تكريت: حين تنكفئ الذاكرة عن واجهتها كمدينة.

إبراهيم فاضل الناصري

تكريت: حين تنكفئ الذاكرة عن واجهتها كمدينة.

لعلّ أكثر ما يوجِع في التجربة الحضرية لمدينة تكريت ليس ما فاتها من عمرانٍ أو خدمات، بل ما تخلّت عنه من ذاكرتها، وما فرّطت به من موروثها الحضاري بوصفه رصيدًا رمزيًا قادرًا على أن يمنح الحاضر عمقه ومعناه. فثمة مدنٌ تنمو وهي تتكئ على تاريخها، وتستدعي رموزها، وتحوّل أسماء أعلامها وأمكنتها إلى علامات دالّة في فضائها المدني؛ وثمة مدنٌ أخرى – وتكريت واحدة منها – تمضي في تشكّلها المعاصر وكأنها تقطع حبل السُّرّة بينها وبين ماضيها، لا عن جهلٍ به، بل عن تنكّرٍ صريح، يكاد يبلغ حدّ القطيعة المتعمّدة.

المتجوّل في شوارع تكريت اليوم، ولا سيما في فضاءاتها التجارية والخدمية، يلحظ هذه الغربة الحادّة بين الاسم والمكان، بين الواجهة والذاكرة. فالأسماء التي تُعلَّق على الجدران، وتُرفع على اللافتات، لا تنبع من تربة المدينة، ولا تستحضر مناخها الثقافي، ولا تحاور تاريخها، بل تبدو مستوردةً في لفظها، مُعلَّبةً في دلالتها، بلا أي وشائج تربطها بالوجدان المحلي أو العمق الحضاري.
ولكي لا يُستغرق القول في العموميات، يكفي أن نقف عند مثالٍ واحدٍ كاشف: ما يُعرف بـ«شارع الأطباء» أو «شارع العيادات». هنا، حيث يُفترض أن تتجلّى رمزية العلم والمعرفة والطب، لا نعثر على اسمٍ واحدٍ يستدعي حكيمًا من حكماء المدينة، أو طبيبًا من أعلامها، أو حتى مفردةً ذات جذرٍ ثقافيٍّ محلي. مجمّعات طبية بأسماء من قبيل: سيبروتين، ملينيوم، نوفا فارما، وصيدليات تحمل لافتات مثل: كافيين، أوكسجين… أسماءٌ معرّبة لفظًا، لكنها مغتربة روحًا، لا تقول شيئًا عن المكان، ولا تشي بأي انتماءٍ لتاريخه.
والمفارقة المؤلمة أن تكريت ليست مدينةً عقيمة الذاكرة. تاريخها زاخر بالأطباء والحكماء والعلماء، ممن أسهموا في تشكيل العقل العلمي والطبي في الحضارة الإسلامية، أو كانوا جزءًا من سياقها العلمي العام. فمدنٌ عربية وإسلامية كثيرة لا تتردّد في استدعاء أسماء أعلامٍ من وزن ابن الهيثم، والرازي، وابن القف، كاسم ابن جرير وابن ملكا والفضل ابو نصر وابن السديد وتحوّلها إلى عناوين لمستشفيات ومراكز أبحاث وشوارعٍ رئيسة، بوصف ذلك فعل اعترافٍ بالفضل، وتكريسًا للصلة بين العلم والهوية. أمّا في تكريت، فلا حظّ لمثل هذه الرموز في الوعي المدني المعاصر، وكأن المدينة تُدار بذاكرةٍ مثقوبة، لا ترى في تاريخها ما يستحق أن يُعلَّق على واجهة.
إن المشكلة هنا لا تكمن في الاسم الأجنبي بوصفه أجنبيًا، ولا في الانفتاح على العالم بوصفه انفتاحًا، بل في غياب الميزان الثقافي الذي يوفّق بين المعاصرة والأصالة. فالمجتمع الذي لا يعيد إنتاج موروثه في فضائه اليومي، ولا يترجمه إلى علامات حضرية، إنما يُسهم – عن قصدٍ أو غير قصد – في تآكل هويته الرمزية، وفي تحويل مدينته إلى فضاءٍ بلا ذاكرة، وبلا سردية، وبلا خصوصية.
تكريت، وهي تستحق ما هو أسمى، لا تحتاج إلى استيراد أسماءٍ من معاجم الآخرين كي تبدو حديثة؛ بل تحتاج إلى مصالحةٍ صادقة مع ذاتها، وإلى شجاعةٍ ثقافية تعترف بأن التاريخ ليس عبئًا على الحاضر، بل رأسماله الأثمن. فحين تعود الذاكرة إلى الواجهة، ويُستعاد الاسم بوصفه حاملًا للمعنى، آنذاك فقط يمكن للمدينة أن تدخل العصر، وهي متصالحة مع ماضيها، لا متنكّرة له.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

885 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع