
د. علي محمد فخرو
متى ستتوقف التعابير والأفعال العنجهية الأميركية
تحتاج قيادات وكل مكونات الأمة العربية أن تكون شديدة الحذر تجاه دولة يصرح وزير خارجيتها، أولبرايت، إبان عصر رئيسها السابق، كلينتون، منذ عدة عقود، بقولها إذا كان يحق لنا، أو يجب علينا أن نستخدم القوة فذلك لأننا أميركا... نحن الأمة التي لا بد منها للعالم.... نحن الأمة الضرورية لتوازن العالم.
لو صرح وزير خارجية أميركا الحالي بشأن مكانة وأهمية وهيمنة أميركا الحالية العالمية، فلن يقول أكثر من عجرفة تعبير فذلك لأننا أميركا الذي يجعل لهذه الدولة خصوصية امتيازية لا تنطبق على أحد غيرها... خصوصية تؤهلها لأن تتصرف خارج الأعراف وخارج حقوق أنظمة العلاقات الدولية وخارج القيم الأخلاقية والإنسانية،
كما تفعل مع كثير من الأمور من مثل موضوع الهدنة في غزة، وموضوع تدخلها المباشر في اختيار رئيس وزراء العراق المقبل، وموضوع التدخل الانتهازي في الشأن السوداني، وموضوع المحاصرات الاقتصادية الجائرة لكل دولة تشاء وكما تشاء، وموضوع الإضعاف أو التدمير لمؤسسات دولية من مثل منظمة الصحة العالمية والأونروا واليونسكو، وموضوع الإصرار على إبقاء هيمنة الدولار على التعاملات المالية عبر العالم لاستعماله في الابتزاز والإفقار والعقاب والتفليس،
وموضوع اختطاف أو قتل رؤساء الدول من الذين لا يرضخون لمطالبها المهينة والضارة، ومن مثل الإصرار على حماية كيان صهيوني استعماري عنصري في فلسطين المحتلة، بالرغم من كل تجاهلاته لقوانين الحروب ولحقوق المسجونين ولقتله الأطفال وبالرغم من تجاهله المشين لشتى القرارات الحقوقية من قبل شتى المؤسسات الحقوقية الدولية والتي أعلنت مراراً تجريمه لارتكابه كل الرذائل والموبقات الحقوقية الإنسانية، ومن مثل ومثل ومثل إلخ.... من قائمة طويلة من الاعتداءات والتدخلات الأميركية على شتى بقاع العالم، وشتى الشعوب، وشتى المؤسسات،
وذلك منذ أن أسست هذه الدولة على جماجم ملايين الضحايا من الساكنين الأصليين لأميركا الشمالية إلى يومنا هذا.
ولو اقتصر الأمر على العنجهيات الكلامية، من مثل تصريحات أولبرايت التي أشرنا إليها، لهان الأمر. لكن الكوارث تهيمن عندما تكون العنجهيات في شكل ردود أفعال غاضبة بشأن ما تعتقد أنه مساس بهيبتها.
مثال صارخ ما حدث في التسعينيات من القرن الماضي عندما اعتدت جماعات أفريقية على الوجود الأميركي في الساحل الأفريقي الشرقي وتسبب الاعتداء بموت أكثر من مئتي عسكري وأمنى ومدني أميركي. فماذا كان رد الفعل الأميركي الرسمي لرد الاعتبار للكرامة الأميركية المهانة؟
أوقعت الحكومة الأميركية في الحال اللوم على مصنع الشفاء السوداني للأدوية واتهمته بإنتاج الغازات السامة التي استعملها المعتدون لقتل الأميركيين. وفي الحال صدر الأمر للهجوم على مقر المصنع في الخرطوم، الأمر الذي في مقابل موت حوالي مئتي أميركي تسبب في موت عشرات الآلاف من السودانيين المدنيين الأبرياء. والذي أعلن نتائج تلك الفاجعة في تصريح علني له كان السفير الألماني في الخرطوم، إضافة بالطبع لما أعلنته حكومة السودان الذي أكد موت عشرات الآلاف من السودانيين.
إنه رد فعل زاد في حجمه وبربريته بآلاف المرات عما حدث للأميركيين.
هذه العادة الأميركية في ردود أفعالها تجاه مس كرامتها تكررت مئات المرات في مئات بقاع العالم منذ قامت هذه الدولة وحتى يومنا هذا.
والغريب أن أنظمة الحكم الأميركية التي قامت أو نطقت بكل تلك التعديات على حقوق الآخرين وكرامتهم قد نسيت، أو تناست، الأسس القيمية والأخلاقية والحقوقية الإنسانية التي تضمنها إعلان بدء وجود الأمة الأميركية منذ حوالي ثلاثمئة سنة، والمعروف بإعلان فرجينيا الشهير الذي نص على أن كل البشر قد خلقوا متساوين، وأن خالقهم قد أوجب لهم حقوقاً غير قابلة للمساس بها، من مثل حق الحياة، والحرية ونشدان السعادة.
وأنه من أجل حماية تلك الحقوق على الحكومات أن تكون حكومات شرعية بالتراضي.
نحن العرب الذين يحترق بعضنا يومياً بنيران وبربرية وصلف الوجود الأميركي في شتى بقاع وطن العرب يحق لنا أن نتساءل: هل أن تلك الإعلانات الجميلة السامية هي فقط للزينة والتفاخر أم أن العظام الذين وضعوها أرادوها للبشرية؟ متى سيتصرف الشعب الأميركي ويجيب عن هذا السؤال بعد أن أهملته أنظمة الحكم الأميركية المتعاقبة دون حياء ودون ذرة من ضمير وأخوة إنسانية؟

1421 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع