
موفّق الخطاب
تحت المجهر - (تخلخل راية… وبداية حكاية)
أربعةُ أيامٍ مضت على اندلاع هذه الحرب ، ولم أتناولها بأي منشور أو تغريدة أو مقال، رغم العديد من الاتصالاتٍ والاستفسارات من قرّائي الكرام عن سبب إحجامي .
والحقيقة أنني، مثلكم، أتابع الأخبار، وأقرأ كمًّا هائلًا من التحليلات والآراء بصددها. وأرى أنه من التعقل والحكمة أن لا ينجرف الكاتب ويستل قلمه مع أول إطلاقة مدفع، بل يجب عليه قراءة المشهد من جميع جوانبه، ثم بعد ذلك يتناول ما يملي عليه ضميره بإنصاف واعتدال، بهدف مخاطبة العقول وتهدئة النفوس ووضع الحلول.
ففي ظل الحرب المشتعلة التي تشهدها منطقتنا، والتي لا أحد يتنبأ بتداعياتها، فالحروب تشتعل بشرارة وتنتشر مثل النار في الهشيم، وغالبا ما يستعصي على الجميع تداركها وإخمادها.
هذه الحرب تختلف عن جميع الحروب التي عاصرناها سابقا، التي غالبا ما كانت بين طرفين متنازعين اما على حدود أو توسع أو طمع، أو لأسباب اقتصادية أو عقائدية دينية. أما اليوم، فنحن أمام حرب شاملة لجميع تلك الأهداف، ومفتوحة على كل الاحتمالات. فاليوم لن تدور رحاها في طهران أو تل أبيب فقط، بل طالت جميع دول الخليج العربي، والأردن، والعراق، وقبرص، ولبنان، واليمن، وستمتد في الأيام المقبلة لتجد دول أخرى نفسها منخرطة في أتونها مكرهة.
وقد تم حشرنا عنوة بين أطرافها الثلاثة (إيران، وأمريكا، والكيان الصهيوني) حيث يجمعهم هدف واحد هو بسط هيمنتهم على المنطقة، ولا يهمهم مصالح شعوبها قاطعة، وكل واحدٍ منهم يُنافس الآخر على النفوذ.
ولن يبقى العالم صامتا أمام تهديد إيران لأمن الممرات البحرية، وإغلاق مضيق هرمز، وما يتبعه من اضطراب في أسواق الطاقة. كل ذلك مؤشرات خطيرة لتوسع الصراع، وما يتبعه من تصاعد القلق الشعبي والرسمي، والضغط الشعبي على أنظمتها بسبب الشلل الاقتصادي.
تدخل منطقتنا اليوم مرحلة بالغة الخطورة، فالنيران لم تعد محصورة في ميادين القتال، بل امتدّ لهيبها إلى الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي والأمن الوطني، واضعة الجميع أمام مفترق طرق تاريخي.
وفي هذا السياق، فإن حادثة اغتيال المرشد الإيراني تمثل القشة التي قصمت ظهر البعير، وتشكل ذروة مسار طويل من التوترات والصراعات التي أسهمت سياسات طهران في تأجيجها عبر وكلائها، وسياستها التوسعية تحت يافطة "تحرير القدس".
لقد أفضى الرجل إلى خالقه بعد مسيرة امتدت لأربعة عقود، ولا ينبغي أن نجعل من حادثة اغتياله بؤرة صراع، رغم أنه خلال العقود الماضية اتبع نهجا توسعيا قائما على تصدير الثورة عبر الأذرع الإقليمية، وتغذية بؤر الصراع، وتكريس منطق المواجهة بدل منطق الدولة الوطنية المستقرة.
وكانت النتيجة كارثية اولا على الشعب الإيراني الذي عانى لعقود من هذه السياسة فضلا عن ترنح عواصم عربية أنهكها الاستنزاف، وشعوب دفعت أثمانا باهظة من أمنها واستقرارها وتنميتها.
ومن هنا، فإن طي صفحة تلك المرحلة ضرورة بالغة الأهمية، وبهذا المعنى، فإن عكس ذلك قد يكون بداية صراع جديد ربما أشد تعقيدا، إن لم تُحسن الأطراف المعنية قراءة المشهد واستيعاب الدرس التاريخي.
فالشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب إعادة تشكيل واسعة، تحالفات تتبدل، وخرائط نفوذ يعاد رسمها، وموازين قوى يعاد ضبطها وفق حسابات الكبار. وفي مثل هذه التحولات، تصبح الدول التي تفتقر إلى التماسك الداخلي أو الرؤية المشتركة أكثر عرضة للضغط والابتزاز، ثم التفكك.
وفي خضم هذا المشهد، تنشط أبواق التحريض، محاولة تحويل الحدث إلى ساحة تراشق بين شامت وغاضب، بما يؤسس لمزيد من الانقسام داخل المجتمعات العربية والإسلامية، ويُبعد الأنظار عن جوهر القضية حماية الأوطان وصون استقرارها.
إن أخطر ما يمكن أن ننحدر إليه الآن هو الانجرار خلف الانفعالات والركون إلى العاطفة، بينما تُدار التحولات الكبرى بعقل بارد وحسابات دقيقة.
إن المسؤولية الوطنية تقتضي من دول الخليج وسائر الدول العربية أن تعزّز تنسيقها، وتحصّن جبهتها الداخلية، وتسد الثغرات التي قد ينفذ منها الطامعون، وأن يكون للمواطن دور فاعل في صد الإشاعات والفتن.
فالأمن الخليجي كلٌّ لا يتجزأ، وأي استهداف لدولة منفردة هو استهداف للمنظومة بأكملها.
إن البديل عن التكاتف ورص الصفوف خلف القيادات هو الفوضى، وأخطر ما نواجهه اليوم هو ارتهان البعض لمشاريع الآخرين. وما لم تتعظ الشعوب من دروس العقود الماضية وما جرى لشعوب ودول ارتهنت مصيرها وتخلت عن سيادتها، فقد تجد نفسها أمام موجة جديدة من الصراعات يسهل فيها الانقضاض عليها.
لذلك، فإن المرحلة تفرض خطابًا وطنيًا مسؤولا، واضحا، لا يُزيّف الحقائق ولا يبرّئ السياسات، ويعالج الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا المنعطف الخطير. نحن بحاجة إلى خطاب يوازن بين الصراحة والحكمة، ويجعل من أمن الأوطان و وحدة الصف أولوية لا تقبل المساومة.
فالحذر واجب، والوعي ضرورة، والتكاتف سبيل النجاة…
وفي زمن التحولات العاصفة، لا يبقى ثابتا إلا ما كان راسخا في وحدته ومتماسكا في صفّه.

865 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع