الجامعات والدراسة في دولة الفساد

بدري نوئيل يوسف

الجامعات والدراسة في دولة الفساد

الجامعات في دولة الفساد: مصنع الشهادات ومقبرة العقول

مقدمة
في قلب دولةٍ تُدار كما تُدار مباراة كرة قدم في حارة شعبية بلا حكم، بلا قوانين، وبكثير من الصراخ تقف الجامعات شامخةً كالمولات، بزجاجٍ عاكس، ومقاهي أكثر من القاعات، ومدرجات تتسع لكل شيء عدا الأفكار.
في هذه الدولة، لا يحتاج الطالب إلى جهد كبير، كل ما عليه هو دفع الأقساط، وحفظ بعض النقاط المهمة في الامتحان التي يهمس بها المدرّس قبل ليلة الامتحان وكأنه يبيع ورقة يانصيب فائزة.
في دولة الفساد، التعليم الجامعي رحلة ملحمية أشبه بخوض مغامرة في أحد أفلام الكوميديا السوداء، حيث لا شيء يسير كما ينبغي، وكل شيء يسير كما لا ينبغي! الجامعات هنا ليست أماكن للعلم والمعرفة، بل هي ساحات للمساومات، ومنصات لعرض أحدث ابتكارات الفساد البيروقراطي.
في دولة الفساد، الدراسة الجامعية ليست وسيلة للمعرفة أو تطوير الذات، بل تجربة كوميدية ساخرة، يتخرج منها الطالب ويتقن فن الحياة في الغابة، ويتعلم قاعدة ذهبية: في دولة الفساد، كل شيء قابل للتفاوض حتى الدرجات!
التسجيل: معركة البداية
عملية التسجيل تشبه محاولة الفوز بجائزة اليانصيب، الفرق الوحيد أنك تدفع رشوة أولاً، ثم تدخل السحب! تبدأ المعاناة مع طابور لا نهاية له، وخلف كل شباك موظف وجهه يصرخ: قدم القهوة أو اعطي الذي في جيبك. التسجيل؟ سهل جدًا! ما تحتاجه للتسجيل: شهادة ثانوية؟ لا مشكلة، نصدّق أي ورقة فيها أرقام. مستوى علمي؟ ما علينا، أهم شي تدفع. مقابلة قبول؟ مقابلة ودية في مكتب العميد، مع قهوة وحساب مصروفات.
المناهج
المناهج تُطبع كل خمس سنوات، وتُدرّس لعشر سنوات. وإذا تساءلت عن آخر التحديثات في الذكاء الاصطناعي، فسيطلب منك الدكتور أن تركّز على الكتاب بدل هذا الاختراع المتخلف.
المحاضرات: المسرحية اليومية
المحاضرات في دولة الفساد هي عروض مسرحية، بطلها الدكتور الذي يلقي محاضرته من ورقة صفراء عمرها عشرون عاماً. أما الحضور، فهم الجمهور المخلص الذين ينشغلون إما بتحديث صفحات التواصل الاجتماعي أو بتخطيط كيفية نقل الإجابات في الامتحان القادم.
قاعات الجامعة مزوّدة بأحدث أجهزة العرض، لكنها لا تعمل لأن الكهرباء مقطوعة. المقاعد مصمّمة لتعذيب العمود الفقري، والسبورة بيضاء لكن لا أحد يجرؤ على الكتابة عليها فهي معلّقة للزينة فقط.
أما المكتبة، فهي المكان الوحيد الذي يتمتع بالهدوء لأن لا أحد يدخله.
الامتحانات: موسم الحصاد
عندما يحين وقت الامتحانات، تبدأ مواسم الهجرة إلى أقسام النسخ واللصق. هنا، تنتشر أوراق الغش أسرع من إشاعة على مواقع التواصل، وتبدأ أرقام الدفع مقابل النجاح في التحليق عالياً كأنها عملة
رقمية! النجاح في الامتحان لا يعتمد على الدراسة، بل على شيئين: من تعرف؟ وكم تدفع؟
الأستاذ الجامعي
فهو مزيج بين موظف حكومي وناشط على فيسبوك. نصف وقته يقضيه في كتابة تغريدات عن البحث العلمي، والنصف الآخر في تسويق كتابه الذي يبيعه للطلبة إجباريًا، مع خصم خاص لغير المهتمين.
البحث العلمي
هناك قسم خاص للبحث العلمي في الجامعة. يتكوّن من: موظف واحد. طابعة لا تعمل. وملفّ بلا
أوراق. ومع ذلك، تتفاخر الجامعة بأنها تقدّمت 17 مركزًا في تصنيف لم يسمع به أحد.
يوم التخرج لحظة الانتصار الوهمي
وأخيراً لحظة تاريخية، يأتي يوم التخرج. الجميع يرتدي روب التخرج والقبعة، ويلتقط صوراً للذكرى، ويبتسم ابتسامة عريضة ليس لأنه تعلم شيئاً، بل لأنه نجا من هذا النظام العجيب. ويتسلّم شهادة يقولون إنها تؤهله لسوق العمل. لكن حين يخرج، يجد السوق مغلقا بسبب الفساد، الشهادة مجرد ورقة تصلح لتعليقها على الحائط، أو ربما لتغليف سندويشة الفلافل.
بعض التجارب الطلابية المضحكة الشائعة في الجامعات، خاصة في الدول التي تعاني من الفساد الإداري والبيروقراطي:
1. تجربة الدكتور الشبح: يقول أحد الطلاب: كنا نبحث عن دكتور المادة طوال الفصل، لم نره إلا مرتين: مرة أثناء توزيع خطة المادة، ومرة في يوم الامتحان! باقي الأيام كان الحضور والغياب على نظام 'سجّل اسمك وروح نام'، وكل طالب يتخيل شكل الدكتور كما يشاء!
2. مغامرة البحث عن النتائج: طالب آخر يروي: كلما أردت معرفة نتيجتي، أجد عبارة (لم ترصد بعد). وعندما أذهب إلى الموظف، يقول لي: 'راجع الأسبوع القادم. وهكذا ظللت أراجع أسبوعاً وراء أسبوع حتى تخرجت دون أن أعرف نتيجتي!
3. قصة الملخص الذهبي: واحد من الطلاب ابتكر ملخصاً صغيراً للمادة بحجم كف اليد، وبدأ يبيعه للزملاء. الطريف أن الدكتور نفسه اشترى الملخص وقال: 'خلوني أشوف ماذا كاتب حتى أعدل أسئلتي'!
4. لجنة التحقيق بسبب القهوة! طالبة تروي: دخلت إلى مكتب الموظف لأنهي أوراقي، فقال لي: 'وين القهوة؟' ظننت أنه يمزح، وإذ به يرفض توقيع معاملتي حتى أحضرت له قهوة من الكافتيريا. بعدها صرت أوزع قهوة أكثر من الحلويات!
5. الامتحان المفتوح للجميع! طالب يصف: في قاعة الامتحان، كان المراقب يخرج ليشرب الشاي، بينما الطلاب يوزعون الإجابات بينهم مثل توزيع الورق في لعبة القمار. وفي النهاية، الجميع طلع ناجح حتى الذي لم يحضر!
الخلاصة
الحياة الجامعية في دولة الفساد مليئة بالمواقف المضحكة والغريبة حيث يصبح كل يوم مغامرة جديدة، ويكتشف الطالب أن الذكاء الاجتماعي أهم من أي شهادة علمية!
الختام
في دولة الفساد، الجامعة ليست مكانًا للعلم، بل محطة عبور نحو البطالة، أو وسيلة لتحصيل لقب
اجتماعي من نوع دكتور، حتى وإن كانت مهاراته لا تتجاوز إعادة توجيه رسائل الواتساب.
ومع ذلك، يبقى الأمل موجودًا على شكل طالب شغوف، أو أستاذ نزيه، يحاول النجاة في بحرٍ من اللامعقول.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

969 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع