الراشي والمرتشي في دولة الفساد

بدري نوئيل يوسف

الراشي والمرتشي في دولة الفساد

تعريف
الراشي (دافع الرشوة): هو من يدفع المال أو يقدم منفعة للوصول إلى غاية غير مشروعة، أو لتسهيل أمر غير قانوني، أو للتقدم على غيره بغير حق.
المرتشي (آخذ الرشوة): هو الموظف أو المسؤول الذي يقبل المال أو المنفعة مقابل أداء عمل مخالف للأمانة، أو تعطيل الحقوق، أو تقديم الراشي.
مقدمة
دور الراشي والمرتشي في دولة الفساد: كوميديا سوداء بنكهة يومية:
في دولة الفساد، لا يُنظر إلى المواطن كإنسان له حقوق، بل كـ مورد طبيعي يُستخرج منه الصبر، والضرائب، والابتسامات القسرية. وهنا تتعدد أدواره، وكلها أدوار مساندة لا تُمنح جوائز.
في دولة الفساد، لا يُولد الراشي كباقي البشر، بل يُصنع في مختبرات التزوير وصالات الانتظار المظلمة حيث تُطبخ الصفقات على نار المصالح الشخصية. أول ما يميز هذا الراشي هو موهبته الخارقة في ارتداء الأقنعة: فهو معك حين تكون الفائدة لك، وضدك حين تميل الرياح إلى جهة أخرى. لا يجيد إلا لغتين: لغة الرشوة ولغة المجاملة المفرطة، وكلاهما يخدم الهدف ذاته تسهيل المرور عبر أبواب المصالح المغلقة.
الراشي في دولة الفساد يتقن فن التصفيق للحاكم ولو كان بلا يدين، ويبرع في ترديد الشعارات المزيفة حتى يكاد يصدقها هو نفسه! لا يمكن أن يخطئ في معرفة من يجب أن يتودد إليه، فهو يمتلك بوصلة داخلية تشير دائمًا نحو صاحب السلطة أو صاحب المال. أما ضميره؟ فقد اختفى منذ زمن بعيد، واستبدل مكانه بآلة حاسبة تحسب الأرباح والخسائر فقط.
وللتأكيد على وطنيته، يحرص الراشي على أن يكون أول من يحضر حفلات التكريم وأول من يرفع يده لتأييد القرارات مهما كانت عبثية. هو خبير في اصطناع الابتسامات وتوزيع الوعود الكاذبة، لكنه يختفي فجأة عندما تظهر أول بوادر المحاسبة، ليعود لاحقًا في هيئة جديدة باسم أكثر لمعانًا!
في النهاية، يبقى الراشي في دولة الفساد رمزًا للفهلوية والالتواء، يكتب سيرته الذاتية تحت عنوان كيف تصبح ناجحًا في زمن الرداءة؟ يظل يتنقل بين المكاتب والصفقات، يوزع الولاء في الصباح ويبيع المبادئ في المساء، حتى يُقبض عليه يومًا، أو يستمر في كونه جزءًا من المشهد الكوميدي الكبير!
يذهب الراشي للمصلحة الحكومية حاملاً أوراقه، يضعها أمام الموظف، وينتظر النتيجة. يا له من روتين قاتل للابتكار! أما في دولة الفساد، فالأمر لا يتعلق بالورق، بل بـ الكيمياء البشرية وقدرتك العالية على قراءة لغة العيون (وجيوب السراويل).
في دولة الفساد المُتقدمة تلك التي نعيش فيها، ونُنكر وجودها في نفس الوقت، يظن البعض أن الفساد يقتصر على الموظف الجشع، والوزير الذي يبني قصوراً من المال العام، والنائب الذي يبيع صوته بالجملة. خطأ فادح. الفساد نظام متكامل، والراشي (أي المواطن العادي، أنت وأنا وجارنا الذي يشتم الدولة كل يوم) هو الشريك الأساسي والمُمول الخفي والزبون الدائم.
أنواع الراشي
الراشي المُسرّع (الذي يقول خلّصني بسرعة).
هذا هو الطراز الأكثر شيوعاً. يدخل الموظف مكتبه، ينظر إليك بنظرة الورق ناقص، فتُخرج الـ 100 دولار (حسب سعر الصرف اليومي للكرامة) وتقول بابتسامة الضحية المُدربة جيداً: يا أستاذ تفضل هدية للأطفال. تهانينا! لقد قمتَ للتو بتمويل جولة جديدة من تحسين الخدمة السريعة، ورفعتَ متوسط الدخل الشهري للموظف بنسبة ٤٠٪ دون أن يرفع راتبه رسمياً. أنت لست راشياً أنت مستثمر في تحسين كفاءة القطاع العام!
الراشي الفيلسوف (الذي يقول الكل فساد يا ابن العم)
هذا النوع خطير جداً على النظام، لكنه في الوقت نفسه أهم داعم له. يجلس في القهوة، يشرب قهوة بسكر زيادة، ويُلقي محاضرة ساعة ونصف عن الكل حرامية، ثم عندما يحتاج استخراج شهادة ميلاد لابنه، يدفع الرشوة ويقول: ما اكو فايدة لازم نعيش. هو يُنتج اليأس الجماعي الذي يُجبر الجميع على الدفع، وفي نفس الوقت يُبرّر لنفسه وللآخرين استمرار الدفع. بدون هذا النوع لما استمر النظام أكثر من أسبوعين.
الراشي المُحترف (السمسار صاحب الختم)
هذا النموذج المتطور. لا ينتظر دوره، بل يتصل بـ فلان الذي يعرف فلان، يدفع عمولة للوسيط، والوسيط يدفع للموظف، والموظف يدفع لمديره، والمدير يشتري قصرا جديد. دورك هنا؟ أنت المحرك الأول في السلسلة. بدون زبائنك المُتعجلين لن تكون هناك سلسلة قيمة فسادية متكاملة.
الراشي الصامت (الذي لم يدفع لكنه يوافق)
يجلس في الطابور، يرى الشخص الذي جاء بعدَه يدفع ويخرج في دقيقتين، فيبقى صامتاً لا يشتكي، لا يصوّر فيديو، لا يكتب منشوراً على فيسبوك. صمته هو الموافقة الضمنية. هو الذي يقول للموظف: افعل ما تشاء الشعب معاك.
الراشي بصفة مهندس ديكور
الدور الأول للراشي هنا هو تجميل قبح الواقع. لا يصح أن تطلب حقك بجفاء؛ عليك أن تطرز طلبك بعبارات من قبيل هذا مجهودك يا استاذ أو حق الشاي. أنت هنا لست مجرد راشي، بل أنت ممول لمشاريع الموظف الصغيرة (مثل لفة الكباب أو دروس ابنه الخصوصية). أنت هنا تساهم في إعادة توزيع الثروة بعيداً عن تعقيدات البنك المركزي.
الراشي البطل السينمائي
في دولة الفساد، الراشي يجب أن يكون ممثلاً بارعاً. إذا كنت تريد حقك بسرعة، عليك أن تتقمص دور الرجل الواصل الذي يعرف الكبار. وإذا كنت تريد استعطاف الموظف، عليك أن تتقمص دور المسكين الغلبان الذي تقطعت به السبل. الصدق في هذه الدولة هو خطيئة تقنية تعطل السيستم، بينما الأداء الدرامي هو الذي يفتح الأبواب المغلقة.
الراشي كـ خبير أرصاد جوية
الراشي المحترف هو من يعرف متى يهجم. لا تذهب للموظف وهو يشرب القهوة، ولا تذهب وهو يقرأ الجريدة، ولا تذهب قبل الانصراف بساعة. عليك أن تراقب الحالة النفسية للمدير؛ فإذا كان مزاجه رائقاً، فالتوقيع مضمون، وإذا كان عصبيا، فالقانون فجأة يصبح صارماً جداً ولا يسمح بالاستثناءات.
بين السطور (الجانب الهادف)
بعيداً عن السخرية، إن تحول الراشي إلى شريك في الفساد هو المسمار الأخير في نعش التنمية. عندما
نقتنع أن الواسطة هي ذكاء، وأن الرشوة هي تسهيل، فنحن لا نشتري وقتاً، بل نشتري خراباً لمستقبل أبنائنا. دولة الفساد لا تسقط فقط بتغيير المسؤولين، بل تسقط عندما يقرر الراشي أن يكون مواطناً يرفض دفع ثمن حقه مرتين؛ مرة للضرائب، ومرة لضمير الموظف الميت.
في دولةٍ يزدهر فيها الفساد كما يزدهر العفن في غرفة رطبة بلا نوافذ، يصبح دور الراشي أي المواطن العادي أشبه بدور كومبارس في مسرحية عبثية لا يعرف أحدٌ فيها النص، بينما يعرف الجميع النهاية.
خلاصة المشهد
الخلاصة الساخرة المريرة في دولة الفساد، الراشي ليس ضحية، هو شريك مؤسس. يدفع الرشوة يُمول النظام يشتكي من الفساد يُنتج اليأس الذي يُبقي النظام يصمت يُعطي الضوء الأخضر يدفع لخاطر الوقت يُثبت أن الوقت أغلى من الكرامة لذلك، في المرة القادمة التي يطلب منك الموظف تسهيلة، تذكّر.
أنت لست مجبراً أنت مُشارك في بناء الاقتصاد الموازي الأكثر نجاحاً في تاريخ الوطن. فليحيا الراشي عرّاب الفساد وعماده الأول! في دولة الفساد، دور الراشي ليس خدمة تُقدَّم له، بل اختبار صبر طويل الأمد. ومع ذلك، يظل المواطن يحاول، ويبتسم، ويقول: يمكن غدا أحسن رغم أنه يكره نفسه وغير متفائل.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

984 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع