تحت المجهر - (من العصر الحجري إلى عصر الذكاء الاصطناعي)

موفق الخطاب

تحت المجهر -(من العصر الحجري إلى عصر الذكاء الاصطناعي)

لم يكن جيفري إبستين مجرّد رجل أعمال سقط ومن ورطهم في فضيحة مدوية، بل تحوّل اسمه إلى مرآة لخلل عميق في تداخل المال بالسلطة وغياب الانسانية.
لقد أُدين عام 2008 بجرائم تتعلق باستغلال قاصرات ، ثم أُعيد توقيفه عام 2019 بتهم الاتجار الجنسي قبل وفاته في محبسه في ظروف غامضة.
وأُدينت شريكته السابقة غيلين ماكسويل بأحكامٍ قضائية مرتبطة بالاستدراج والاستغلال.
أما جزيرته الخاصة التي غدت رمزا لعالمٍ تُدار فيه العلاقات المشبوهة بعيدا عن أعين الرقابة.
القضية لم تكن قصة جزيرة تدار منها كل الموبقات فحسب، بل نموذجا حين يتحوّل السرّ إلى أداة نفوذ، وحين يُستثمر الضعف البشري في صناعة القرار.
وتكررت الصورة بأشكال مختلفة في توريط زعامات و مشاهير بعضهم أُدينوا قضائيا بعد سنوات من التعتيم عليها والاخرين ما زالوا يستغلون نفوذهم للإفلات من القضاء ، مما يعني أن السلطة و الشهرة والمال لا تبقي الحصانة على طول الخط، وأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تُلغى.

غير أن العالم تغيّر جذريا. فلم تعد تلك “الجزيرة المعزولة” شرطا لإخفاء الأسرار.
لكننا سادتي نحن اليوم أمام جزيرةٍ رقمية اكبر من جزيرة ابيستين اسمها:
[البيانات].
فكل رسالة، و صورة، وصوت و كل حركة تُسجَّل وتُحلل. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي بوصفه الفاعل الأكبر في عصر الانكشاف.
و مخاطر الذكاء الاصطناعي يتقدمها التزييف العميق ،حيث يمكن لتقنيات توليد الصور والفيديو وبصمة الصوت أن تصنع مشاهد تبدو حقيقية تمامًا.
فقد يُلفَّق تصريح، أو تُركَّب صورة، فتنهار سمعة أو تُشعل أزمة سياسية وربما تصل الى حد اندلاع الصراع الفردي و المجتمعي بل حتى الدولي.

كذلك يبرز عامل يثير القلق ويتمثل بالتحليل السلوكي والتنبؤ، فالخوارزميات قادرة على تحليل سلوك الأفراد والتنبؤ بميولهم، ما يجعلهم أهدافا سهلة للتأثير أو الابتزاز أو التلاعب .
أما الحروب المعلوماتية فقد احتلت مركزا متقدما في اتخاذ القرار، و لم تعد المعارك فقط عسكرية؛ بل هناك جيوش إلكترونية تُدار بخوارزميات لنشر التضليل وصناعة الرأي العام، في حروبٍ اقتصادية وسياسية عابرة للحدود.

اليوم اصبح كل شخص على المعمورة وحتى الطفل القاصر طالما يزوده والديه بالمحمول غباءً بلا خصوصية.
فكثرة التطبيقات المجانية والبيانات الضخمة على هاتفك المحمول و باقي اجهزتك الرقمية تعني أن حياتك الرقمية وصولا الى حياتك اليومية يمكن إعادة اختراقها و تركيبها بالكامل ، حتى من دون إذنك المباشر.

و تطل علينا البطالة كأزمة مستقبلية ستربك العالم لا محالة وهي الاستبدال الوظيفي والاقتصادي عبر الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتفريخ الروبوتات وانشطارها كالفايروسات التي قد تُقصي مئات ملايين الوظائف ، مما يخلق توترات اجتماعية واقتصادية عميقة يصعب حلها.

إذاً كيف نتعامل مع هذا الواقع المرعب؟
أولا: على الأسر بناء وعي رقمي.
كما كان أسلافنا يحذرون من الكلمة غير المحسوبة، يجب أن ندرك أن كل أثر رقمي قد يبقى للأبد.
ثانيا: لابد من اصدار التشريعات والحوكمة.
فالدول مطالبة بوضع أطر قانونية تنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحاسب على إساءة توظيفه، وتلزم بالشفافية في الخوارزميات المؤثرة في الرأي العام.
ثالثا: الزام الشركات والمطورين في تبنّي معايير أخلاقية واضحة، لأن التقنية بلا ضمير قد تتحول إلى أداة قمع أو تضليل.
رابعا: نشر ثقافة التبصر والتحقق حتى لا يُصدَّق كل فيديو، ولا يُعاد نشر كل خبر.
فالتربية الإعلامية أصبحت مهارة حصانة و بقاء.
و أهم حصانة في عصر الانكشاف هي تقليل الفجوة بين العلن والسر.
ففي تراثنا قيل: “من أصلح سريرته أصلح الله علانيته”.
فالنزاهة لم تعد فضيلة مثالية، بل استراتيجية أمان.

لقد كثرت النظريات حول “الأيادي الخفية” و المؤامرات التي تحرّك الأحداث، وربط البعض قضايا النفوذ بتنظيمات سرية و ماسونية وغيرها. غير أن التجربة تُظهر أن الخطر الأكبر ليس دائمًا في تنظيمٍ أسطوري، بل في تلاقي الطمع البشري مع غياب الرقابة الصارمة.
فحين تتراكم السلطة والاموال بأيدي التافهين ممن لا يفقه خطورتها دون تتبع و مساءلة ، تتكوّن عندها شبكاتٌ تحمي نفسها وتنخرط في الفساد ثم اختراقها وتجنيدها…

لقد انتهى عصر الحصانات المطلقة، في زمن الذكاء الاصطناعي، فقد يسقط النفوذٌ والجبروت ويعجز المال عن منع عرض ملفٍّ مسرّب للعلن، وقد تُصنع أزمة بمقطع مزيف. المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في الوعي.
الدرس الأعمق ليس الخوف من التقنية، بل تهذيب استخدامها. فالتقنية أداة؛ قد تكون جسرا للمعرفة أو سلاحا للهيمنة.
والضامن الحقيقي ليس مقاطعة الجزيرة، ولا هدم الجدار، ولا نسف الخوارزمية ولا تحطيم ومقاطعة التطور التقني… بل إيقاض ضميرٌ حيّ، ونظامٌ عادل وتوزيع عادل للحقوق والاموال ، ووعيٌ لا يُخدع بسهولة...
وقد سبق القرآن الكريم الجميع في التنبيه لعالم الرقميات عندما نبه بني البشر قائلا:
[[هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون]]

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

833 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع