أصوات من العالم الآخر- الجزء الثاني

بسام شكري

أصوات من العالم الآخر-الجزء الثاني

الصديق الآخر الذي شكل استشهاده صدمة لي هو اردلان محمد محمود , كان زميلي في الدراسة الإعدادية وقد التحق بأحد المعاهد ثم تطوع كضابط في بداية الحرب العراقية الإيرانية, اردلان هو الولد الوحيد بين خمسة بنات وهو من أب كردي من مدينة السليمانية وأم عربية من سكان الأعظمية وأبوه متزوج كذلك من امرأة ثانية كردية في السليمانية ولديه منها كذلك ولد اسمه اسولان وأربعة بنات وكان يزور زوجته العربية كلما سافر الى بغداد للعمل , ومعنى اردلان واسولان أسماء جبلين في غرب ايران واردلان كذلك اسم لإمارة كردية تاريخية امتدت عدة قرون , اردلان شاب بسيط جدا فقد تربى بين خمسة بنات وهو مدلل من قبل الجميع وكان يحب أهل الأعظمية جميعا ولو التقى مع أي شخص من الأعظمية في بغداد يفرح كثيرا وكأنه عثر على احد أقاربه المفقودين , كان نحيل الجسم وخصره بحجم صغير جدا حتى يتخيل لي في بعض الأحيان إن جسمه سوف ينكسر من النحافة في أي حركة له وكان يرتدي سروال الجارلستون العريض من الأسفل والضيق من الأعلى حيث كانت تلك الملابس مودة في السبعينات, وكان لديه وحمة سوداء اللون بحجم كبير في رقبته الطويلة النحيفة مما يعطي انطباعا للناظر له كانه صورة لشخصية من أفلام الكارتون مع وجهه المدور وأسنانه البارزة وابتسامته الدائمة المحببة وراسه الكبير الذي يقف على رقبة نحيفة تتحرك في جميع الاتجاهات , كانت امه تحبه كثيرا لأنه الوحيد بين البنات الخمسة وكان قوي الشخصية واثق من نفسه بحيث يتكلم بجرأة عن نفسه وعن امه ويقول بدون أن يشعر باي نوع من الحرج إن امه تعمل قابلة مأذونه ويقول بكل فخر إن كل أبناء وبنات الأعظمية هم أخوتي, اردلان اذا طلب أي شيء من والدته لا تتردد في تلبية طلبه وما إن صار في الصف السادس الإعدادي وحصل على رخصة سياقة سيارة حتى اشترت له سيارة حديثة نوع بولسكي , كان يركبها وكانه يركب مرسيدس أخر موديل حيث كان فخورا جدا بها وكان يصاحب الكثير من الفتيات لأنه كان مولعا بالظهور كرجل اكبر من سنه, وكان طول الوقت يدور في سيارته الحمراء وقد فتح احدى أغاني أم كلثوم من كاسيت السيارة وأتذكر إنني كلما ركبت معه في السيارة اسمع أغنية أم كلثوم مخطرتش على بالك يوم حتى حفظتها كلمات وموسيقى, كان بسيطا جدا واهتماماته محدودة وكان يتكلم عن بيتهم وعن شارع عشرين ومنتزه الرحبي القريب من بيتهم , أنا لم ادخل بيته لكن من كثرة حديثه عن امه وأخواته البنات وكيف يعيشون كنت اشعر اني اعرف كل قطعة من بيته , اردلان كان يتطوع لخدمة أي شخص وخصوصا اذا كان ذلك الشخص من الأعظمية وعندما اسأله هل تعرف هذا الشخص لكي تساعده وأنت حتى اسمه لا تعرفه؟ يقول لي نعم انه من الأعظمية وكأن الأعظمية هي عائلته والواجب يحتم عليه تقديم المساعدة، وإذا ساعد شخص ليس من أهالي الأعظمية يبرر مساعدته بانه يريد الحصول على اجر ويقول جملته المعروفة: كما قالت لي أمي يجب على أن اجمع رصيد كبير من الأجر يساعدني في المستقبل , ومساعداته للأخرين تشمل كل شيء حتى في كثير من الأحيان يعطي المحتاجين كل ما في جيبه وعندما يريد العودة الى البيت اعطيه أجره الباص.
عندما كنا نحضر لامتحانات البكلوريا كنا ندرس في حديقة بيتنا وفي المساء كان يتعشى معي كعادة أهل بغداد فان الضيف يجب أن يتناول الطعام سواء كانت وجبة الغداء أو العشاء إضافة الى كميات من الشاي والمعجنات على مدار الساعة واردلان كان كلما تناول الطعام معي في بيتنا كان في اليوم التالي يخبرني كيف انه شرح تفاصيل الأكل لامه وأخواته البنات وينقل لي شكر امه فكنت اطلب منه أن لا يكرر ما قاله في المستقبل لأني لم أقم إلا بواجب الضيافة العادي ويكرر نفس الشيء في المرة القادمة حتى تأكدت من بساطته وطيبة قلبة وانه كالطفل الذي كلما شاهد شيئا نقله الى امه ونقل ما تقوله امه لي.
وعند اقتراب امتحان البكلوريا كنا ندرس في مقبرة الإنكليز الواقعة في منطقة الوزيرية المقابلة للسفارتين السعودية والتركية والتي كانت متوسط الطريق بين بيتي في شارع فلسطين وبيت اردلان في الأعظمية, ومقبرة الإنكليز هي واحدة من عدة مقابر لجنود الجيش البريطاني الذي احتل العراق سنة 1917م وتلك المقابر موجودة في مدن البصرة والعمارة والكوت وفي بغداد كانت هناك مقبرتين الكبيرة في منطقة الوزيرية والصغيرة في منطقة الزعفرانية قرب جسر ديالى في نهاية معسكر الرشيد, ومقابر الإنكليز في العراق تضم بعدد 51 الف قبر للحرب العالمية الأولى و 3000 للحرب العالمية الثانية وكانت مقبرة الإنكليز في منطقة الوزيرية تضم رفاة ثمانية الأف جندي بريطاني وتسمى مقبرة الكومنولث لان القبور تعود الى جنود من دول الكومنولث وهم من مختلف الأديان والقوميات الهندية والإنكليز والأستراليين ومن مختلف الديانات , صحيح هي مقبرة لكنها كانت اجمل حديقة في بغداد حيث مختلف أنواع الزهور والأشجار وفيها أماكن مريحة للجلوس تحت ظلال الأشجار الضخمة وتحتوي تلك الحدائق على أنواع عديدة من الأزهار والرياحين التي تفوح رائحتها في كل مكان, والمقبرة مقسمة الى أقسام متساوية الأطوال فقد زرعت بالأشجار العالية على خطوط تحت كل خط ساقية ماء, وقد تم جر جدول ماء بعرض متر وارتفاع متر تحت الأرض من نهر دجلة الى المقبرة لسقي الحدائق وذلك الجدول يمر تحت الأرض من منطقة الصرافية ويصل منطقة الكرنتينة ثم يدخل الى المقبرة , وكانت المقبرة تعج بالطلبة في أوقات امتحانات البكلوريا , المكان هادئ جدا لا يسمع فيه غير أصوات زقزقة العصافير والطلبة منتشرين في الحدائق تحت ظلال الأشجار حيث كانت هناك مساطب خشبية فاخرة للجلوس وأحجار سوداء ضخمة كديكورات كنت نستعملها للجلوس, وكان اردلان يصاب بالملل من القراءة بشكل دائم ويبدأ يتكلم بدون توقف عن أمور بسيطة وبعيدة عن موضوع الدراسة وكنت أتحمل ثرثرته لأنه كان طيب جدا ومؤدب الى درجة تشعر انه يتعامل معك بشكل رسمي في جميع الأوقات, كنت في بعض الأحيان اكمل درسا كاملا وهو ما يزال في الصفحات الأولى لأنه كلما خطر على باله شيء تكلم به حتى وان لم استمع له., مما يضطرني أن أعيد له شرح الدرس مرة ثانية .
كان المكان المفضل لجلوس اردلان قرب قبر قائد الحملة البريطانية على العراق الجنرال ستانلي مود وكان شكل القبر مكعب بحجم مترين لكل ظلع وارتفاعه مترين أسود اللون وعليه كتابات إنكليزية باللون الذهبي حيث كانت تحيط بالقبر من كافة الجهات أزهار الفل و الكاردينيا, كلما سرح اردلان بأفكاره اصرخ عليه اردلان أين سرحت؟ فيجيبني انه يفكر في الجنرال مود كيف جاء من بريطانيا وقاد الجيوش البريطانية لاحتلال العراق والان يرقد هنا وحيدا غريبا بعيدا عن أهله, وكان يستغرب كيف يموت الإنسان في حرب وكيف يدفن في مكان بعيد عن أهله, وكنا في بعض الأحيان عندما نجوع نذهب لشراء الفلافل من مطعم صغير جدا قرب كلية الآداب وكانت الفلافل بالنسبة لنا أكلة لذيذة لأننا لم نكن نعرفها سابقا وقد جاء بها اللاجئين الفلسطينيين الى العراق وكان الصوص المستعمل لذيذ لم نعهده من قبل فهو خليط من الراشي واللبن مع الخس.
غاب عني اردلان خلال فترة دراستي الجامعية ومع بداية الحرب العراقية الإيرانية رجعنا نتواصل فوجدته كما هو لم يتغير بنفس اهتماماته وحبه لامه وأخواته البنات وكان اخوه من أبوه أسو يزورهم في بعض الأحيان وقد التقيت معه عدة مرات وكانت شخصيته ليست بعيدة عن شخصية اردلان لكنه كان يبدوا ليس منفتحا مثل اردلان وهو اكثر جدية في الحياة , كان اردلان في احدى الوحدات العسكرية القريبة من بغداد وكان يذهب يوميا الى وحدته العسكرية بالسيارة وكنا نلتقي كلما سنحت الفرصة وفجأة اشتدت الحرب فتم نقل اردلان الى الخطوط الأمامية للجبهة في القاطع الجنوبي وبعد فترة قصيرة من نقله زارني وكان ذلك أخر لقاء لنا وكان بعد استشهاد صديقي وزميلي هاني بشهرين, حيث كان الحزن ما يزال في قلبي وينعكس على سلوكي , جاءني اردلان بسيارته الجديدة وكان سعيدا جدا بها وذهبنا الى شارع فلسطين القريب من بيتي لشراء حلويات زنود الست وبقلاوة ,في البداية اشترينا علبة صغيرة تشكيلة من الحلويات أكلناها في الشارع وقد وضعناها على صندوق السيارة المغلق لحين تحضير طلباتنا من الحلويات وقام كل واحد منا بشراء كمية متنوعة لأهله وما إن اخذ اردلان علب الحلويات الخاصة به قال لي هذه أخر حلويات اشتريها فاقشعر بدني من عبارته تلك وتجمدت يدي على قطعة الحلويات التي لم أتمكن من أكلها وأرجعتها الى العلبة, وشعرت بان موجه حزن كبيرة دخلت في جوفي وغاصت الى الأعماق الى أن انتبهت بيد اردلان على كتفي يقول لي لقد تأخرت على أهلي فركبنا السيارة وتوجهنا الى بيتنا وفي باب البيت قال لي أريد أن اسلم على امك فسالته لماذا فاخبرني بانه لم يراها منذ فترة فدخلت البيت وطلبت من أمي أن تأتي لكي يسلم عليها فجاءت أمي الى كراج بيتنا الكبير الذي يتسع لثلاث سيارات ودخل اردلان الى الكراج وسلم على أمي فسالته عن امه وأخواته البنات وكان في قمة الفرح والنشوة وكانه قد أدى مهمة كبيرة عندما سلم على أمي التي عادت الى داخل البيت وخرجت أنا معه باتجاه سيارته وفجأة التفت الي وابتسم ابتسامته العريضة المعهودة وحضنني وقال لي هذه أخر مرة أزورك فيها فسالته لماذا هل أنت زعلان فرد علي لا لكني اشعر باننا لن نلتقي ثم استدار بسرعة غريبة ودخل الى السيارة وذهب وهو يلوح لي بيده, صدمتي كانت قوية جدا لأني قد مررت بنفس هذا الموقف مع هاني قبل اقل من شهرين وفي نفس المكان ومن هول الصدمة لم أتمكن من تمالك نفسي فدخلت الحديقة وأغلقت الباب ورائي ووصلت الى منتصف الحديقة فلم أتمالك نفسي فجلست على اقرب كرسي في حديقة وبعد دقائق من الصمت وجدت نفسي اقف في وسط الحديقة واصلي وأخذت أقرا سورة الفاتحة التي عدتها اكثر من مرة لأني لم أتمكن من إكمالها لأني من هول الصدمة نسيتها ونسيت كل شيء ولم يبقى لي شيء لأني أردت اللجوء الى الله مما سمعته من اردلان عسى أن يساعدني في الصبر وعسى أن يكون كلامه لغوا كالعادة بعد أن تيقنت من اني لن أراه بعد تجربتي مع هاني , وما إن أنهيت ركعتين وجدت أمي تقف خلفي وتقول لي هل أنت مجنون في هذا الجو البارد تصلي على الأرض في الحديقة والعشب رطب وبدون سجادة لماذا لا تصلي في البيت؟ لم اجد جوابا لها ودخلت الى البيت بصمت ولا اعرف أين اجلس وبقيت أدور بين الغرف الى أن تعبت وذهبت الى غرفة أمي وكانت جالسة على سريرها فجلست الى جانبها وبلا شعور نزلت دموعي وخرجت مسرعا الى الحمام فاستفرغت ما أكلته مع اردلان من حلويات.
التحقت بوحدتي العسكرية بعد أيام وكانت قواطع الجبهة في الجنوب ساخنة والمعارك طاحنة ولا شيء يشغل العراقيين سوى الاستماع الى نشرات الأخبار والتعرف على تفاصيل المعارك وعدد القتلى والخسائر المختلفة , وفي القاطع الأوسط حيث وحدتي العسكرية تعرضنا الى هجمات سريعة كان الهدف منها إشغالنا ومناورتنا لكي لا يتم نقل قواتنا الى القاطع الجنوبي لإسناد قواتنا هناك حيث تدور العمليات الرئيسية الكبرى وتأخرت إجازاتنا فنزلت الى البيت بعد خمسين يوما بدلا من ثلاثة أسابيع , وكان الجو مشحونا وخلال مروري من كراج النهضة الى البيت شاهدت مئات اللافتات السوداء معلقة في الشوارع أو على واجهات البيوت لشهداء القاطع الجنوبي وبعد أن قضيت يومين جالس في البيت لكي استريح من تعب الأيام الخمسين التي قضيتها في الجبهة اتصلت مع اردلان بالتلفون فردت علي أخته وقالت لي لقد استشهد اردلان منذ ثلاثة أسابيع فسالتها مرة ثانية هل أنت متأكدة فأجابتني طبعا عندها شعرت إن غرفة الاستقبال التي اجلس في نهايتها تنكمش وتدخل فيها غرفة الطعام التي بعدها ويصبح الحائط المقابل لي قريبا على وجهي فتلمست الحائط وانتبهت على نفسي اني وبلا شعور قد مشيت طول غرفة الاستقبال وغرفة الطعام ووصلت الى نهايتها بدون أن اشعر والتفت الى الخلف فوجدت سماعة التلفون على الأرض فرجعت ووضعتها في مكانها وجلست في مكاني صامتا بدون كلام ثم وبلا شعور أخذت اسبح : سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله اكبر – الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وأكررها في قلبي بصمت لم اعرف كم استغرق من الوقت حتى انتبهت على أمي تدخل علي وتقول لي لماذا تجلس لوحدة فانتبهت على نفسي وقلت لها إن اردلان قد استشهد فقالت بعفوية لا لا بشكل متكرر وقالت ماذا ستفعل امه وأخواته الخمسة البنات ؟ وأخذت امي تبكي بحرقة فلم أتمالك نفسي أن أرى أمي أمامي تبكي فخففت عنها وجلبت لها ماء لتشرب وقلبت الموضوع وتكلمت في موضوع أخر ثم قضينا ذلك اليوم وانا أحاول أن اشغلها لكي لا ترجع الى البكاء وهي مصابة بضغط الدم المرتفع , لم انتبه على نفسي إلا وقد حل المساء وصعدت الى غرفتي في الطابق الأعلى وتذكرة مصيبتي لقد فقدت اردلان ذلك الصديق الصدوق الشاب المدلل الوحيد لأهله , كل شيء كنت أتوقعه لكن أن يستشهد اردلان لم يكن يخطر على بالي في يوم من الأيام , لم اذهب الى مجلس الفاتحة لأنه استشهد قبل ثلاثة أسابيع وانتهت أيام التعزية وليس هناك رجل في البيت لكي اذهب لأعزيه, لقد ذهبت يا اردلان الى العالم الأخر ومازال صوتك في أذني وأنت تودعني لآخر مرة وتقول لي بانها أخر مرة نلتقي وكأنك تعرف قدرك... , حتى تعزية مني لم تصل الى اهلك لأنك وحيد بدون اخوه رجال وأبوك واخوك في أربيل , ذهبت أمي لتعزيه امه وعادت ولم تكن لدي الشجاعة لكي اسألها عن زيارتها أو عن تفاصيل استشهاد اردلان وقضيت إجازتي كلها في البيت لم اخرج لكن صدمتي كانت اخف من صدمتي باستشهاد هاني الذي لم أتناول فيه الطعام لأسبوع كامل وكنت اكل القليل من الطعام ولم أتمكن من سؤال أمي عن زيارتها لبيت اردلان الى أن توفيت .

الصديق الثالث الذي مازلت اسمع صوته من العالم الأخر هو عباس خضير , تعرفت عليه من خلال صديقي القديم في الدراسة المتوسطة سعد عيسى الجوراني وهو صديقه منذ الطفولة, ولان عباس يسكن في منطقة العقاري القريبة من بيتي في شارع فلسطين فقد بقيت علاقتي معه حيث نلتقي في شارع فلسطين أو في ونحن نركب الباص رقم 47 , وكان في بعض الأحيان يأتي ظهرا لأخذ احدى أخواته أو قريباته من إعدادية القناة للبنات المقابلة لبيتنا وكنا نقف في باب بيتنا أو نجلس في الحديقة بانتظار انتهاء دوام المدرسة , عباس خريج كلية الآداب فرع اللغة الإنكليزية شاب مؤدب جدا ممتلئ الجسم وجهه عريض بدون شارب يبتسم بمجرد أن تنظر له واذا ما صادف رجل في الشارع يتلاقى نظرهما يسلم على الرجل بدون أن يعرف الرجل , علاقتي مع عباس كانت محدودة لكني أسوق قصته الآن بسبب ما حدث بيني وبينه عجيب لم اجد له تفسيرا لغاية اليوم , في يوم مشمس في بداية الربيع وبعد استشهاد اردلان بثلاثة اشهر كنت في إجازتي الدورية في البيت وفي الساعة الحادية عشر صباحا رن جرس الباب فخرجت لأرى عباس ضاحكا يطلق النكات بعفوية فطلبت منه الدخول فدخل وجلسنا في الحديقة وشربنا الشاي مع بعض البسكويت بدأ عباس كلامه بان قال لي إن لك صديق وزميل في الدراسة قد استشهد فأجبته نعم انه صديقي هاني فرد علي انك أصبت بصدمة لم تأكل لمدة أسبوع وهذا غير صحيح يجب أن تواجه الواقع وأنت رجل مؤمن بقضاء الله وقدره فأخبرته نعم لقد تعلمت من تلك التجربة القاسية ثم عاجلني بخبر أخر صعقني فقال لي انك لم تتعلم لان لديك صديق أخر قد استشهد بعد ذلك وأصابك مثل ما أصابك في استشهاد الأول هنا تداركت نفسي وانتبهت على ما يقول فسالته كيف عرفت اني فقدت اثنان من الأصدقاء خلال بضعة اشهر؟ فأجابني لا تسألني واليوم جئتك لكي أقول لك إذا مات صديق لك لا تعمل نفس ما عملته مع الاثنين الذين استشهدوا ... في الحقيقة علاقتي مع عباس كانت سطحية وهو لا يعرف أصدقائي وانا لا اعرف حتى وحدته العسكرية هل في الجبهة أو في مكان أخر، لم تكن تهمني تلك التفاصيل لكن الذي صعقني كيف عرف عن استشهاد أصدقائي وكيف عرف ما أصابني من صدمة وحزن؟ وسألته كيف عرف ذلك فرد على انه قرأ ذلك في وجهي فلم افهم عليه فسألته هل أنت ساحر لكي تقرا وجهي فضحك وقلب الموضوع، غادرني عباس عندما أصبحت الساعة الثانية عشر والنصف حيث موعد خروج إعدادية القناة للبنات المقابلة لبيتي، لم اقتنع بما قاله لي انه قرا وجهي ومن خلال تحليلي المنطقي لزيارته لي وجدتها مرتبه مسبقا لأنه جاء ساعة ونصف مبكرا قبل انتهاء دوام المدرسة وعباس الذي اعرفه شخص مرح كلامه معي دائما نكات فكيف تحول الى هذه الجدية؟ شعرت إن هناك من أخبره باستشهاد أصدقائي وأيقنت من ذلك لان جو الحرب وحالات مراقبة العراقيين بعضهم لبعض كانت جزءا من أسلوب الحياة خلال تلك الفترة.
في اليوم التالي كنت في شارع الخيام لشراء ملابس من محلات حسو إخوان الواقعة في زاوية شارع الخيام المطلة على تقاطع شارع الرشيد مع شارع أبي نؤاس وبعد الانتهاء من التسوق خرجت أتسكع في شارع الخيام لعلي اجد شيئا اشتريه وبعد أن مشيت عدة امتار حتى وقفت سيارة بجانب الطريق نزل منها عباس الذي ما إن صار وجها لوجه معي حتى ضجت ضحكته العالية في الشارع المزدحم وقال لي صدفة جميلة التقينا اليوم كذلك فسألني ماذا تفعل هنا أخبرته اني تسوقت من مخازن حسو إخوان وأخبرته عن السروال الجميل الذي اشتريته والقمصان التي رتب لونها البائع الشاطر مع لون السراويل وقلت له إن لديه بضاعة جديدة واصلة توا من لندن يمكنني أن أعود معك لتشتري منه فرد علي وهو يضحك لن احتاج ملابس بعد اليوم لأني سوف لن أعود من إجازتي القادمة , استغربت من كلامه واختلط علي الأمر هل بقصد انه سيستشهد؟
مشينا في شارع الخيام واكلنا فلافل وشربنا لبن رائب ثم تركت عباك ورجعت الى البيت وانا حائر، وأخذت اربط الأحداث التي مرت لي مع عباس، كيف حدثت صدفة إن جاء ونزل من سيارة في شارع الخيام أمامي؟ هل كان يراقبني؟ ثم لماذا قال لي انه لن يعود من إجازته؟ هل هذه تكرار لنفس الجملة التي سبق وسمعتها من هاني واردلان قبل استشهادهما؟
ضاعت على الحقيقة بين أن يكون عباس يراقبني أو إن الله قد أرسله لكي يخبرني انه سوف يستشهد؟ وما علاقتي بالموضوع وعلاقتي مع ليست بتلك القوة؟
رجعت للبيت وانا في حيرة من امري وقضيت أيام الإجازة بسرعة وفي اليوم الأخير قبل التحاقي كنت عائدا الى شارع فلسطين عن طريق شارع الكفاح ومقابل سينما الفردوس وقبل صعودي الى السيارة كان عباس هناك لوحده وهنا شعرت إن حدثا مخيفا سوف يحدث، جاء عباس وحضنني وقبلني وهي أول مرة في علاقتنا يحصل هذا اللقاء الحار وقال لي أودعك اليوم لأني سوف لن أعود من الإجازة، هنا أيقنت انه يقصد ما يقول فنهرته بشده وصرخت في وجهه أنت مجنون ما هذا الكلام؟ فأجابني بنفس ضحكته المجللة أنت المجنون ولا تفكر كثيرا فانت لن تغير قدر الله، لم أجد ترابطا بين معاني كلماته لكنني انصدمت من قوله وكانت لدي رغبة إن اصفعه لكي ينتبه على كلامه من باب المزح، تكلمنا حول الالتحاق بالجبهة وأخبرته انى سوف التحق غدا وأتذكر انه أخبرني انه في كتيبة دبابات في القاطع الجنوبي، ودعته وركبت السيارة وبعد أن تحركت السيارة قال لي وهو ما يزال واقف في الشارع وبدلا من أن يقول لي مع السلامة قال لي سوف لن أعود من الإجازة مع ابتسامة عرضة.
رجعت الى البيت وانا كالمجنون لا اعرف أين اجد ذلك الشيء الذي اسمه القدر لكي أتوسل أليه بان يعود عباس من الجبهة بخير بعد أن تأكدت إن ما يقوله صحيح وكما سبق وان سمعته من هاني واردلان , مر مساء ذلك اليوم بسرعة والتحقت الى الجبهة وكان الوضع هادئ في القاطع الأوسط من العمليات ورجعت في موعد إجازتي وكان الجو جميل ومازال الصيف لم يدخل وبعد يومين من الإجازة قررت الذهاب الى شارع الجمهورية عن طريق شارع الكفاح فركب الباص رقم 47 الذي يصل الى شارع الكفاح وما إن استدار الباص متجاوزا ساحة بيروت باتجاه منطقة النهضة وهو يتهادى ببطء في الشارع حتى شاهدت لافتة سوداء كبيرة فيها استشهاد عباس في القاطع الجنوبي , كان بيت عباس قريب على الشارع العام بحيث إن السيارات التي تمر من الشارع الرئيسي يمكنها أن تشاهد البيت بسهولة , صدمني ما قرات وقفزت ابتسامة عباس الى مخيلتي وهو يقول لي لن أعود , هنا أيقنت إنها قدره الله هي التي جعلت عباس ينطق بتلك الجملة معي عدة مرات , حزنت على عباس كثيرا وبقى الحزن معي سنوات فقد كان شخصا طارئا في حياتي عفيفا كالملاك لم أرى منه إلا الطيبة والأخلاق العالية , لم اكن اعرف من عباس سوى تلك المعلومات البسيطة لا اعرف من هم أهله ولا حتى عندي رقم تلفون بيته , في اليوم التالي ذهبت الى بيته عصرا لعلي اجد مجلس الفاتحة فقرات إن استشهاده كان قبل أسبوعين وباب البيت مغلق وهذا يعني إن مجلس الفاتحة قد انتهى.
لم أعزى اهلك يا عباس لقد كنت ملاكا أرسله الله لي لتتعرف على فترة قصيرة ثم تودعني وتعطيني درسا في القضاء والقدر لن انسأه مهما حييت، كلما أتذكر ما حصل لي مع عباس أتذكر تكرار قول عباس لي انه لن يراني مرة ثانية عدة مرات جعلني أصبح مثل ذلك الشخص الذي يتلقى ضربات متتالية على راسه من مطرقة كبيرة.
اليوم وبعد انقضاء واحد وأربعين عاما على استشهاد هاني واردلان وعباس مازلت اسمع أصواتهم من العالم الآخر وهي تذكرني بعظمة الإنسان وجبروته وعناده وطمعه , فقد أكلت الحرب العراقية الإيرانية الأخضر واليابس وفقد طرفي الحرب ملايين القتلى والمصابين والمعاقين وعشت بعدها غزو الكويت التي أدت الى تهجير ملايين القوى العاملة من دول الخليج وعودتهم الى بلدانه وتهجير نصف مليون فلسطيني من الكويت الى الأردن وهروب ملايين العمال الأسيويين من دول الخليج الى بلدانهم وإفلاس الأف الشركات في الخليج وتدمير الجيش والاقتصاد العراقي بعدها عشت بعض السنوات من الحصار الظالم على الشعب العراقي الذي تسبب بقتل مليون عراقي بسبب نقص الغذاء والدواء, وعند الغزو الأمريكي على العراق كنت اعمل في دبي وقد أصابتني شظايا الحرب الأهلية .
لقد فقدت في الحرب العراقية الإيرانية الملعونة عشرة من زملاء الدراسة وخمسة وعشرين صديقا وفي بداية سنة 1989 شعرت أنى تقريبا بدون أصدقاء وهذا يعني أنى فقدت قسما كبيرا من تاريخي ومن ذاكرتي، فحياتنا كبشر هي عبارة عن أصدقاء يتفاعلون ويصنعون الأحداث معا، ولو فقد أحدكم هذا الكم من الأصدقاء لفقد جزءا من ذكرياته وماضيه الجميل وعاش بقية حياته في الم لا يمكن علاجه وهذا ما حصل معي وحصل مع الأف البشر الذين يعيشون ألما مستمرا دون قدرتهم على وصف ذلك الألم.

بسام شكري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1257 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع