
اللواء الركن
علاء الدين حسين مكي خماس
هل نحن أمام حرب محدودة أم بداية انزلاق استراتيجي؟
قراءة في التعزيزات الأمريكية الأخيرة وتحديات الحسم في الخليج
في الحروب الحديثة، لا يُقاس التصعيد بعدد الضربات الأولى، بل بطبيعة القوات التي تُحشد لاحقاً، وبالرسائل الاستراتيجية الكامنة خلف هذا الحشد. وما نشهده اليوم من تعزيزات أمريكية متسارعة في منطقة الخليج لا يعكس فقط استعداداً لعمل عسكري محتمل، بل يكشف عن معضلة أعمق تتعلق بمدى قدرة هذه القوات على تحقيق الأهداف المعلنة.
لقد جاء في المقال المنشور بتاريخ 27 مارس على مجلة Foreign Affairs بعنوان “The War in Iran Could Become Like the War in Ukraine” قراءة نقدية مهمة لمسار العمليات العسكرية الجارية ضد إيران، حيث ركّز الكاتب على نقطة جوهرية غالباً ما تغيب عن التحليلات الإعلامية السريعة، وهي أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق حسم استراتيجي. إلا أن التطورات اللاحقة، حتى تاريخ 29 مارس، تضيف بعداً جديداً يستحق التوقف عنده.
فالتعزيزات الأمريكية الأخيرة – والتي تشمل زيادة القدرات الجوية، ووصول السفينة “تريبولي” وعلى متنها أكثر من 3500 من قوات مشاة البحرية (المارينز)، إضافة إلى وضع الفرقة 82 المحمولة جواً في حالة إنذار أو ربما البدء بتحريكها، مع تهيئة ما يقارب 10,000 جندي إضافي – ترفع حجم القوة البرية المتاحة إلى حدود 17,000 جندي.
وهنا تبرز الإشكالية الجوهرية.
فهذا الحجم من القوات، وبالنظر إلى طبيعة المهام التي يتم الحديث عنها، مثل احتلال جزيرة خرج، أو السيطرة على جزيرة أبو موسى، أو حتى تأمين مضيق هرمز، لا يبدو كافياً من الناحية العسكرية والعملياتية لتحقيق هذه الأهداف بشكل حاسم ومستدام.
إن أي عملية من هذا النوع، حتى وإن بدت محدودة جغرافياً، تنطوي على تعقيدات كبيرة. فاحتلال جزيرة مثل خرج، على سبيل المثال، لا يعني فقط تنفيذ عملية إنزال ناجحة، بل يتطلب القدرة على الاحتفاظ بها في مواجهة رد فعل إيراني متوقع، قد يشمل استخدام الصواريخ، الزوارق السريعة، الطائرات المسيّرة، وحتى عمليات غير تقليدية. وكذلك الحال بالنسبة لمضيق هرمز، الذي لا يمكن “فتحُه” بقرار عسكري سريع، بل يتطلب سيطرة بحرية وجوية مستمرة، وقدرة على تحييد التهديدات غير المتكافئة، وهو أمر يتطلب قوات أكبر بكثير وانتشاراً أطول مدى.
ومن هنا، فإن ما نشهده قد لا يكون تحضيراً لحسم عسكري سريع، بقدر ما هو استعراض قوة أو محاولة لفرض ضغط سياسي وعسكري على إيران، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن هذا النوع من “التصعيد المحسوب” يحمل في طياته مخاطر كبيرة، إذ أن أي احتكاك غير محسوب، أو رد فعل إيراني يتجاوز التوقعات، قد يدفع الأمور نحو تصعيد أوسع يصعب احتواؤه.
إن التاريخ العسكري الحديث، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، يقدم دروساً واضحة: التفوق العسكري لا يضمن النصر، ما لم يكن مصحوباً برؤية استراتيجية واضحة، وقوة كافية لتحقيق الأهداف السياسية المعلنة، وليس فقط تنفيذ العمليات الأولية.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه اليوم ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة تنفيذ هذه العمليات؟ بل: هل تملك الحجم المناسب من القوة، والإرادة السياسية، والاستراتيجية الواضحة لتحويل هذه العمليات إلى نتائج مستقرة ودائمة؟
في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن الجواب لا يزال غير مكتمل.
خاتمة استراتيجية
إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس احتمال الحرب بحد ذاته، بل الدخول فيها دون وضوح كافٍ في الأهداف النهائية أو دون توفير الموارد الكفيلة بتحقيقها. فالحروب لا تُقاس ببداياتها، بل بنهاياتها، والتاريخ مليء بقوى كبرى دخلت صراعات محدودة ظاهرياً، لكنها تحولت إلى استنزاف طويل ومكلف.
ومن هنا، فإن أي عملية عسكرية في هذا المسرح الحساس يجب أن تُقاس ليس فقط بقدرتها على تحقيق تأثير سريع، بل بقدرتها على الصمود، والاستمرار، وتحقيق استقرار دائم. وفي غياب ذلك، فإن التصعيد الحالي قد لا يقود إلى الحسم، بل إلى انزلاق تدريجي نحو صراع أوسع، قد تتجاوز تداعياته حدود المنطقة بأكملها.

782 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع