الدهرُ يومان ... يومٌ لك ويومٌ عليك

 طارق الهاشمي

الدهرُ يومان... يومٌ لك ويومٌ عليك

في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة:

أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود.

الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت.

وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب.

بقاء الحال من المحال…

ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش.

الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر.

من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها.

رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها.

نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية..

نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا.

هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود.

في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.

لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة:

خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس.

هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا.

يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له.

علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار.

وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار.

وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع.

من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه:

«الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر».

إنها معادلة التوازن:

تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد.

فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع.

وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»،

لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق.

ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس.

يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب.

ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده.

الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات.

رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين:

بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا.

فالدهر يومان…

والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة.

وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم:

أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول،

وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة،

لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس،

ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح.

فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر

والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر

فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه …

كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

939 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع