الحضارة الاندلسية واثرها في الغرب الاوربي

الدكتورة
همسه صالح عبدالقادر

  الحضارة الاندلسية واثرها في الغرب الاوربي

إن بلد الأندلس قد حظيت خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي باهتمام كبير وعناية ملحوظة من قبل عدد كبير من الدارسين والباحثين الجامعيين في كثير من الأقطار العربية والأجنبية في شكل مقالات أو مؤلفات مستقلة، تمثّل حصيلة مجهوداتهم، وهي اتجاهات منهجية متنوعة وتصورات متباينة عن ذلك الصقع القصي من الغرب الإسلامي، وعن جوانب من الحياة الأندلسية التي ظلت غامضة ومبهمة آماداً طويلة.

لقد أنصب الاهتمام بالتراث العربي والإسلامي بادئ الأمر على المشرق نتيجة قيام الدولة العربية والإسلامية الكبرى فيه، وتأثيره البيّن على كل أنحاء العالم الإسلامي شرقه وغربه، إلا أن هؤلاء الدارسين المحدثين أدركوا أهمية الالتفات إلى الأطراف الغربية التي كان لها دور فعّال في مسيرة التاريخ والحضارة العربية والإسلامية، هذه الحضارة التي أثرت بشكل مباشر بوسطة احتكاكها بالغرب; على الحضارة الإنسانية قاطبة، ومنحتها دفع إلى الأمام.
وقد اضطلع بمهمة التتبع والبحث والكشف عن خبايا الأندلس وأسرارها الأصيلة ، ودورها في تأصيل الحضارة الإنسانية عامة حين اقال بعض المستعربين والمستشرقين وفي طليعتهم الباحث (ميغيل لافوينتي ألكنترا ) بكتابه (تاريخ غرناطة) ، و(كين روبليس) بكتابه( تاريخ ملقه ) وأعمال( لويس روبليس )و (خوان طوريس فونتيس) ، وأعمال فقيد البحث الغرناطي (لويس سيكودي لوثينا بلريديس) الذي كرّس كل مجهوداته لغرناطة في القرنين الثامن والتاسع الهجريين وخصَّمها بما يزيد عن خمسين مقالة ، علاوة على مؤلَّفَتيه( غرناطة في القرن الخامس عشر) و(محمد التاسع سلطان غرناطة) ، وأعمال الباحثة الفرنسية (راشيل أربي ) وخاصة أطروحتها حول( إسبانيا المسمة على عهد النصريين)
ولا ننسى في هذا المقال بعض الأبحاث الإنجليزية التي تخص تاريخ وصف الأندلس، مثل: (أثر الحضارة العربية الإسلامية على البرتغال)
ثم كتاب (إسبانيا الإسلامية والمسيحية في بداية العصر الوسيط)، لمؤلفه (طوماس كليك) Thomas Gliek والدراسة القيمة التي أنجزها الدكتور (دومينيك أورفوا) حول (عالم العلماء الأندلسيين من القرن الخامس الهجري إلى القرن السادس الهجري) وهي بحث عن عالم العلماء الحضري والثقافي والحضاري بالدرجة الأولى، كما تعكس هذه الدراسة شريحة اجتماعية عصرية.
إن مثل هذه النماذج المقتضية إنما تدل على مدى الاهتمام المتزايد والرغبة المتكررة في الاطلاع على عطايات الآخر وإنجازاته. وقد حدث هذا بالفعل مباشرة بعد سقوط غرناطة في الثاني من يناير 1493 م، وإن لم يذهب معها كل أثر إسلامي، بل ظل بالعكس- وربما حتى اللحظة الراهنة- بادياً في سحنات الوجوه ولون العيون وعبق التراث والثقافة العربية الإسلامية.
ويأتي الكتاب القيّم الذي أعدته الأستاذة الجماعية، والباحثة الكوبية (الأندلس العربية.. إسلام الحضارة وثقافة التسامح) ليتوّج هذه الحركة التأليفية الرائجة حول الفردوس المفقود الذي دام به الوجود العربي الإسلامي زهاء ثمانية قرون.
ظهرت الطبعة الإنجليزية لكتاب (ماريا روزا) أول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2002 م تحت عنوان (توشيح العالم: كيف أنشأ المسلمون واليهود والنصارى ثقافة التسامح في إسبانيا الوسيطة)
الأندلس.. موطن التسامح وملتقى التسامح بوصفه مفهوماً نسبياً ومصطلحاً إجرائياً للتغلب على الرؤية السائدة التي تكونت عن (العصور الوسطى المظلمة)، وأن ما يعتقده معظم الباحثين من أن التعايش السلمي بين الديانات الثلاث أسطورة قديمة ; هو حقيقة ساطعة لا غبار عليها. فقد تكونت في الأندلس ثقافة تسامح و تلاقح و تعايش سلمي بين المتناقضات و المتنافرات ،وحوار و تواصل و سلام تغلب و تجاوز القيم المتعارضة و المنتمية لشعوب و جماعات إثنية متباينة فمنذ العصور الأولى للأندلس تمّ تأسيس علاقات دينية مشهودة وفريدة ; فالجامعة اليهودية انبعثت عن رقادها وتحررت من المستنقع الفظيع التي أغرقها في الحكم القوطي إلى درجة أصبح معها اليهودي وزيراً في الشؤون الخارجية في القرن العاشر الهجري، كما تميزت الشؤون الاجتماعية للأندلس بإقامة زيجات بين عشائر من ثقافات متنوعة وبحوارات ثقافية من مستوى عال مع الذميين، كما يؤكد التاريخ أن عدداً من حكام في قشتالة كانوا يحيطون أنفسهم بعلماء مسلمين ويستخدمون مهندسين مسلمين، والملك ألفونسو العائم صاحب طلطلة مثال صارخ ونموذج جيّد على التمييز بين السياسة والعلم ، وما عنايته بترجمة كتب ابن رشد وغيره من الفلاسفة المسلمين ، ودعمه لنشر كتاب المعرفة الضخم بهدف إتاحة المعرفة الإسلامية باللغة القشتالية إلا دليل قاطع على حبه للتراث الإسلامي وشغفه به.
إن هذا التبادل الثقافي والحضاري والاجتماعي بين مختلف مكونات المجتمع الأندلسي ما كان له أن يحصل لولا حرية الفكر التي كانت سائدة آنذاك ، وكذا التسامح الذي ميّز المجتمع الأندلسي ، وهذا ما أكده باحث مستشرق بقوله : ( عندما كان الغرب ظاهرة عادية في إسبانيا مثل النصارى المستعربين ، كانت الحضارة قوية بفضل التبادل الثقافي بين مختلف مكونات المجتمع، فلما سقطت غرناطة انقطعت الصلة وجاءت الرجعة الكاثوليكية بمحاكمها التفتيشية فأخذت تضطهد بقايا العرب وتجبر الناس على اعتناق النصرانية مما أدى إلى تذمرهم ، وبدأت عملية الطرد ، وبإتمامها نزفت إسبانيا دماءها ، إلا أن ظل الحضارة العربية بقى نصب عيون العاقلين من رجال إسبانيا حتى في ذلك العهد القائم من تاريخ البلاد
وقد وردت بعض التقارير والمذكرات التي كتبها بعض الحجاج النصارى الذين تحدثوا في روايات منصفة عن الأساليب التي كانوا يعملون بها في بلاد الأندلس، مثال لذلك: قول (برنارد الحكيم) في مذكراته: (كان السلام يسود بين المسيحيين والمسلمين)، بحيث أنني لو خرجت في سفرة ونفق جملي أو حماري الذي حمل متاعي واضطررت إلى أن أترك كل شيء بلا حارس وذهبت إلى المدينة المجاورة للحصول على دابة أخرى، فإنني كنت - عندما أعود- أجد كل ممتلكاتي كما هي لم يمسها بشر.
الأندلس العربية وضريبة التألق والنجاح أن الخلافة في قرطبة كانت بمعنى ما ضحية لازدهارها وتألقها ونجاحها، فخلافاً لها هو سائد لا يمكن اختزال تاريخ الأندلس في صراع ديني أو حرب صليبية بين الكفر والإيمان أو بين حضارة وحضارة أخرى. صحيح أنه حوالي سنة 900 م قام المنصور متحدياً بغارات تهديمه ضد معاقل النصارى في الشمال، إلا أن مثل هذه الغارات الموجهة إلى ممالك الشمال لم تكن هي السبب المباشر في انهيار السلطة المركزية للخلافة، بل ضربت حروب أهلية عنيفة بين طوائف مسلمة متنافسة على السلطة، وضربات همجية من داخل دار الإسلام مزقت كيان الخلافة وأثرت فيها. كما أن رباطة الجأش التي أبدأها عبد الرحمن الثالث بإعلان الخلافة الأندلسية أثارت خصوماً ومنافسين على الزعامة. وقع هذا تحديداً في الوقت الذي بدأت فيه إمارات إسلامية قوية أخرى معادية لتميز الأمويين وتفردهم على المستوى العقائدي والسياسي تظهر في أفريقيا الشمالية.
و أن حروب الاسترداد التي اندلعت عقب استلاء على طليطلة سنة 478 هـ/ ١٠٨٥ م، ونتج عن ذلك التدفق البربري: عرضت الثقافة الأندلسية للنكوص والضعف، وانقطعت مساهمات اليهود والمسلمين في إنتاج الثقافة الأوروبية، وانطفأت الحضارة الإسلامية ودق ناقوس نهايتها مع سقوط أخر معقلها غرناطة الجريحة سنة ١٤٩٣ م .

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

949 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع