخليج الدولي والسياسي والاقتصادي الضخم لفرض هذا التحرير على المجتمع الدولي، وقطع الذراع الإيرانية من اليمن نهائياً لضمان أمن باب المندب.
4. استثمار أوراق القوة والاقتصاد
نحن الذين نبيع البترول، الغاز، والمواد الأولية لدول الاتحاد الأوروبي. كيف نستثمر هذه العلاقات الاقتصادية الحيوية وتوظيفها لفرض شروطنا وحماية أراضينا ومصالحنا الوطنية؟ في فتح مضائق هرمز وتحرير العراق واليمن من الاحتلال الإيراني ومنع إسرائيل من التدخل في شؤوننا الداخلية، لقد منحت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران ولبنان إسرائيل سطوة جعلتها تعتقد إنها تتحكم بالمنطقة وفي نفس الوقت أصبحت سمعتها الدولية في الحضيض نتيجة الإبادة الجماعية التي مارستها في غزة.

ماهي قواعد تكامل العقول في عمليات العصف الذهني؟
لا قيود في العصف الذهني، إن نجاح هذه الورش الفكرية الشاملة يتطلب كسر الحواجز التقليدية؛ فليس عيباً -بل هو فخر ومسؤولية- أن يقود هذه الاجتماعات أمير، أو شيخ، أو أستاذ جامعي، ليكون موجهاً ومستمعاً لعصارة أفكار هذا الجيل.
كما أن التجمعات يجب أن ترتكز على المشاركة الكاملة للجنسين (الشابات والشباب)؛ فالمرأة تفكر بطريقة ذكية، تحليلية، وتكاملية تلتقي مع تفكير الرجل لتشكل رؤية شاملة وقادرة على صناعة الفارق وحماية الأمن القومي العربي.
يا شبابنا العربي... إن الأوطان لا تحميها الشعارات، بل تحميها العقول المتقدة التي تجرؤ على طرح السؤال، وتملك الشجاعة لابتكار الإجابة وتطهير وعيها من اختراقات الأعداء ورسم ملامح النصر القادم بأيدينا، ولقد وحدنا العدوان الإيراني بدون أن يقصد فقد ضربنا جميعا ولم يفرق بيننا لذلك علينا التوحد أسوة بالتجارب العالمية كالاتحاد الأوروبي مثلا.
لقد كان الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

631 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع