متابعات في أزمة الحرب مع ايران وتداعياتها

الدكتور هاني الحديثي -المانيا

متابعات في أزمة الحرب مع ايران وتداعياتها

بعد مرور خمسة أسابيع على الحرب الدائرة مع ايران و حلفائها الإقليميين تبدو الصورة شائكة ومعقدة في مساعي الحسم فيها ورسم مسارات المستقبل لها .
ترامب يحاول حتى الان ممارسة أقصى الضغط النفسي على قيادات ايران بذات الوقت الذي يستمر بشكل تصاعدي في توجيه ضربات للبنى الارتكازية المهمة للاقتصاد الإيراني .
تصريحه المفرط الأخير بوضع ايران بين خيارين لغاية السادس من هذا الشهر القبول بالصفقة وفتح مضيق هرمز ، او الجحيم عليها ، واجهته ايران بالرفض ورد فعل مماثل حين اكد الناطق الرسمي الإيراني ان الجحيم سيكون عليها الامر الذي ينذر باشعال المنطقة كلها ليدخل العالم بحرب اوسع وتداعيات اخطر على مجمل النظام الدولي خاصة بعد دخول الحوثيين على خط المواجهة واحتمالات اغلاق مضيق باب المندب ، والمقترن بتصعيد اسرائيل حربها على حزب الله في جنوب لبنان والذي ادخل لبنان في الحرب خارج إرادة الدولة اللبنانية الأمر الذي دفع نحو توغل بري اسرائيلي جنوب الليطاني وتهديد الامن الوطني اللبناني اثر طلبات اسرائيلية باخلاء المناطق الحدودية بين لبنان وسوريا حيث تتواجد جماعات حزب الله في مواجهة احتمالات التدخل بالشأن السوري .
الصين تبدو راغبة في الدخول على طريق الوساطة من خلال باكستان اولا ثم بشكل مباشر إلى جانب حليفتها التقليدية الباكستان بذات الوقت الذي تزود فيه ايران بمنظومات متطورة للدفاع الجوي اثبتت فاعليتها في الأيام الأخيرة للحرب لتثبت للإدارة الأمريكية انها موجودة وفاعلة ليس فقط اتجاه تايوان حيث البعد الاستراتيجي والخط الأحمر عند الصين، بل في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط حيث العقدة الجيواستراتيجية لمشروع الحزام و الطريق ، وهو الموقع الذي يمكن ان تستحقه كضامنة لاي صفقة محتملة مع ايران في حال ترجيح الذهاب الى المفاوضات.

أوروبا من جهتها بدات تشعر بالحرج والضيق في موقفها بين الدخول على خط الضغط لإعادة فتح مضيق هرمز بالطرق الدبلوماسية لإخراج الإدارة الأمريكية من ورطتها في مضيق هرمز والحرب مع ايران التي قد تأخذ أبعاد اوسع مما كان متوقعا لدى ترامب و لتكون بجانب الصين ، او خسارة الموقف الأمريكي في أزمة حرب أوكرانيا الأمر الذي سيرجح الكفة لصالح روسيا مما يهدد الامن الأوروبي من وجهة نظر اوروبا التي ذهبت مؤخرا إلى مظاهر (التعبئة العامة ) في مواجهة جميع الاحتمالات ، مع الاحتفاظ بالدفاع عن استمرار تكتل النيتو في مواجهة المخاطر التي تهدد الامن الأوروبي .

بلدان الخليج العربي ومنطقة المشرق العربي الآسيوي تحديدا تجد نفسها بين مطرقة الحرب الأمريكية -الاسرائيلية التي تتوسع على حساب الامن الاقليمي من جهة ،و سندان التداعيات على امنها الوطني والقومي في حال الذهاب إلى صفقة تنقذ النظام الإيراني. وتترك له فرصة العودة بشكل اكثر خطورة على تركيبة البنية الداخلية للدول المشرقية مما سبق وحصل فيها ، وهي الحقيقة المخفية لدى غالبية العرب عن واقع وطبيعة السياسة الإيرانية اتجاه المنظومة العربية وكيف تنظر لامة العرب كتحد اول لحضارتها وتطلعاتها، وسعيها لإعادة المجد الإمبراطوري بعباءة دينية .
ياتي ذلك في ظل تصاعد الحرب بين اسرائيل في جنوب لبنان مع حزب الله المسنود من وكلاء ايران في اليمن و العراق وخلاياها النائمة في بلدان الخليج العربي وتداعيات ذلك سلبا على مجمل الوضع الأمني في اقليم المشرق العربي (الأردن وسوريا ) فضلا عن بلدان الخليج العربي .
العراق هو الدولة الأكثر أهمية جيوبولتيكيا ، ولكنه ايضا الأكثر هشاشة بين بلدان المشرق العربي حيث الافتراقات الواضحة داخليا بين الهوية العربية التي تواجه التهميش داخليا وعن قصد وتخطيط مسبق ، والهوية المذهبية الولائية لايران بفعل الارتباط العقائدي لفصائل فاعلة مع عقيدة الولي الفقيه الصفوية .
في ضل هذا الوسط العربي المنفعل والمتفاعل بشكل متباين ،تبدو مصر تغادر المشهد تدريجيا كقطب عربي كان مؤملا بروزه إلى جانب السعودية وتركيا والباكستان كقوة عربية-إسلامية ضامنة للأمن الاقليمي بعد ان أدارت ظهرها لبلدان الخليج العربي التي ضلت داعمة لها في حاجاتها الاقتصادية ومشاريعها التنموية طيلة العقود الثلاث الماضية وتحديدا بعد مشاركتها لبلدان الخليج العربي وتحت المظلة الأمريكية في اسقاط النظام السياسي العراقي ومشروعه القومي مقابل إطفاء الديون المترتبة عليها عام 1991 م ليبدو هذا المشهد متفاعلا مع عقد اتفاقيات كمب ديفيد والخروج عن الإجماع العربي نهاية عقد السبعينات خلافا للدور المحوري الذي لعبته طيلة عقود ماقبل اتفاقية كامب ديفيد .

في ضوء ذلك يمكن تحديد ابرز المسارات خلال الأيام وربما الأسابيع المقبلة نحو :
اولا : حريق شامل (تنتحر ) فيه ايران الدولة وليس فقط النظام الثيوقراطي .بمعنى ان سيناريو الحرب وفق تهديدات ترامب بالجحيم على ايران (في حال حصوله فعلا ) سوف لن يقتصر على إنهاء النظام فيها ،انما تدمير واسع لأركان الدولة اجتماعياً واقتصادياً وحتى جغرافيا، لتبدأ ايران مسيرة معقدة من التراجعات الهيكلية و البنيوية على غرار ماحصل للعراق على مدى 13 عاما من الحروب والحصار واستنفاذ الموارد الحيوية لصالح الاخرين ،ان هذا المشهد يمكن ان يعيد ايران لحالة تقاسم النفوذ عليها بين القوى العظمى والكبرى. كما حصل اثر الحرب العالمية الثانية وهو اخطر ما تواجهه ايران الان لما يترتب عليه من تداعيات تعبر ايران لتشمل مجمل محيطها الاقليمي .
ثانيا :تغليب مفاوضات الصفقة الشاملة بين ايران و الإدارة الأمريكية واعادة فتح مضيق هرمز في ظل واقع إقليمي و دولي لم يعد يحتمل اطالة امد الحرب اكثر وتبدو لي ان طروحات وزير الخارجية الايراني الأسبق جواد ظريف تبدو مناسبة في عقد الصفقات التي تراعي مصالح طرفي الحرب القائمة .
هنا ستكون ملامح النظام الدولي الجديد قد بدأت بالوضوح اكثر نحو استمرار الهيمنة الأمريكية ، او الاتجاه نحو النظام الدولي متعدد الأقطاب وفي قمته كل من الولايات المتحدة والصين تليهما روسيا وأوروبا كقوى كبرى تعيد صياغة علاقاتها مع الأقطاب الرئيسية تبعا للمتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية .

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

789 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع