
فارس حامد عبد الكريم*
التفكير الموضوعي وتطبيقاته العلمية والشرعية.
(فكر الامام علي (ع) نموذجاً)
التفكير الموضوعي عبارة عن عملية عقلانية ذهنية مجردة تتبنى على دراسة المشكلات وتحليلها بحيادية تقوم على الحقائق الحقة والبحث عن الأدلة، بعيداً عن الأهواء الشخصية، العواطف، أو التحيز.
وعلى هذا النحو فإن التفكير الموضوعي يدرس الواقع المجرد، أي الأفكار، المفاهيم، أو الحقائق التي تُدرك بالذهن والعقل بتجريدها عن سياقها المادي الملموس أو مايدرك بالحواس الخمسة.
فالتجريد هو عالم الأفكار، الرموز، العلاقات الرياضية، والقيم التي توجد كحقائق منطقية مستقلة، حتى وإن لم يكن لها تجسيد فيزيائي مباشر.
وعلى هذا النحو يقصد بالمجرّد، القدرة على بناء فرضيات ونظريات (في الفلسفة أو الفيزياء او علم القانون او علم السياسة او علم النفس ...) معتمدة على العلاقات بين المفاهيم وليس على تجارب مادية مباشرة.
فالواقع يُفهم من خلال التفكير العقلي المجرد والتصور ويتعامل مع أفكار مثل "العدالة"، "الحرية"، أو "اللانهاية الرياضية" ، وهي أمور غير موجودة في مكان مادي محدد او ملموس.
ومن امثلة التفكير المجرد:
الأرقام: (العدد 5 مثلاً في حد ذاته دون نسبته الى شئ معين).
الرموز: تُستخدم الرموز المجردة بشكل متكرر في مختلف العلوم ومنها ما ظهر في حركات الفن الحديث، مثل التعبيرية التجريدية، حيث ينصب التركيز على نقل التجربة العاطفية بدلاً من تمثيل العالم المادي).
النظريات العلمية: (في العلوم مثلاً نظرية الجاذبية لنيوتن، نظرية ارخميدس، نظرية اينشتاين النسبية، وفي مجالات علم النفس نظرية فرويد مثلاً، وفي القانون نظرية الشخص المعنوي...)،
والنماذج الفكرية: تصور الشخص لكيفية عمل نظام معين (مثل توقعه لكيفية عمل المصباح الكهربائي او الهاتف الذكي وتحويل الفكرة الى نموذج صناعي).
والتفكير الموضوعي هو أداة معيارية في فهم جوهر الموضوع الواقع والمشاكل والحلول لانه يقوم على التوازن بين الرؤى لفهم جوهر الموضوع وغايته او سببه بتجرد للوصول إلى استنتاجات علمية، منطقية وعادلة وابتكار الحلول الرائدة، واتخاذ قرارات صائبة، وهو في نهاية الأمر مهارة حيوية ذات صبغة عبقرية في التعامل مع تعقيدات الحياة اليومية، المهنية، والبحث العلمي.
وفي القضاء مثلاً ينبغي ان يكون الحكم موضوعياً يقوم على العقل والمنطق، ليتمكن من مقاومة الطعن.
وفي القضاء ينبغي ان يكون الحكم موضوعياً:
ويقوم الحكم القضائي الموضوعي على ثلاث عناصر:
1- عنصر التقدير: أي تقييم القاضي للوقائع والأدلة، بموجب السلطة التقديرية الموضوعية الممنوحة للقاضي لفحص وتمحيص، وترجيح الأدلة المقدمة في الدعوى (شهادات، مستندات، خبرة) للوصول إلى الحقيقة
ويقصد بالموضوعية هنا استبعاد ارائه الشخصية ومعتقداته بل وحتى علمه الشخصي مالم يكن معلوماً للعامة، وصولاً الى اقتناع وجدانه بصحة الواقعة أو نفيها.
2- عنصر التكييف:أي تطبيق القاعدة القانونية على الواقعة، وهو نتاج عقلاني ومنطقي، وليس مجرد تطبيق آلي.
3- التسبيب: يجب أن يكون الحكم مسبباً تسبيباً منطقياً مقنعاً للعقل والمنطق، وإلا سيتعرض للطعن.
نموذج من التفكير الموضوعي المجرد
في فكر الإمام علي بن أبي طالب (ع)،
يتميز فكر الامام علي بموضوعينه وشموليته وعمقه الإنساني، ومدرسته الفكرية الخاصة التي ترتكز على العدل والإنصاف في موزانة متكاملة بين الواقع والقيم الخلقية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، فنجد في ثنايا خطبه واحاديثه في مجالسه (نهج البلاغة) علوم مختلفة مثل علم الأخلاق، علم الإجتماع، وعلم الإدارة وهو المنهج الإداري القائم على الكفاءة والمسؤولية، وفن الحرب وخططه واخلاقياته.
ويجمع فكره بين العقيدة الراسخة والمعرفة العلمية، مقدماً نموذجاً قيادياً يوازن بين متطلبات الدولة وحقوق الرعية، مع بلاغة متميزة
وكنموذج عميق الدلالة موضوعياً يعبر عن حقائق مجردة نتناول قوله (ع)
(لا تنظر لمن قال بل انظر لما قال)
هنا يرى الامام (ع) ان تقييم القول او الفعل او السلوك المهني والمسؤولية الجزائية والمدنية على اساس معيار موضوعي(1) وليس معيار ذاتي ألا في حالات نادرة.
ومضمون هذا المعيار هو التفكير النقدي الموضوعي، حيث يجب تقييم الكلام بناءً على منطقيته، صحته، وفائدته، والتركيز على الحقيقة وتتبع الحق والحكمة وليس على شخصية القائل،او قوميته، دينه، طائفته، أو مكانته الإجتماعية سواء كان من كبار القوم او من بسطاء الناس.
وهنا يتجسد التجريد من خلال طرح العوامل الخارجية والنظر الى جوهر الفكرة.
مضمون المقولة
هذه المقولة تتضمن بين ثناياها معنى محاربة التعصب والانحياز العاطفي أو الفكري ضد أشخاص معينين بسبب المعتقد او القومية او الطائفة، والذي قد يمنع الاستفادة من افكارهم أو قبول الحقيقة منهم.
فالحكمة ضالة المؤمن، والحكمة لا تقتصر ولاشك على طائفة محددة من البشر (المؤمن المسلم السني او الشيعي او المسيحي).
فهي ملكة يتمتع بها بعض البشر ممن أودع الله في ضمائرهم حب الحكمة وروح العدالة والبحث عن طبيعة الكون والانظمة القائم عليها وتأملها، بغض النظر عن مصدرها الشخصي.
وعلى هذا ينبغي ان يكون التقييم موضوعياً بعيداً عن الهوى والتحكم.
وموضوعية التقييم يكون من خلال الحكم على "المضمون" بدلاً من "الهوية" (من قال)، مما يحمي من قبول الباطل من قريب أو رفض الحق من بعيد.
وهي في النهاية دعوة لأن يكون الإنسان "نقاداً للكلام"، يأخذ الحق من أي مصدر، كما ذكر الإمام الصادق (ع):
«خذوا الحق من أهل الباطل، ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق».
وتعتبر هذه القاعدة أساساً في التفكير المنطقي والعلمي، وتؤكد على أن قيمة المعلومة تكمن في صحتها وليس في قائلها.
وعن هذا قال أمير المؤمنين عليه السلام (الحكمة ضالّة المؤمن، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق)
هنا تم تجريد الحكمة عن قائلها ودراستها بشكل موضوعي مستقل ومن ثم قبولها او رفضها.
نمودج للتفكير الموضوعي في التراث العربي، هناك كثير من الخطب والروايات والقصائد تعبر عن الواقع بشكل يتسم بالموضوعية والمنطقية،
ومن ذلك ما ورد في أحدى قصص التراث العربي عن قصة فتى المعي وذكي لدرجة ان رجال القبيلة كانوا يستشيرونه في امورهم العامة رغم حداثة سنه، وفي جلسة حضرها ضيوف، ذكر احد الضيوف حديث شريف يتضمن حكمة، فرد عليه آخر ان هذا الحديث منسوب !!
فرد الصبي فوراً: ولكنه صحيح عقلاً حتى لو لم يقله الرسول (صلى الله عليه وآله)
الموضوعية في الفلسفة:
الفلسفة علم موضوعي تجريدي ساهمت به البشرية على مر التاريخ، بل ان اغلب العلوم النظرية التي بنيت على مستخرجات الفلسفة وما خرج من ثوبها من افكار وتظريات وعلوم انما خرجت من بشر من مختلف الملل والنحل.
حيث تعتبر الفلسفة "أم العلوم"، وهي علم عالمي ينتسب الى البشرية جمعاء ولايختص بجنس او قومية او دين معين حيث خرجت من رحمها معظم العلوم الحديثة والمعرفية، خاصة بعد عصر النهضة وظهور المنهج التجريبي، وانفصلت عنها لتتخذ مناهج خاصة بها، ومن أبرزها: العلوم الطبيعية (Natural Sciences): (الفيزياء، الكيمياء، الأحياء)، العلوم الرياضية، علم الفلك، علم الاجتماع، علم النفس، وعلم الفلسفة
وكانت تسمى سابقاً "الفلسفة الطبيعية"، وقد انفصلت عن الفلسفة بتبني المنهج التجريبي بدلاً من التأمل الفلسفي.
العلوم الرياضية(Mathematics):انفصلت باستخدامها لمنهج التحليل الرياضي.
علم النفس(Psychology): كان جزءاً من دراسة الفلسفة للنفس والروح (فلسفة العقل)، ثم استقل ليصبح علماً تجريبياً يدرس السلوك.
علم الإجتماع(Sociology): تطور عن الفلسفة الاجتماعية والسياسية.
علم الفلك(Astronomy): انفصل ليصبح علماً يدرس الظواهر الكونية استناداً للملاحظة والقياس.
العلوم السياسية(Political Science):
تفرعت من الفلسفة السياسية والأخلاقية.
العلوم الأخلاقية والمنطق: تطورت من دراسات أرسطو والأقدمين، وتفرعت لتشمل دراسات معيارية أوسع.
تعتمد هذه العلوم حالياً على "المنهج التجريبي" أو "الكمّي"، بينما لا تزال الفلسفة تعتمد على المنهج النقدي والتأملي، رغم بقاء الروابط الوثيقة بينهما.
الخلاصة: (خذ العلم ولو كان في الصين).
حديث شريف.
2026/2/2
------
*النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية

1431 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع