
إبراهيم فاضل الناصري
الاعتزاز بالموروث الحضاري: وعي الذات وأصالة الانتماء في ذاكرة المدن.
في الوعي الحضاري للأمم، لا يكون الموروث مجرد سجلٍّ لما انقضى، ولا أرشيفًا خامدًا للأحداث والرموز، بل هو منظومة اعتبارية تتكثّف فيها خبرة الزمن، وتتجسّد عبرها علاقة الإنسان بالمكان، وتتشكل من خلالها صورة الذات الجمعية. ومن هنا، فإن شعور الاعتزاز بالموروث الحضاري، وبرصيد الذاكرة النفيسة التي تختزنها المدن، ليس ترفًا ثقافيًا ولا نزعة عاطفية، بل هو وعي بالذات في أرقى تجلياته، وشهادة أصالة لانتماء المجتمع إلى بيئته التاريخية والرمزية.
إن الاعتزاز بالموروث هو إعلان ضمني عن امتلاك السردية، وعن القدرة على تسمية الذات وتحديد موقعها في مسار التاريخ. فالمجتمعات الأصيلة—تلك التي يمتد وعيها إلى فجر الموروث—لا تنظر إلى التراث بوصفه بقايا جامدة، بل بوصفه طاقة رمزية قابلة للتأويل وإعادة التفعيل. إنها مجتمعات تعرف كيف تُصغي إلى الذاكرة، وكيف تفكك رموزها، وتعيد تركيبها بما يخدم الحاضر دون أن يزوّره، ويؤسس للمستقبل دون أن يقتلع جذوره. فالموروث، في هذا المعنى، ليس خلفية زمنية تُعلّق على الجدران، بل مرجعًا دلاليًا حيًا يُستدعى كلما احتاجت المدينة إلى تعريف ذاتها أو تصويب مسارها.
وفي هذا السياق، يغدو الموروث أداة معرفية قبل أن يكون مادة احتفالية. فالأصالة لا تتجلى في حفظ الأشكال، بل في فهم المعاني؛ ولا في تكرار الطقوس، بل في إدراك مقاصدها. وحدها المجتمعات التي تمتلك هذا العمق هي القادرة على توظيف تراثها بوصفه مثلًا عليا، ومقومات دفع، ومعايير نقدية تُقاس بها تحولات الواقع، وتُضبط على إيقاعها مشاريع التحديث. هكذا يتحول الماضي إلى قوة اقتراح، لا إلى عبء تقييد، وإلى رصيد أخلاقي وثقافي يمدّ الحاضر بمرونته ومعناه.
ومن علائم الاعتزاز التي تمتلكها بعض المدن، قدرتها على إسقاط ذلك الموروث على مظاهر مدنيتها المعاصرة، بوصفه عناوين حضارية مستمدة من عمق الذاكرة لا من قشورها. فتسمية الشوارع والساحات والمؤسسات، واختيار الرموز المعمارية، وبناء الفضاءات العامة، كلّها تتحول إلى لغة صامتة تعبّر عن هوية المدينة، وتربط اليوميّ بالرمزيّ، والوظيفيّ بالتاريخيّ. هنا لا يكون الموروث عنصر تزيين، بل إطارًا ناظمًا للمدنية نفسها، يمنحها شخصية متمايزة ويقيها من الذوبان في نماذج مستوردة لا علاقة لها بسياق المكان.
وعلى الضفة الأخرى، تقف مجتمعات المدن التي لا تُبالي بالموروث، أو تتعامل معه بوصفه فائضًا رمزيًا بلا وظيفة. هذه المجتمعات، حين تنقطع عن ذاكرة المكان، تفقد تدريجيًا قدرتها على إنتاج المعنى، فتستعير نماذج جاهزة، وتُراكم مظاهر حداثية بلا روح. إنها مجتمعات هجينة، لا لأن التعدد خطيئة، بل لأن القطيعة مع الجذور تفرغ التعدد من عمقه، وتحوله إلى تلفيق ثقافي لا يصمد أمام اختبار الزمن. فالمدينة التي تنسى سرديتها، سرعان ما تصبح مسرحًا لأصوات متنافرة، لا يجمعها رابط تاريخي ولا أفق رمزي مشترك.
والنقد هنا لا يستهدف الدعوة إلى تقديس الماضي، ولا إلى تحنيطه في قوالب متحفية. بل على العكس، إن الاعتزاز الواعي هو فعل نقدي بامتياز؛ يميّز بين ما هو جوهري وما هو عابر، بين ما يصلح للبقاء وما يجب أن يُترك للتاريخ. إنه اعتزاز يُخضع التراث للمساءلة، لا ليهدمه، بل ليحرره من القراءة السطحية، ويستعيده بوصفه مشروعًا مفتوحًا للتأويل، قابلًا للتجدد، ومتفاعلًا مع تحولات العصر دون أن يفقد مرجعيته.
وفي المحصلة، يمكن القول إن الاعتزاز بالموروث الحضاري هو بوصلة الهوية في زمن السيولة الثقافية. به تُحصّن المدن ذاكرتها من النسيان، وتمنح حاضرها شرعية الاستمرار، وتؤسس لمستقبل لا يولد من فراغ. ومدينة بلا اعتزاز بذاكرتها، مهما ازدانت عمرانًا وتكاثرت مظاهر حداثتها، تبقى كيانًا بلا مرآة: ترى العالم، لكنها لا ترى نفسها.

1281 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع